الفصل 17 - كابوس.
نادتها قائلة: “إيبيري! لقد أحضرت لكِ شريكاً جديداً!”
أطلت فتاة ترتدي نظارة طبية وتحمل بين ذراعيها كومة من الكتب من الغرفة الصغيرة المجاورة لمكتب الاستعلامات لترى ما يجري. أوه. إنها الفتاة ذات السترة الخضراء ذات الياقة العالية (كانت ترتديها حتى الآن) التي شاركها المقصورة…
…باستثناء أنه اختار مقعداً في الجهة الأخرى من القطار هذه المرة، لذا لم يلتقيا قط على متنه. حسناً، ربما لم يكن الأمر ليحدث فارقاً على أية حال.
قالت أمينة المكتبة: “على أي حال، أعتقد أن بعض التعارف ضروري الآن. أنا «كيريثيشلي كوريسوفا»، إحدى أمينات المكتبة الفعليات القليلات في هذا المكان. وهذه الآنسة الجميلة،” أشارت نحو الفتاة ذات الياقة العالية، التي توردت وجنتاها خجلاً من الإطراء وتحركت بعدم ارتياح، محكمة قبضتها على كومة الكتب بين ذراعيها، “هي نحلتنا الصغيرة النشيطة والمقيمة، «إيبيري أمبركومب». تعمل «إيبيري» هنا منذ العام الماضي، ولا أدري حقاً ما كنت لأفعله بدونها. إيبيري، هذا «زوريان كازينسكي».”
انتبهت الفتاة فجأة عند سماع ذلك. “كازينسكي؟ كما في…”
أكمل «زوريان» عاجزاً عن كبت تنهيدة صغيرة: “كما في، الشقيق الأصغر لـ«دايمن كازينسكي».”
“أم…”
قالت «كيريثيشلي» بابتسامة ماكرة: “في الواقع، أنا شبه متأكدة أنها قصدت شقيقك الآخر. إنها زميلة «فورتوف» في الصف وهي معجبة به بعض الشيء…”
هي وعشرات الفتيات الأخريات. لم يفتقر «فورتوف» قط للفتيات اللواتي يلقين بأنفسهن عليه.
احتجت الفتاة: “آنسة كوريسوفا!”
ردت «كيريثيشلي»: “أوه، لا تعقدي الأمور. على أية حال، سيعمل «زوريان» هنا معنا بشكل مكثف في المستقبل المنظور. اذهبي وأريه ما يتوجب عليه فعله.”
وهكذا ببساطة، تم توظيفه في المكتبة. ووحده الزمن كفيل بإخباره ما إذا كان يضيع وقته أم لا.
كما حدث في المرة السابقة تماماً، لم يحضر «زاك» إلى الحصة. كان «زوريان» شبه متوقع لذلك، غير أن الأمر لم يكن أقل إزعاجاً بسببه. لقد رسخ ذلك من شكوك «زوريان» بتورط «زاك» العميق في هذه الفوضى، بيْد أن غياب الفتى جعل مواجهته بهذا الشأن أمراً مستحيلاً. ما الذي يُفترض به فعله الآن؟
في هذا الصدد، هل كان يُفترض به فعل أي شيء أصلاً؟ في المرة السابقة، كان يتصرف انطلاقاً من قناعة بأنه إن لم يفعل هو شيئاً حيال الغزو، فلن يفعل أحد.
ففي النهاية، لم يمتلك أي شخص آخر تلك الذكريات المستقبلية الغريبة سواه. غير أنه إن صحت تكهناته، فإن «زاك» قد سافر عبر الزمن خصيصاً لإيقاف الغزو – فما السبب الآخر الذي قد يدفعه للتردد على هذه الفترة الزمنية بالذات؟ ناهيك عن تجواله في المدينة أثناء الهجوم متصيداً المهاجمين.
لذا، في المجمل، قد يكون هناك بالفعل ساحر متمرس يسافر عبر الزمن يتولى المهمة، وتدخله لن يؤدي إلا لعرقلته.
المعضلة في تلك الفكرة تكمن في أنه في نهاية المطاف مجرد يخمن، ولا يملك أدنى فكرة عما إذا كانت صحيحة أم لا. فقد يكون يحكم على نفسه وعلى المدينة بالهلاك بتقاعسه، معتمداً على فتى لا يبعث على الكثير من الثقة، بصراحة تامة. كان «زاك» يذكره بشقيقيه أكثر مما ينبغي. علاوة على ذلك، ألم يُهزم «زاك» أمام الليتش؟ بلى.
ولعجزه عن فك طلاسم اللغز الماثل أمامه، أو حتى معرفة من أين يبدأ، انغمس «زوريان» في واجباته المدرسية ووظيفته في المكتبة.
بالطبع، وبفضل مروره بهذه التجربة للمرة الثالثة، اقتصرت مشكلته الوحيدة مع الدراسة على إصرار «كزفيم» المستفز على أن إتقانه لتمرين “دوران القلم” (كما أسماه «زوريان» تودداً) كان مريعاً، وأنه يتحتم عليه إعادته مراراً وتكراراً لا حصر لها. أما وقته في المكتبة، من ناحية أخرى، فكان… مثيراً للاهتمام، وإن لم يكن حقاً بالطريقة التي أملها.
لم يتعلم أي تعاويذ بعد، رغم شكه في أن ذلك يعود لكثرة الأمور الأخرى الأكثر إلحاحاً التي توجب عليه تعلمها قبل أن تقرر «كيريثيشلي» و«إيبيري» استثمار ذلك القدر من الجهد فيه. بعبارة بسيطة، لم يكن بارعاً جداً في وظيفته.
فالمهمة التي بدت بسيطة والمتمثلة في إعادة ترتيب بعض الكتب، غدت معقدة للغاية بسبب بروتوكولات المكتبة المتنوعة ونظام تصنيف الكتب بالغ الأهمية. أمل «زوريان» في إثبات كفاءة أساسية في أداء مهامه قبل طلب أي خدمات، بيْد أنه بعد انقضاء أسبوعين، بدأ يدرك أن بلوغ ذلك المستوى سيستغرق منه شهرين على الأقل، وهو وقت لا يملكه. فمهرجان الصيف يزداد اقتراباً.
ولهذا السبب، بادر بمحاصرة «كيريثيشلي» عقب إعفائها له من العمل لذلك اليوم ليسألها عن تعاويذ عرافة الكتب المنشودة. تلكأت «إيبيري»، متظاهرة بالانشغال ليتسنى لها استراق السمع. كانت فضولية حقاً بالنسبة لفتاة خجولة كهذه.
بدأ «زوريان» حديثه: “بالمناسبة، كنت أنوي طلب خدمة صغيرة منك.”
قالت «كيريثيشلي»: “تفضل. لقد قدمت لنا مساعدة كبيرة، لذا سيسعدني مساعدتك إن استطعت. فمن النادر أن نحظى بعامل كفء مثلك.”
تراجع «زوريان» متفاجئاً: “إيه!؟ كفء؟ أنا بالكاد أعرف ما أفعله – لولا مساعدتك ومساعدة «إيبيري» لكنت سأتخبط كدجاجة قُطع رأسها.”
“لهذا السبب جمعتك بـ«إيبيري» – لتتعلم. ويا فتى، أنت تتعلم بسرعة! أسرع مما فعلت أنا حينما بدأت هذا العمل لأول مرة، هذا أمر مؤكد. بصراحة، عادة ما أوكل المهام الأبسط والأكثر مللاً للطلاب العاملين، ولكن نظراً لكونك أكثر تفانياً منهم، فقد منحتك الدورة المتقدمة.”
قال «زوريان» بعد صمت قصير: “آه. أنا ممتن حقاً.” وكان كذلك بالفعل. “على أي حال، كنت أتساءل عن تعاويذ العرافة للبحث عن الكتب. كنت أبحث في موضوع غامض جداً ولم أحرز أي تقدم فيه.”
قالت «كيريثيشلي» وهي تصفع جبينها: “آه! كيف أمكنني نسيان ذلك!؟ بالطبع سأعلمك، فنحن نعلمها لكافة عمالنا الدائمين. غير أنها صعبة الاستخدام بعض الشيء، لذا سيستغرق الأمر بعض الوقت لتتعلم كيفية استخدامها بشكل صحيح. ستريك «إيبيري» كيف ذلك. أيضا بوسعك دائماً إخباري بما تبحث عنه تحديداً وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك. أنا أحفظ هذه المكتبة كظهر يدي، أتعلم؟”
تنازع «زوريان» حول جدوى عرض ترتيل الليش عليها، كونه اشتبه في أنه أمر قد يوقعه في ورطة كبيرة لمجرد السؤال عنه، بيْد أنه لم يرَ سبيلاً آخر. فلا شك أن تعلم كيفية استخدام تلك التعاويذ سيستغرق أشهراً – أشهراً لا يملكها. فأخرج دفتر ملاحظاته، وانتزع الصفحة المعنية، وناولها إياها.
رفعت «كيريثيشلي» حاجبها مستغربة النص، وتخلت «إيبيري» عن كل ادعاءاتها بعدم الانتباه واستدقت النظر من فوق كتفها لترى ما تحتويه القصاصة الورقية.
أوضح «زوريان»: “إنها لغة مجهولة. لا أعرف حتى ما هي حقاً.”
علقت «كيريثيشلي»: “همم، أمر صعب. فالعثور على مرجع مكتوب استناداً لنطق صوتي لكلمة لا تفهمها حتى يُعد مهمة شاقة، حتى باستخدام العرافة. يجدر بك العثور على خبير في اللغات لمساعدتك إن كان الأمر بهذه الأهمية.”
تدخلت «إيبيري» قائلة: “يجب أن تجرب الاستعانة بـ«زينومير».”
سأل «زوريان» بغير تصديق: “معلم التاريخ الخاص بنا؟”
قالت «إيبيري»: “إنه يدرس اللغويات أيضاً. فهو متعدد اللغات. يتحدث 37 لغة.”
“واو.”
وافقتها «إيبيري»: “أجل. يُفترض به على الأقل معرفة ماهية هذه اللغة، حتى وإن لم يتمكن من قراءتها. إنه متعاون جداً إن قصدته بلباقة، وأشك في أنه سيردك خائباً.”
مثير للاهتمام.
+++++++++++++++
“آه، سيد كازينسكي، ما الذي يمكنني فعله لأجلك؟”
كان «زينومير أولجاي» طاعناً في السن. طاعناً جداً. كان يرتدي أردية زرقاء – أردية حقيقية، كحكماء الماضي – وله لحية بيضاء مشذبة بعناية.
رغم تقدمه في السن، إلا أنه كان يتحرك بخفة، وعيناه تحملان من الحدة ما يفتقر إليه معظم من يصغرونه بنصف عمره. لم يدرس «زوريان» مادة اللغويات الاختيارية، غير أنه علم من حصة التاريخ أن «زينومير» يولي مادته اهتماماً يضاهي تقريباً اهتمام «نورا بول» بالرونية والرياضيات – رغم أنه كان يدرك على الأقل أن معظم الطلاب لا يشاطرونه شغفه بالمادة.
قال «زوريان»: “أُخبرت أن بإمكانك مساعدتي في بعض الترجمة. لدي تسجيل مجزأ جداً للغة مجهولة بصيغة صوتية، وكنت آمل أن تخبرني على الأقل ما نوع هذه اللغة. إنها لا تشبه أي لغة واجهتها حتى الآن.”
انتبه «زينومير» لذكر لغة مجهولة وتناول القصاصة الورقية التي تحوي ترتيل الليتش من يد «زوريان» بحذر. واتسعت عيناه بعد بالكاد ثانية واحدة.
سأل بصوت خافت: “من أين حصلت على هذا؟”
تنازع «زوريان» داخلياً حول ما يجب فعله، ثم استقر على الإدلاء بجزء من الحقيقة.
“تعرضت لهجوم من شخص ما قبل فترة. استخدموا تعويذة تحمل هذا الترتيل. أردت فقط معرفة ما تفعله.”
أخذ «زينومير» نفساً عميقاً واستند إلى الخلف. “أنت محظوظ لأنها لم تصبك. إنها نوع من تعاويذ سحر الروح.”
“سحر الروح؟”
أوضح «زينومير»: “استحضار الأرواح (نيكرومانسي).”
طرف «زوريان» بعينيه. استحضار الأرواح؟ حسناً، بدا من المنطقي نوعاً ما لليتش أن يستخدم هذا النوع من التعاويذ، بيْد ما علاقة النيكرومانسي بالسفر عبر الزمن؟ لا شيء. كان هذا بمثابة تأكيد قاطع على كون «زاك» هو السبب الرئيسي لمأزقه.
سأل «زوريان»: “إذن، مهلاً، ما هذه اللغة على أية حال؟”
“همم؟ أوه! أجل، اللغة… إنها لغة «الماجارا» القديمة، التي تحدثت بها العديد من الثقافات التي شاركت قارة «مياسينا» مع الإيكوسيين قبل صعودهم إلى الصدارة. العديد من الأطلال في «كوث» مكتوبة بها، وللأسف، فهي اللغة التي تُصاغ بها العديد من أحلك الطقوس وتعاويذ استحضار الأرواح. أخشى أنك لن تجد أي كتب عنها متاحة في التداول العام. ولكن دعنا نعود لمسألة هذا المعتدي. إنهم يستخدمون أحلك أنواع السحر، ولا يمكن أن يكونوا يبيتون خيراً إن كانوا يلقون تعاويذ كهذه على طلاب الأكاديمية.”
رغم قراره بأنه لم يعد بوسعه التراجع الآن، قرر «زوريان» عدم الإتيان على ذكر السفر عبر الزمن بأي شكل من الأشكال، واستقر على اختلاق قصة.
أخبر «زينومير» باعتراضه لخطط غزو المدينة خلال مهرجان الصيف. في البداية، رفض الأمر باعتباره نوعاً من المزاح السخيف لمدى حماقته، بيْد أنه حينما لاحظه الشخصان المقنعان وهو يسترق السمع وبدآ في إلقاء تعاويذ لم يتعرف عليها نحوه، ساوره القلق. أخذ «زينومير» الأمر على محمل الجد أكثر بكثير مما ظن «زوريان»، وطلب منه العودة إلى المنزل وترك كل شيء له من الآن فصاعداً.
هاه. لقد سارت الأمور بشكل جيد ومفاجئ – فعلى الأقل لم يسحبه «زينومير» إلى مركز الشرطة للإدلاء بإفادته على الفور، رغم اشتباهه في أن أمراً كهذا قد يكون وارداً في مستقبله القريب.
أخذ يذرع غرفته جيئة وذهاباً بتوتر، عاجزاً عن النوم ومخفقاً باطراد في كبح جماح قلقه المتنامي. سواء كان تصرفه ذكياً أم لا، فقد قُضي الأمر، وكل ما بوسعه فعله الآن هو الانتظار ورؤية عواقب قراره. عليه وعلى الجميع.
قاطعه طرق على الباب. طرق قوي وواثق لم يدم رغم ذلك سوى لثانية أو ثانيتين – مختلف تماماً عن طرق أي شخص يعرفه.
صاح «زوريان» مقترباً، لظنه أنه شخص قادم للتحدث إليه بشأن القصة التي رواها لـ«زينومير»: “قادم! كيف يمكنني- آآخ!”
حملق «زوريان» بذهول في النصل المغروس في صدره، وفمه ينفتح في صرخة مكتومة. بالكاد حظي بوقت كافٍ ليرمق مهاجمه – شخص قصير يرتدي ملابس سوداء فضفاضة وقناعاً أبيض بلا ملامح – قبل أن يُنتزع النصل من جسده بألم ثم يُغرس مجدداً على الفور في تجويفه الصدري. مراراً وتكراراً وتكراراً…
حينما التهم الظلام رؤيته، كان في الواقع سعيداً باقتراب منيته. فالطعن المتكرر في الصدر يؤلم بحق.
جفل «زوريان» منتفضاً، لتنفتح عيناه على اتساعهما فجأة إثر ألم حاد اجتاح معدته. انتفض جسده بأكمله، مقوساً ظهره برد فعل عكسي للشيء الذي سقط عليه، ليجد نفسه مستيقظاً تماماً، دون أن يخالج عقله أي أثر للنعاس.
“صباح ا-!”
انقطع صوت «كيريل» حينما انتصب «زوريان» جالساً بسرعة، وعيناه متسعتان رعباً، يلهث طلباً للهواء. لقد قُتل! لقد قتلوه! لقد أخبر شخصاً ما عن الهجوم وقُتل في الأمسية ذاتها! كيف علموا بالأمر بهذه السرعة ماذا بحقك!؟ هل كان «زينومير» متورطاً في الهجوم أم أنهم ببساطة يمتلكون مصادر معلومات جيدة لهذه الدرجة!؟
سألته «كيريل»: “كابوس؟”
أخذ «زوريان» نفساً عميقاً، متجاهلاً الألم الوهمي في صدره أثناء ذلك. “أجل. كابوس بكل تأكيد.”
++++++++++++++++++++++++++++
تادادادا الأخ بدا ينسحب للمعمعة وما رأيكم في الصدمات التي يكتبها الكاتب؟ نسق عادي روتيني لتصدم بشيء مفجع هاهاهاها احب هذا…..