الفصل 18 - التأقلم.
أدرك «زوريان» أنه يجدر به التركيز على ما تقوله «إيلسا»، بيْد أنه—ومهما حاول—لم يكف عقله عن التفكير ملياً فيما حدث.
بالنظر إلى الأمر بأثر رجعي، لم يكن ليُفاجأ بهذا التطور المروع للأحداث؛ فغزو بهذا النطاق الواسع يستحيل إبقاؤه طي الكتمان دون مساعدة داخلية قوية، لذا من الطبيعي أن يكتشفوا أمر أي شخص يدق ناقوس الخطر بشأنهم! علاوة على ذلك، لو كان إيقاف الغزو يتلخص في حل بسيط كإبلاغ سلطات إنفاذ القانون، لكان «زاك» قد فعله بكل تأكيد، ولما كان «زوريان» ليعيد هذا الشهر للمرة الثالثة.
مع ذلك، فقد بدأ يولد لديه قدر لا بأس به من الاحترام تجاه هذه… الإعادات. كانت هذه المرة الثانية التي يلقى فيها حتفه رغم أنه لم يمر بهذا الشهر سوى ثلاث مرات. بدا وكأنه عرضة للموت بسهولة. ألم يقل «زاك» شيئاً عن تعرضه الدائم للتفجير في ذلك القصف الأولي ما لم يفعل هو شيئاً حيال ذلك؟
عاد إلى أرض الواقع حينما أدرك أن «إيلسا» قد توقفت عن الحديث وأخذت تحدق فيه بتمعن. فرمقها بنظرة متسائلة.
سألته: “هل أنت بخير تماماً؟” لاحظ «زوريان» اختلاسها النظر إلى يديه. لماذا قد تفعل-
أوه.
كانت يداه ترتجفان. ولعله كان شاحباً جداً أيضاً، إن كان لون بشرة يديه يعكس حالته. فرك يديه معاً بضع مرات ثم كورهما في قبضتين ليستعيد السيطرة عليهما.
اعترف «زوريان»: “ليس تماماً. ولكني سأكون كذلك. لا داعي للقلق حيال الأمر.”
حدقت فيه لثانية إضافية ثم أومأت برأسها.
قالت: “حسناً جداً. هل تريدني أن أنقلك آنياً إلى الأكاديمية؟ لا أتخيل أن ركوب القطار في حالتك هذه سيكون أمراً ممتعاً بالنسبة لك.”
طرف «زوريان» بعينيه، عاجزاً عن التعبير. كان يمقت السفر بالقطارات في أفضل الأحوال، لذا كان عرض كهذا بمثابة هبة من السماء في الوقت الراهن، ولكن… لماذا؟
حاول التبرير: “لا أريد أن أكون مصدر إزعاج لكِ…”
قالت: “لا تقلق، كنت ذاهبة إلى هناك على أية حال. إنه أقل ما يمكنني فعله تعويضاً عن تأخري في الوصول إليك وسلبي حق اختيار مرشدك منك.”
حسناً، كان هذا الجزء صحيحاً. لقد كان «كزفيم» مرشداً مريعاً وعديم الفائدة بحق.
استأذن «زوريان» لإخبار والدته بمغادرته – وهو ما استغرق وقتاً أطول بكثير من اللازم في رأيه، إذ لم تتوقف والدته عن إمطاره بالأسئلة حول الانتقال الآني، وقد استبد بها القلق فجأة على سلامته – قبل أن يلتقط أمتعته ويتبع «إيلسا» للخارج. كان متحمساً قليلاً في الواقع، إذ لم يسبق له الانتقال آنياً من قبل.
كان ليبلغ حماسه ذروته، لولا أن ذكرى طعنه حتى الموت كانت لا تزال حاضرة بشكل مزعج، مما ثبط من حماسته نوعاً ما.
سألته: “مستعد؟”
فأومأ برأسه.
قالت «إيلسا»: “لا تقلق، فالشائعات حول مخاطر الانتقال الآني مبالغ فيها إلى حد كبير. يستحيل أن تعلق داخل أجسام صلبة – فالتعويذة لا تعمل بهذه الطريقة – وإن ساءت الأمور فسأدرك ذلك على الفور وأسقط التعويذة قبل أن تمزقنا تموجات الأبعاد.”
عبس «زوريان». كان يعرف ذلك بالفعل، بيْد أنه لم يرَ جدوى من الإشارة لذلك – فمن الواضح أنها استرقت السمع لمحادثته القصيرة مع والدته.
شرعت «إيلسا» في الترتيل، فاعتدل «زوريان» في وقفته، غير راغب في تفويت-
تموج العالم، ثم تغير. وفجأة وجدا نفسيهما واقفين في غرفة دائرية جيدة الإضاءة، نُقشت على أرضيتها الرخامية التي يقفان عليها دائرة سحرية ضخمة. لم يشعر بأي دوار، ولا وميض ألوان، ولا أي شيء – كان الأمر مخيباً للآمال تقريباً. تفحص الغرفة التي يتواجدان فيها بتمعن أكبر، محاولاً معرفة مكان تواجدهما.
أوضحت «إيلسا»: “هذه نقطة إعادة توجيه الانتقال الآني. تحول حواجز الأكاديمية مسار أي انتقال آني وافد إلى هذا المكان لدواعٍ أمنية. بالطبع، هذا بافتراض أنك تمتلك المفتاح المناسب والتصريح الكافي للانتقال الآني للداخل من الأساس.”
رمقته بنظرة ثاقبة. “الانتقال الآني إلى مساحة محمية بحواجز ليس سوى واحد من المخاطر العديدة لهذه التعويذة. لا تحاول تجربتها بمفردك.”
أشار «زوريان»: “إيه… أنا متأكد تماماً أن الانتقال الآني يتجاوز مستوى وصولي بكثير.”
هزت كتفيها قائلة: “بعض الطلاب قادرون على إعادة بناء التعويذة بعد رؤية إلقائها مرة واحدة فقط. وبمجرد معرفتك للترتيل والإيماءات، تكون قد أنجزت 80% من العمل بالفعل.”
طرف «زوريان» بعينيه. الآن، لماذا لم يفكر في ذلك؟
سألها ببراءة: “هل تمانعين في إلقاء تلك التعويذة مرة أخرى؟ لأغراض أكاديمية بحتة، كما ترين…”
ضحكت بخفوت: “لا. وإن كان هذا سيشعرك بتحسن، فأنا أشك في امتلاكك لاحتياطيات مانا تكفي لإلقاء التعويذة ولو لمرة واحدة.”
في واقع الأمر، لم يشعره ذلك بأي تحسن. لم يكترث لمدى خطورتها، سيتعلم تعويذة الانتقال الآني بمجرد أن يتسنى له ذلك. لقد اختصر للتو يوماً كاملاً من السفر بالقطار في لمح البصر – والقدرة على فعل أمر كهذا متى شاء تستحق تكبد الكثير من العناء لاكتسابها. أطلق تنهيدة وترك «إيلسا» لشؤونها الخاصة ليتسنى له الاستقرار في غرفته.
تمتم «زوريان» في نفسه وهو يفتح باب غرفته ويسقط أمتعته على الأرض بارتياح: “بإمكاني الاعتياد على هذا النوع من السفر. من المؤسف أنني لم أستطع قط اصطناع الضيق بشكل مقنع بما يكفي، وإلا لأقنعت «إيلسا» باصطحابي معها في بداية كل إعادة.”
تسمر في مكانه. لم يكن يجدر به التفكير بهذه الطريقة. لقد كان تفكيراً خطيراً. لا يملك أي دليل على أن الإعادات ستستمر إلى ما لا نهاية. في الواقع، كل ما يعرفه عن السحر يخبره باستحالة ذلك – فأياً كانت التعويذة التي أُلقيت عليه، فستنفد طاقتها من المانا في مرحلة ما، وحينها لن تكون هناك إعادة، ولا فرص ثانية… ولا عودة من الموت. كان لزاماً عليه التعامل مع كل إعادة وكأنها الأخيرة، لأنها قد تكون كذلك بالفعل.
غير أنه اضطر للاعتراف بأنه، ورغم انتهائها بتلقيه طعنات حتى الموت، إلا أن الإعادة السابقة لم تكن كارثة مطلقة – فعلى الأقل بات شبه متيقن من أن «زاك»، وليس الليتش، هو المسؤول عن هذا.
بدلاً من البحث في اللغات المجهولة والسفر عبر الزمن، ربما سيكون من الحكمة اكتشاف أين يختفي «زاك» في كل مرة.
لكن ليس الآن. فهو يستحق قسطاً من الراحة بعد عودته من الموت.
كان يجدر به حقاً معرفة أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. ففي اللحظة التي حاول فيها تعقب «زاك»، تذكر السبب الذي منعه من فعل ذلك في إعادته الأولى بالذات.
لم يكن «زاك» مجرد وريث لعائلة «نوفيدا» النبيلة – بل كان الفرد الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة من تلك العائلة، بعدما قُتل بقية أفراد عائلته في “حروب الانقسام”. كان «زاك» على وشك وراثة إمبراطورية مالية ضخمة وإرث يمتد لأجيال عدة من السحرة بمجرد بلوغه سن الرشد؛ لذا فإن كل ما يتعلق به كان يخضع لتدقيق شديد من قِبل عدد كبير من الأطراف المهتمة.
{{{{{{{ذكرني بنيف}}}}}}}
بناءً على ذلك، كان اختفاؤه بمثابة “حدث جلل”، وقد أراد الكثير من الناس معرفة أين ذهب.
لم يكن «زوريان» سوى واحد من هؤلاء الناس، وإن كان هؤلاء (ومن استأجروهم) قد أخفقوا في تعقبه، فإن فرصه في ذلك شبه معدومة. وغني عن القول أنه لم يحرز أي تقدم. كما توقع، لم تكن الفتاتان اللتان رافقهما «زاك» خلال شهر «زوريان» الأصلي متميزتين البتة دون وجود وريث «نوفيدا» لمعاونتهما ومرافقتهما (وأدى الاستفسار عنهما إلى انتشار بعض الشائعات المزعجة حقاً؛ بصراحة، ألا يمكن لفتى السؤال عن فتاة دون أن يفترض الجميع أن لديه اهتماماً عاطفياً بها؟)، كان منزله مغلقاً بتعاويذ حماية بالغة القوة، بالاضافة الى تعذر الوصول إلى وصيه القانوني، و إن كان لديه أي أصدقاء مقربين، فلم يكونوا من بين زملائه في الصف.
لم يكن «زوريان» محققاً، ولم يكن لديه أدنى فكرة عما يجب البحث عنه أيضاً. بالنظر إلى أن العديد من المحققين المحترفين قد أخفقوا بالفعل (وواصلوا إخفاقهم) في تعقب الفتى، فقد خمّن أن الأمر لن يجدي نفعاً حتى وإن كان ملماً ببعض أساسيات تعقب الأشخاص.
انقضى شهر دون تحقيق أي نتائج تُذكر. وحل مهرجان الصيف، استقل «زوريان» مجدداً قطاراً مغادراً لـ«سيوريا»، مستيقظاً ومتيقظاً بينما يشتد سواد الليل وتنقضي الدقائق. أحضر معه ساعة جيب هذه المرة، وظل يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، داعياً في سره ألا يضطر للبدء من جديد مرة أخرى، ولكنه راغب في الوقت ذاته في معرفة اللحظة الدقيقة التي يُقذف فيها عائداً إلى الماضي في حال حدث ذلك.
كما كان متوقعاً، لم تُستجب دعواته. وفي وقت ما قرابة الدقيقة الثانية بعد منتصف الليل، غاب عن الوعي ليجد نفسه مستيقظاً و«كيري» فوقه تتمنى له صباحاً سعيداً.
لربما كان يجدر به الاعتراف بذلك لنفسه في تلك اللحظة بالذات. ففي النهاية، كان شخصاً ذكياً إلى حد ما، ولم يكن من النوع الذي يخدع نفسه. غير أن الأمر تطلب 4 إعادات أخرى قبل أن يتقبل حقيقة مأزقه: لقد كان عالقاً في نوع من الحلقة الزمنية، والتي لن تنتهي في أي وقت قريب.
لم يدرِ كيف كان ذلك ممكناً. ربما كانت التعويذة تستمد طاقتها من احتياطيات «زاك» من المانا التي تبدو وكأنها لا تنضب بدلاً من أن تقتصر على مقدار ثابت لحظة إلقائها.
ربما كانت إحدى تلك التعاويذ النادرة ذاتية الاستدامة. ماذا بحقك، ربما تغلغلت إلى قلب العالم واستمدت قوتها من تنين العالم ذاته! لم يكن يهم حقاً كيف فعلت ذلك، بل جل ما يهم أنها فعلت.
لكن هذه نظرة بأثر رجعي – ففي ذلك الوقت رفض تقبل الأمر ببساطة، محاولا بدلاً من ذلك العيش كما كان ليفعل في الظروف العادية. كان الأمر مملاً بعض الشيء، أجل، ولكن ماذا لو كانت هذه الإعادة بالذات هي التي ينتهي فيها كل شيء؟ الإعادة التي لن تختفي فيها عواقب اختياراته بسحر ساحر عند الدقيقة الثانية بعد منتصف الليل في ليلة المهرجان (لقد تحقق من الأمر، وأجل، كان التوقيت ثابتاً عبر الإعادات الأربع جميعها).
لقد سئم من ذلك رغم كل شيء – لم يعد بوسعه الاستمرار على هذا المنوال. فباستثناء جزء الغزو، كان الشهر مملاً حتى في المرة الأولى، وها قد عاشه ثماني مرات بالفعل.
لقد حفظ منهج الشهر الأول جيداً لدرجة تمكنه من تحقيق درجات شبه مثالية في كافة المواد، حتى في الحماية السحرية. واكتشف أن ذلك لم يؤثر كثيراً على طريقة معاملة الناس له. فقد عُرف عنه الكفاءة، وكانت درجاته جيدة جداً دائماً، لذا لم يتفاجأ الناس حقاً حينما تفوق في جميع الامتحانات أو ألقى قذيفة سحرية مثالية بلا أدنى جهد في أول حصة للسحر القتالي.
كان ذلك ضمن نطاق توقعات الناس، على عكس تحسن «زاك» المفاجئ.
الشخصان الوحيدان اللذان تغير سلوكهما استجابة لتحسنه كانا «أكوجا» و«كزفيم». فقد باتت «أكوجا» مزعجة كضعف ما كانت عليه بعدما ظنت على ما يبدو أنها وجدت روحاً شقيقة، وأخذت تصر دائماً على أن يتحققا من عمل بعضهما البعض وتطلب مساعدته كلما تعصى عليها فهم أمر ما.
ظن «زوريان» أنها ستستشيط غيرة لتفوقه على درجاتها، بيْد أنه بدا أنها أقل انزعاجاً بكثير من أن يتفوق هو عليها، مقارنة بتفوق أمثال «زاك» و«نيولو».
أما «كزفيم»، فقد اتخذ من درجاته الممتازة مؤشراً على ضرورة إخضاعه لمعيار أعلى. وبناءً على ذلك، لم يكتفِ برفضه لإعلان أن تمرين “دوران القلم” جيد بما يكفي للانتقال لشيء آخر، بل خفض رتبته ليعيده إلى تمرين الطفو العادي. وبكل صدق، لم ينزعج «زوريان» كثيراً من ذلك – فحتى لو أتقن تمرين دوران القلم بما يرضي «كزفيم»، لم يساوره شك في أنه لن يحصل على شيء سوى تنويع ثانوي آخر من المهارات الثلاث الأساسية ليتدرب عليه.
لذا، في المجمل، كان خوض شهر ممل آخر كهذا أمراً غير وارد. اختار مواد اختيارية مختلفة هذه المرة – علم الفلك، والهندسة المعمارية، وجغرافية تدفق المانا العالمي – كان عاقداً العزم تماماً على خفض درجاته الأكاديمية لتصل إلى مستواها الطبيعي لكي يعود كل من «كزفيم» و«أكوجا» إلى طبيعتهما الأكثر احتمالاً.
كما اعتزم تفويت عدد لا بأس به من مشاريع الواجبات المنزلية المستهلكة للوقت ليركز على دراساته الشخصية، كان ينوي أيضا إنفاق جزء كبير من مدخراته على الإمدادات الخيميائية.
وإن قُدر لهذه الإعادة أن تكون الأخيرة، فسيواجه متاعب جمة بلا شك، بيْد أن ذلك لن يكون نهاية العالم، خمّن أن الاضطرابات التي ستعقب الغزو ستجعل العديد من المخاوف العادية بلا قيمة تُذكر.
ثم دخل إلى فصل “الاستدعاءات الأساسية” في اليوم الأول من المدرسة ليدرك أن خططه ستتطلب بعض التعديلات.
أخيراً، عاد «زاك» إلى الصف.
+++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one