الفصل 16 - تساؤلات.
حدق «زوريان» في الحقول المترامية الأطراف التي تتلاشى ملامحها وهي تمر مسرعة من أمامه، في حين لم يكسر صمت مقصورته الخاوية سوى الاهتزاز الإيقاعي لآليات القطار.
بدا هادئاً ومسترخياً، بيْد أن ذلك لم يكن سوى قناع متقن يخفي خلفه ما لا يُرى.
ربما بدا قناعه الرواقي سخيفاً، إذ لم يكن هناك أحد بالجوار ليحكم عليه، غير أنه على مر السنين، اكتشف أن اصطناع الهدوء ظاهرياً يعينه على بلوغه داخلياً بسهولة أكبر. وكان في أمس الحاجة لأي شيء قد يعينه على بلوغ ذلك السلام الداخلي الآن، لأنه أوشك على الانخراط في ذعر أعمى كدجاجة قُطع رأسها.
لماذا يتكرر هذا الأمر مجدداً؟ في المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، كان موقناً تماماً بأن الليش هو المسؤول. ضربته التعويذة، ثم استيقظ في الماضي. سبب ونتيجة.
أما هذه المرة، فلم تضربه أي تعويذة غامضة – ما لم يتسلل أحدهم إلى مقصورة القطار أثناء نومه، وهو أمر استبعده بشدة. لا، لقد غطس في النوم ببساطة واستيقظ في الماضي مرة أخرى، وكأن ذلك هو الأمر الأكثر اعتيادية في العالم.
ومن ناحية أخرى، فقد سلط ذلك الضوء على بعض الأمور التي ظلت تؤرقه حتى هذه اللحظة.
ففي النهاية، لماذا قد يُلقي الليتش تعويذة للسفر عبر الزمن عليه؟ بدا ذلك مناقضاً تماماً لمخطط “الغزو السري” برمته. فالسفر عبر الزمن بدا أمراً بالغ التعقيد والتعمد ليكون مجرد أثر جانبي عرضي، وساوره شك كبير في أن يستخدم اللتيش تعويذة لا يدرك عواقبها.
فحتى مبتدئ مثله يعلم مدى خطورة استخدام تعويذة مبهمة في بيئة غير خاضعة للسيطرة، ومن المستبعد أن يبلغ ساحر من الأموات الأحياء هذا المستوى الرفيع من القوة إن كان مستعداً لاقتراف حماقة كهذه من أجل طفلين كان قد هزمهما بالفعل. لا، التفسير كان أبسط من ذلك بكثير: لم يكن الليتش هو المسؤول عن مأزق سفره عبر الزمن. بل كان يحاول قتلهما حقاً.
“قتلهما”، بصيغة الجمع، لأن «زاك» كان مستهدفاً هو الآخر. ذلك الـ«زاك» عينه الذي أظهر فجأة براعة صادمة في كافة دروسه. الـ«زاك» ذاته الذي كان يجوب المدينة مدججاً حتى أسنانه بسحر قتالي يتجاوز مستوى أي طالب في الأكاديمية. الـ«زاك» عينه الذي ظل يدلي بتعليقات عابرة ومثيرة للريبة طوال الشهر بأكمله…
لربما كان «زاك»، وليس الليتش، هو من ألقى تعويذة السفر عبر الزمن؟
فكون «زاك» مسافراً عبر الزمن سيفسر قدراته الهائلة وتحسنه الأكاديمي المفاجئ بشكل مثالي. وبما أن هذه الطريقة بالذات في السفر عبر الزمن يبدو أنها ترسل عقل الشخص عائداً إلى جسده الأصغر سناً، فقد يكون عمره الفعلي كبيراً بشكل غير محدد، وما تذكره «زوريان» من تعليقات «زاك» المتنوعة قاده للاعتقاد بأن الفتى قد عاش هذه الفترة الزمنية بالذات مراراً وتكراراً.
من المؤكد أن ساحراً يتمتع بعقود من الخبرة ومعرفة مستقبلية دقيقة، سيجد منهج السنة الثالثة سهلاً لدرجة تثير السخرية.
رغم ذلك، حتى لو كان «زاك» هو من ألقى تعويذة السفر عبر الزمن، يبقى التساؤل قائماً حول سبب عودة «زوريان» إلى الماضي هو الآخر. كان من السهل إرجاع الأمر لحادث عرضي – فقد كان يعلم أن التمسك بساحر أثناء إلقائه لتعويذة انتقال آني قد يجرّه معه في الرحلة، وكانا متلاصقين ببعضهما البعض وقتها – بيْد أن ذلك لا يبرر سبب تكرار «زوريان» لهذا الشهر للمرة الثانية.
فقد غاب «زاك» طوال الشهر بأكمله، وبالتالي لم تسنح له الفرصة لإلقاء أي شيء على «زوريان».
لم يدرِ ما عساه أن يفكر. أمل فقط أن يكون «زاك» متواجداً هذه المرة لاستجوابه.
تردد صدى صوت بلا جسد قائلاً: “نتوقف الآن في «كورسا».” في حين كانت مكبرات الصوت المعيبة تُصدر طقطقات تشويش بين الحين والآخر. وأردف الصوت: “أكرر، نتوقف الآن في «كورسا». شكراً لكم.”
ماذا، بهذه السرعة؟ كشفت لمحة عبر النافذة عن اللوحة البيضاء المألوفة التي تؤكد وصوله إلى مركز التجارة. راوده إغراء قوي بالنزول من القطار وتمضية الشهر بأكمله في التسكع ومحاولة نسيان مسألة السفر عبر الزمن برمتها، بيْد أنه سرعان ما نبذ هذه الفكرة.
فالتهرب من بداية العام الدراسي بهذا الشكل سيكون تصرفاً ينم عن انعدام المسؤولية وتدمير للذات، حتى وإن كان خوض شهر دراسي مطابق آخر أمراً خالياً من أي جاذبية. بالطبع، ثمة احتمال بأن يُقذف به إلى الماضي للمرة الثالثة، غير أن ذلك لم يكن شيئاً يجدر به التعويل عليه. فمن المستحيل أن تستمر التعويذة في إعادته بالزمن إلى ما لا نهاية، لا بد أن تنفد منها المانا عاجلاً أم آجلاً. والأرجح عاجلاً، نظراً لكون السفر عبر الزمن لا بد وأن يتطلب مستوى عالياً جداً من القوة السحرية.
…أليس كذلك؟
“أم…”
انتفض «زوريان» من شروده ليلاحظ أخيراً الفتى الذي يسترق النظر إلى مقصورته. فقطب حاجبيه. لقد اختار هذه المقصورة بالذات لكونها فارغة تماماً خلال… محاولته الثانية في الحياة.
فبعد أن ترك الفتاة ذات السترة الخضراء ذات الياقة العالية لمصيرها مع الفتيات الثرثارات، جاء إلى هنا طلباً لبعض السلام، لذا قرر هذه المرة أن يكون استباقياً وجاء إلى هنا منذ البداية. بيْد أن الأمر لم يكن بتلك البساطة على ما يبدو. وخمّن أن مجرد تواجده هو ما اجتذب الفتى – فبعض الناس يفضلون الرفقة ببساطة، ويتجنبون المقصورات الخاوية.
قال «زوريان» بأدب: “نعم؟” آملاً أن يكون الفتى يرغب في سؤاله عن شيء ما فحسب بدلاً من محاولة إيجاد مقعد.
لقد كان مخطئاً.
“هل تمانع إن جلست هنا؟”
قال «زوريان» راسمابتسامة متكلفة على وجهه: “لا، تفضل بالجلوس.” تباً.
ابتسم الفتى له بإشراق، وسارع بجر أمتعته للداخل. الكثير من الأمتعة.
سأله «زوريان» غير قادر على كبح جماح نفسه: “طالب سنة أولى، أليس كذلك؟” لقد تبخرت خطته بالبقاء صامتاً ودفع الفتى للنفور والمغادرة. يا حسرتاه.
أومأ الفتى موافقاً: “أجل. كيف عرفت؟”
أشار «زوريان»: “أمتعتك. هل تدرك أن مباني الأكاديمية بعيدة جداً عن المحطة الرئيسية؟ ستسقط ذراعاك أرضاً بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى هناك.”
طرف الفتى بعينيه. يبدو أنه لم يكن يعلم. “أم، الأمر ليس بهذا السوء حقاً، أليس كذلك؟”
هز «زوريان» كتفيه قائلاً: “يُفضل أن تدعو ألا تمطر.”
ضحك الفتى بعصبية: “ها ها. أنا واثق أنني لست سيئ الحظ إلى هذا الحد.”
ابتسم «زوريان» بسخرية. آه، من فوائد الرؤية المستقبلية. أم كانت رؤية استعادية؟ يبدو أن اللغة لم تُصمم حقاً لتستوعب احتمالية السفر عبر الزمن.
هتف الفتى فجأة: “آه! لم أقدم نفسي! أنا «بيرن إيفارين».”
“زوريان كازينسكي.”
أضاءت عينا الفتى على الفور قائلاً: “مثل—”
قاطعه «زوريان»، وقد وجد فجأة في النافذة شيئاً مثيراً للاهتمام بشكل مدهش: “مثل «دايمن كازينسكي»، أجل.”
حدق فيه الفتى مترقباً، بيْد أنه إن كان يتوقع المزيد من التفاصيل من «زوريان» حول هذا الموضوع، فهو موشك على الإصابة بخيبة أمل مريرة. فآخر ما رغب «زوريان» بفعله هو التحدث عن شقيقه الأكبر.
سأله الفتى بعد صمت طويل: “إذن، أم، هل تقرب لـ«دايمن كازينسكي» أم أن تطابق اسم العائلة مجرد صدفة؟”
.____.
تظاهر «زوريان» بعدم سماعه، وبدلاً من ذلك تناول دفتر ملاحظاته من المقعد المجاور وشرع في دراسته باهتمام بالغ. كان الدفتر شبه فارغ تماماً، حيث اختفت كافة ملاحظاته السابقة حول الغزو ولغز “ذكرياته المستقبلية”، لتضيع في مستقبل تركه وراءه.
لم تكن تلك خسارة فادحة، بالنظر إلى أن الغالبية العظمى من تلك الملاحظات كانت بلا قيمة تُذكر – مجرد تكهنات جوفاء وأدلة تقود لطرق مسدودة لم تقربه قيد أنملة من حل هذا اللغز. ومع ذلك، فقد دوّن بعض الأشياء التي تذكرها من ملاحظاته السابقة، كترتيل التعويذة التي ألقاها الليش قبل أن يقتله. أجل، كان «زاك» هو المسؤول الأرجح عن كل هذا، لكنه لم يمتلك اليقين…
وبعد أن قدر أن الصمت قد دام لفترة مناسبة من الإحراج، رفع «زوريان» نظره عن دفتر ملاحظاته ليرمق الفتى المنتظر بنظرة حيرة.
تصنع «زوريان» الجهل وقطب حاجبيه قليلاً وكأنه لم يسمع بصدق كلمة واحدة من السؤال الذي طُرح عليه: “هاه؟ هل قلت شيئاً؟”
تراجع الفتى متلعثماً: “إيه، لا تهتم. ليس بالأمر المهم.”
ابتسم «زوريان» للفتى بصدق. على الأقل أمكنه فهم التلميح.
تحدث مع الفتى لبعض الوقت، مكتفياً في الغالب بالإجابة على أسئلته حول منهج السنة الأولى، قبل أن يسأم من الأمر ويشرع في التظاهر بالاهتمام بدفتر ملاحظاته مجدداً، آملاً أن يفهم الفتى التلميح مرة أخرى.
سأله الفتى، إما جاهلاً بعدم اكتراث «زوريان» بمواصلة الحديث أو متعمداً تجاهله: “ما المثير جداً للاهتمام في دفتر الملاحظات هذا، على أية حال؟ لا تخبرني أنك تذاكر منذ الآن؟”
أجابه «زوريان»: “لا، هذه مجرد ملاحظات حول بعض الأبحاث الشخصية. إنها لا تسير على ما يرام لذا أشعر بالإحباط قليلاً حيالها. ويظل عقلي شارداً فيها.” خاصة وأن البديل كان التحدث إلى طالب سنة أولى مفرط الفضول.
“مكتبة الأكاديمية—”
تنهد «زوريان» مقاطعاً: “أول شيء جربته. لست غبياً، أتعلم؟”
أدار الفتى عينيه بملل وقال: “هل بحثت عن الكتب بنفسك أم طلبت من أمين المكتبة مساعدتك؟ تعمل والدتي كأمينة مكتبة، ولديهم تعاويذ عرافة خاصة تتيح لهم العثور في دقائق معدودة على أشياء قد تستغرق منك عقوداً إن اعتمدت على البحث بالعنوان والتصفح السريع فحسب.”
فتح «زوريان» فمه ثم أغلقه. طلب مساعدة أمين المكتبة، هاه؟ حسناً، لربما كان غبياً حقاً.
حاول «زوريان» التبرير: “حسناً… إنه ليس حقاً موضوعاً أود إزعاج أمين المكتبة به.” وكان ذلك صحيحاً، بيْد أنه علم بأنه سينتهي به المطاف بتجربة الأمر على أي حال. وأردف: “ربما يمكنني العثور على التعاويذ ذاتها في مستودع التعاويذ؟ ولكن لا، إن كانت تشبه تعاويذ العرافة الأخرى، فاستخدامها بشكل صحيح وتفسير النتائج هو المشكلة، وليس إلقاءها…”
اقترح الفتى: “بوسعك دائماً الحصول على وظيفة في المكتبة. إن كانت مكتبة الأكاديمية تشبه تلك التي تعمل بها والدتي، فهم دائماً في أمس الحاجة للمساعدة. ويُعلمون موظفيهم كيفية استخدام تلك التعاويذ كإجراء معتاد.”
سأله «زوريان»، وقد أثارت الفكرة اهتمامه الشديد: “حقاً؟”
هز الفتى كتفيه مجيباً: “الأمر يستحق المحاولة.”
طوال ما تبقى من الرحلة، كف «زوريان» عن محاولة التهرب من الحديث. لقد حظي «بيرن» باحترامه بلا شك.
+++++++++
“بالطبع! نحن دائماً نبحث عن مساعدة!”
حسناً… كان ذلك سهلاً.
“لا يمكننا دفع الكثير لك، عليك أن تفهم ذلك – فذلك المدير القزم البائس خفض ميزانيتنا مجدداً! – بيْد أننا مرنون جداً حيال أوقات العمل ونحظى بأجواء ودية للغاية هنا…”
انتظر «زوريان» بصبر حتى تنفد طاقة أمينة المكتبة. بدت للوهلة الأولى امرأة في منتصف العمر متواضعة المظهر، بيْد أنه بمجرد شروعها في الحديث أدرك أن مظهرها كان خادعاً نوعاً ما – فقد كانت مرحة وتشع بطاقة يصعب وصفها. مجرد الوقوف بجوارها أشعر «زوريان» بذات الضغط الذي يشعر به حينما يعلق في زحام من الناس، واضطر لكبح غريزته للتراجع خطوة للوراء وكأنما يبتعد عن نار متأججة.
حاول «زوريان» الاستفسار: “أخمن أنكم لا تتلقون الكثير من طلبات التوظيف، إذن؟ ما السبب في ذلك؟ ألا يفترض بالناس أن يتقاتلوا بضراوة للعمل في مكان كهذا؟ إنها مكتبة مشهورة جداً.”
شخرت باستهزاء، وكاد «زوريان» أن يقسم أنه لمس السخرية ولمحة من المرارة في ذلك الصوت الذي يبدو بريئاً. “تلزمنا لوائح الأكاديمية بتوظيف الأشخاص من سحرة الدائرة الأولى أو ما يفوقها حصراً. ويحظى معظم الخريجين بخيارات أكثر بريقاً وأفضل أجراً من هذا،” ولوحت بيدها نحو صفوف رفوف الكتب المحيطة بهم، “مما يضطرنا لتوظيف الطلاب. والذين هم…”
توقفت فجأة وطرفت بعينيها، وكأنها تذكرت شيئاً ما. وقالت وهي تصفق بيديها وتبتسم له بإشراق: “ولكن على أي حال، كفانا من ذلك! بدءاً من هذا اليوم، أنت أحد مساعدي المكتبة. تهانينا! وإن كانت لديك أي أسئلة، فسيسعدني الإجابة عليها.”
لم يمنع «زوريان» نفسه من تدوير عينيه استنكاراً إلا بإرادة خارقة. فهو لم يوافق على أي شيء قط، بل اقتصر الأمر على استفساره عن احتمالية التوظيف… وهي بلا شك كانت تدرك ذلك.
لكن حسناً، كان يريد الوظيفة حقاً، وليس فقط لأنه كان يأمل في تعلم بعض التعاويذ الجديدة الرائعة وترجمة ترتيل اللتيش – بل خمّن أن موظفي المكتبة يُمنحون حق الوصول إلى أقسام في المكتبة محظورة عليه عادة كساحر من الدائرة الأولى، وكان ذلك إغراءً أكبر من أن يقاومه.
قال «زوريان»: “السؤال الأول، كم مرة أُداوم في العمل؟”
طرفت بعينيها، متفاجئة للحظة. ولا شك أنها توقعت منه أن يحتج على وقاحتها. “حسناً… متى يمكنك المجيء؟ فبين الحصص، والحاجة لوقت المذاكرة والالتزامات الأخرى، يعمل معظم موظفينا الطلاب مرة أو مرتين أسبوعياً. ما هو مقدار الوقت الذي يمكنك تخصيصه لهذا؟”
أجاب «زوريان»: “الدروس سهلة جداً في هذه المرحلة. فنحن في الغالب نقوم بمراجعة منهج سنتنا الثانية، والذي أعرفه كظهر يدي. وإن خصصت يوماً للتطورات غير المتوقعة، فيمكنني التواجد هنا أربعة أيام في الأسبوع. وعطلات نهاية الأسبوع الخاصة بي شبه خالية أيضاً، إن كنتم بحاجة لأي مساعدة حينها.”
وبخ «زوريان» نفسه ذهنياً لحديثه بهذه الطريقة – فالدروس لم تبدأ حتى بعد، فكيف يتسنى له معرفة محتواها؟ ولحسن الحظ، لم تلاحظ أمينة المكتبة زلته تلك. بل إن عينيها أضاءتا على الفور بمجرد سماعها لهذا وشرعت في الصياح.
+++++++++++++++++++
التدقيق والترجمة: the honord one
الكثير من التساؤلات القليل من الأجوبة….أيضا ما رايكم هل زاك مات بسبب الليتش ام انه ببساطة يفعل شيئا ما في مكان ما؟