الفصل 15 - النوم
الفصل 15: النوم.
بين عدم اعتياده على التمرين والمقاطعات المستمرة لـ«كزفيم»، لم يفلح «زوريان» سوى في جعل القلم يترنح بحلول نهاية الجلسة، وهو ما كان… مهيناً بعض الشيء، في الواقع.
فمهاراته في التشكيل السحري، والتي تفوق المتوسط، كانت من بين الأمور القليلة التي ميزته عن أقرانه السحرة، وشعر أنه كان يجدر به تقديم أداء أفضل بكثير، على الرغم من محاولات «كسفيم» المتكررة لتخريب تركيزه. ولحسن الحظ، كان العثور على كتاب يصف التمرين بالتفصيل في مكتبة الأكاديمية أمراً يسيراً؛ لذا أمل أن يتقنه بحلول الأسبوع القادم.
حسناً، ليس يتقنه – ليس بالمعنى الذي رمى إليه «كزفيم» – بيْد أنه رغب على الأقل في معرفة ما يفعله قبل الخوض في جلسته التالية مع أستاذه.
وبطبيعة الحال، في الظروف العادية لم يكن ليُبدي استعداداً لبذل كل هذا الجهد في تمرين تشكيل رديء كهذا، غير أنه كان بحاجة لشيء يلهيه. ففي البداية، بدا موقف السفر عبر الزمن برمته بالغ السخافة لدرجة أنه استسهل البقاء هادئاً ورباطة جأشه متماسكة.
إذ ظل جزء منه يتوقع أن الأمر كله محض حلم مزدوج أو ما شابه، وأنه سيستيقظ يوماً ما وقد نسي كل شيء. غير أن هذا الجزء بالذات بدأ الآن يرزح تحت وطأة الذعر والاضطراب بعدما تجلى له أن الوضع الذي يواجهه حقيقي تماماً. ما الذي يُفترض به فعله ماذا بحقك؟ لقد أثقل غياب «زاك» الغامض كاهله، مؤججاً هواجسه ومثبطاً إياه عن إخبار أي شخص بشأن الغزو.
لم يكن «زوريان» في جوهره شخصاً يؤثر الآخرين على نفسه، ولم يشأ إنقاذ الناس ليُهلك نفسه في نهاية المطاف. أياً كانت حقيقة ذكرياته المستقبلية، فقد مثلت في جوهرها فرصته الثانية في الحياة – إذ كان شبه متيقن من أنه لاقى حتفه في نهاية ذكرياته تلك – ولم يكن في نيته البتة التفريط فيها. لقد اعتبر حقاً تحذير الناس من الخطر المحدق بالمدينة واجبه الأخلاقي، بيْد أنه لا بد من وجود طريقة لفعل ذلك دون تدمير حياته أو سمعته.
{{{{{{{أحترم زوريان لنمط تفكيره المميز ذا اقسم بالله}}}}}}}
كانت الفكرة الأبسط تكمن في تحذير أكبر عدد ممكن من الأشخاص (لضمان أخذ بعضهم على الأقل للتحذيرات على محمل الجد) والقيام بذلك وجهاً لوجه؛ إذ يمكن تجاهل الرسائل المكتوبة بطريقة يصعب تطبيقها في التفاعلات الشخصية.
للأسف، فإن ذلك سيظهره كالمعتوه حتماً إلى أن تثبت صحة أقواله بوقوع الهجوم الفعلي. هذا إن وقع الهجوم فعلاً – فماذا لو قرر المتآمرون التواري عن الأنظار إثر انكشاف خططهم ولم يحدث الغزو؟ ماذا لو لم يأخذه أحد على محمل الجد حتى فوات الأوان، ثم يقررون بعد ذلك جعله كبش فداء لتحويل المسؤولية عن كاهلهم؟ ماذا لو كان أحد الأشخاص الذين يحاول تحذيرهم جزءاً من المؤامرة وأمر بقتله قبل أن يتسنى له إخبار أي شخص آخر؟ ماذا لو… وماذا لو… الكثير والكثير من سيناريوهات “ماذا لو”.
ساوره شك خفي بأن أحد تلك السيناريوهات كان هو السبب وراء اختفاء «زاك».
نتيجة لهذه التأملات، راقته فكرة البقاء مجهول الهوية أكثر فأكثر مع انقضاء كل يوم. غير أن المعضلة تمثلت في أن إرسال رسالة لمجموعة من الأشخاص دون أن يُقتفى أثرها وصولاً إليه لم يكن أمراً يسيراً البتة حينما يتدخل السحر. صحيح أن تعاويذ العرافة لم تكن كلية القدرة، بيْد أن فهم «زوريان» لحدودها اقتصر على الجانب الأكاديمي، ومن المرجح ألا تصمد تدابيره الاحترازية أمام بحث حثيث يجريه عراف متمرس.
تنهد «زوريان» وشرع في تدوين خطة مبدئية في دفتر ملاحظاته، متجاهلاً تماماً محاضرة معلم التاريخ الحماسية.
تحتم عليه تحديد الأشخاص الذين سيتصل بهم، والمحتوى الذي سيضمنه في الرسائل، وكيفية ضمان عدم تعقبها لتصل إليه. ساوره الشك نوعاً ما في سماح الحكومة للمؤلفين بنشر تعليمات حول كيفية التهرب من رصد سلطات إنفاذ القانون، بيْد أنه لا يزال يعتزم تفقد المكتبة ليرى ما تحتويه من كتب في هذا الشأن.
لقد انهمك بشدة في مهمته التي ألزم نفسه بها لدرجة أنه بالكاد انتبه لانتهاء الحصة، مواصلاً الخربشة المحمومة في حين حزم بقية الطلاب أمتعتهم وغادروا الصف تباعاً. ومن المؤكد أنه لم يلحظ «بينسك» وهو يسترق النظر من فوق كتفه.
“ما الذي تفعله؟”
أغلق «زوريان» دفتر ملاحظاته بقوة في حركة لا إرادية بمجرد شروع «بينسك» في الحديث، ورمق الفتى الآخر بنظرة حادة.
وعلق «زوريان»: “من قلة الأدب استراق النظر من فوق أكتاف الآخرين.”
ابتسم «بينسك» وهو يجر كرسياً بصخب من الطاولة المجاورة ليجلس في الجهة المقابلة لـ«زوريان»: “متوترون بعض الشيء، أليس كذلك؟ استرخِ، لم أرَ شيئاً.”
أردف «زوريان»: “ليس لأنك لم تحاول.” فاتسعت ابتسامة «بينسك» أكثر. “ماذا تريد على أية حال؟”
هز «بينسك» كتفيه مجيباً: “أردت التحدث قليلاً فحسب. لقد كنت منعزلاً جداً هذا العام. وملامح الإحباط تعلو وجهك طوال الوقت، وأنت دائماً مشغول رغم أننا في بداية العام الدراسي. أردت معرفة ما يزعجك، أتعلم؟”
تنهد «زوريان»: “هذا ليس أمراً يمكنك مساعدتي فيه يا «بين»…”
أصدر «بينسك» صوتاً مخنوقاً، بدا غاضباً من تعليقه. “ماذا تعني بأنه لا يمكنني مساعدتك!؟ لتعلم أنني خبير في مشاكل الفتيات.”
وهذه المرة كان دور «زوريان» ليصدر صوتاً مخنوقاً. “مشاكل فتيات!؟”
ضحك «بينسك»: “أوه هيا. مشتت الانتباه باستمرار؟ تشرد بذهنك في منتصف الحصة؟ تضع خططاً لإرسال رسائل مجهولة؟ الأمر جلي يا رجل! من هي الفتاة المحظوظة؟”
{{{{{{{{{{{{{{{خهخهههههههخخهه}}}}}}}}}}}}}}}
زمجر «زوريان»: “لا توجد ‘فتاة محظوظة’. ثم ألم تقل إنك لم ترَ شيئاً؟”
قال «بينسك» متجاهلاً تعليقاته تماماً: “اسمع، لا أعتقد أن إرسال رسائل مجهولة فكرة سديدة. هذا تصرف… مراهق جداً، أتعلم؟ عليك فقط أن تمشي إليها وتخبرها بحقيقة مشاعرك.”
تنهد «زوريان» وهو ينهض من مقعده: “ليس لدي وقت لهذا.”
احتج «بينسك» وهو يتعقبه: “مهلاً، هيا… يا رجل، أنت شخص شديد الحساسية، هل أخبرك أحد بذلك؟ كنت فقط…”
تجاهله «زوريان». لم يكن حقاً بحاجة لهذا في الوقت الراهن.
بأثر رجعي، كان يجدر بـ«زوريان» إدراك أن مجرد تجاهل «بينسك» لم يكن بالفكرة الصائبة البتة. فلم يستغرق الأمر سوى يومين حتى “عَلِمَ” معظم أفراد الصف بأن «زوريان» واقع في غرام شخص ما، وكانت تكهناتهم الصاخبة مزعجة ماذا بحقك.
ناهيك عن كونها مشتتة للانتباه. ومع ذلك، تلاشى استياؤه من الشائعات حينما اقتربت منه «نيولو» ذات يوم وناولته قائمة قصيرة بـ”كتب قد يجدها مفيدة”.
راودته رغبة ملحة في إضرام النار في القائمة، لا سيما وأنها كانت مزينة بعشرات القلوب الصغيرة، غير أن فضوله الفطري تغلب عليه في النهاية وتوجه إلى المكتبة لتفقدها. خمّن أنه على أقل تقدير سيحظى بضحكة جيدة من قراءتها.
غير أنه حظي بما هو أكثر من مجرد ضحكة جيدة – فبدلاً من نصائح الحب السخيفة التي توقعها، كانت الكتب التي رشحتها «نيولو» تتمحور برمتها حول ضمان عدم تعقب رسائلك وهداياك وما شابه وصولاً إليك باستخدام تعاويذ العرافة وغيرها من أساليب السحر. ويبدو أنه إن أطلقت على نصائح كهذه عنواناً مثل “الحب الممنوع: كشف أسرار الرسائل القرمزية” وصغتها كنصائح للعلاقات، فيمكنك الإفلات مباشرة من الرقابة المعتادة التي كانت لتُفرض عادة على مثل هذه المواضيع.
بالطبع، لم يمتلك أدنى فكرة عن مدى موثوقية النصائح الواردة في تلك الكتب حقاً، رمقه أمين المكتبة بنظرة مريبة حينما استعار كتباً من هذا القبيل، غير أنه ظل مبتهجاً بعثوره عليها.
إن سارت الأمور على ما يرام في النهاية، فسيتعين عليه رد الجميل لـ«نيولو» بصنيع طيب.
وهكذا، مع اقتراب مهرجان الصيف، استعد «زوريان» وخطط. اشترى رزمة كاملة من الأوراق والأقلام والأظرف العادية من أحد المتاجر التي بدت متواضعة وفوضوية للغاية لدرجة يستحيل معها تتبع مشتريات زبائنها. صاغ الرسائل بعناية لتجنب الكشف عن أي تفاصيل شخصية.
مع الحرص على عدم لمس الورق بيديه العاريتين في أي مرحلة، وتأكد من عدم سقوط أي من عرقه أو شعره أو قطرة من دمه داخل الظرف. كما تعمد الكتابة بخط عريض ورسمي لا يمت بصلة لخط يده المعتاد. وفي النهاية، أحرق الأقلام والأوراق الزائدة والأظرف التي لم يستخدمها.
ثم، وقبل أسبوع من المهرجان، أودع الرسائل في صناديق بريد عامة متفرقة في شتى أرجاء «سيوريا» وانتظر.
كان الأمر… مثيراً للأعصاب، على أقل تقدير. غير أنه لم يحدث شيء – لم يأتِ أحد لمواجهته بشأن الرسائل، وكان هذا أمراً جيداً، بيْد أنه في الوقت ذاته لم يبدُ أن هناك أي أمر غير مألوف يحدث. هل كذبه الجميع؟ هل أخطأ في شيء ما وانتهى المطاف بالرسائل لعدم بلوغ وجهتها المقصودة؟ هل يتكتمون في رد فعلهم لدرجة ألا يُحدثوا أي جلبة؟ كان الانتظار يقتله.
وأخيراً، طفح الكيل. في الأمسية التي سبقت الحفل الراقص، قرر أنه قد بذل كل ما في وسعه واستقل أول قطار مغادر للمدينة.
قد تكون رسائله قد أدت غرضها وقد لا تكون، بيْد أنه بهذه الطريقة سيكون في مأمن على أي حال. وإن سأله أحد (رغم شكه في حدوث ذلك)، فسيلجأ إلى عذره الموثوق “حادث خيميائي”. لقد أخطأ في تحضير جرعة ما واستنشق بعض الأبخرة المهلوسة، ولم يستعد وعيه إلا وهو خارج «سيوريا» بالفعل. أجل، هذا بالضبط ما حدث.
بينما كان القطار يبتعد مسرعاً عن «سيوريا» في جوف الليل، كبت «زوريان» قلقه ومشاعر الذنب التي ساورته لفعله القليل جداً لتحذير أي شخص من الهجوم المحدق. ماذا عساه أن يفعل غير ذلك؟ لا شيء، هذا هو الواقع. لا شيء على الإطلاق.
بعد برهة، غطس في نوم مضطرب، حيث كان الاهتزاز الإيقاعي للقطار بمثابة تهويدة له، في حين طاردته في أحلامه رؤى النجوم المتساقطة والهياكل العظمية المكللة بالوهج الأخضر.
جفل «زوريان» منتفضاً، لتنفتح عيناه على اتساعهما فجأة إثر ألم حاد اجتاح معدته. انتفض جسده بأكمله، مقوساً ظهره برد فعل عكسي للشيء الذي سقط عليه، ليجد نفسه مستيقظاً تماماً، دون أن يخالج عقله أي أثر للنعاس.
صدح صوت مرح ومزعج مباشرة فوقه: “صباح الخير يا أخي! صباح، صباح، صباح الخير!!!”
حملق «زوريان» في شقيقته الصغرى بغير تصديق، وفمه ينفتح ويُغلق بصورة متكررة. ماذا، مجدداً؟
زمجر «زوريان»: “أوه، لا بد أنكِ تمزحين!” لتنهض «كيريل» سريعاً من فوقه وتتراجع مبتعدة بخوف. يبدو أنها ظنت أن غضبه كان موجهاً إليها. “ليس أنتِ يا كيري، أنا… لقد راودني كابوس فحسب، هذا كل شيء.”
لم يكد يصدق الأمر، لقد حدث مجدداً!؟ ماذا بحقك؟ كان مسروراً لحدوث ذلك في المرة السابقة، كونه عنى أنه لم يكن… كما تعلمون، ميتاً. أما الآن؟ بات الأمر مرعباً فحسب. لماذا يحدث له هذا؟
أوه، وبينما كان يندب حظه العاثر في قرارة نفسه، تحصنت «كيريل» في الحمام مجدداً. تباً لكل هذا بحق السامي!
+++++++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
حسنا مارأيكم في كل ماحصل؟ لماذا عاد زوريان بالزمن رغم انه لم يمت؟ ماذا حل بزاك؟ وكيف عاد زوريان بالزمن مرتين؟
الدفعة الثانية سانشرها بعد حوالي الساعتين باذن الله استمتعو….