الفصل 14 - الى الجحيم مجددا.
الفصل14: الى الجحيم مجددا.
بام!
“أيها الصرصور!”
بام! بام! بام!
“أيها الصرصور، افتح هذا الباب الملعون! أعلم أنك بالداخل!”
تقلب «زوريان» في فراشه وأطلق أنة متذمرة. ما الذي تفعله «تايفين» هنا في هذا الوقت المبكر ماذا بحقك؟ لا، لحظة… خطف المنبه من فوق خزانته وقربه من وجهه… لم تأتِ مبكرة، بل إنه هو من نام حتى ما بعد الظهيرة. هاه. لقد تذكر بوضوح توجهه مباشرة إلى الأكاديمية من محطة القطار وغطسه في النوم بعد دقائق من بلوغه غرفته، ورغم ذلك أفرط في النوم هكذا. يبدو أن الموت ثم الاستيقاظ في الماضي مسألة منهكة بحق.
بام! بام! بام! بام! بام!
صاح «زوريان»: “أنا قادم، أنا قادم! توقفي عن الطرق على بابي، لقد طفح الكيل!”
وبطبيعة الحال، واصلت الطرق بحماس أكبر. أسرع «زوريان» لتهندم مظهره، ثم ضرب بقدميه الأرض متثاقلاً نحو الباب. جذبه فاتحاً إياه بقوة، ورمق «تايفين» بنظرة حارقة…
…والتي تجاهلتها على الفور.
قالت: “أخيراً! ما الذي أخرك كل هذا الوقت ماذا بحقك!؟”
أجاب «زوريان» صاكاً على أسنانه: “كنت نائماً.”
“حقاً؟”
“أجل.”
“ولكن—”
قاطعها «زوريان» بانفعال: “كنت متعباً. متعباً للغاية. وما الذي تنتظرينه ماذا بحقك؟ ادخلي.”
اندفعت للداخل، فاختلس «زوريان» لحظة ليتمالك نفسه قبل مواجهتها. في ذكرياته المستقبلية، لم تزره قط بعد رفضه مرافقتها في مهمتها إلى المجاري، مما أفصح الكثير عن حقيقة مشاعرها تجاه “صداقتهما” تلك.
ومن ناحية أخرى، فهو بالكاد فكر فيها هو الآخر حتى هذه اللحظة، لذا ربما لا يجدر به إصدار الأحكام. وعلى أية حال، فقد بات الآن أقل رغبة في الانضمام إليها في هذه المهمة مما كان عليه في ذكرياته المستقبلية – إذ كانت لديه بالفعل شؤون أكثر إلحاحاً ليعالجها هذه المرة، ناهيك عن التوجس العام الذي لا يزال مبرراً الآن كما كان حينها.
بناءً على ذلك، شعر بتردد أقل بكثير في التخلص منها ببساطة، لم يستغرق الأمر سوى ساعة واحدة لإقناعها بتركه وشأنه.
ما إن انتهى من ذلك، حتى انطلق على الفور صوب المكتبة، معرجاً في طريقه على مخبز قريب لتناول لقمة سريعة تسد رمقه.
بمجرد ولوجه المكتبة، شرع في البحث عن كتب تتناول موضوع السفر عبر الزمن، في محاولة منه للتعرف على اللغة التي استخدمها اللتيش في تعويذته.
إن وصفنا الأمر بالمخيب للآمال، فسنكون قد لطفنا التعبير. فمن ناحية، لم تكن هناك أي كتب عن السفر عبر الزمن. إذ لم يُعتبر الموضوع مجالاً جدياً للدراسة، نظراً لكونه مستحيلاً وما إلى ذلك. وما ندر كتابته حوله كان مبعثراً بين مجلدات لا حصر لها، أو مخفياً في أقسام وفقرات غير مميزة داخل كتب لا صلة لها بالموضوع أصلاً.
كان تجميع هذه الإشارات المتناثرة بمثابة عمل شاق حقاً، بالاضافة الى انه لم يكن مجزياً على الإطلاق – فلم يكن أي منها ذا نفع في حل لغز ذكرياته المستقبلية. أما العثور على اللغة التي استخدمها الليتش في تعويذته فكان أشد إحباطاً، حيث أخفق حتى في التعرف على اللغة، ناهيك عن ترجمة الترتيل.
أمضى عطلة نهاية الأسبوع بأكملها يغربل نصوص المكتبة بلا طائل، ليتخلى أخيراً عن هذا المسار البحثي حينما غدا جلياً أنه لن يسفر عن أي نتائج. علاوة على ذلك، بدأ العاملون في المكتبة يرمقونه بنظرات غريبة إزاء اختياراته للكتب، ولم يشأ إثارة أي شائعات مؤسفة.
أمل أن يتمكن من استدراج «زاك» بحيلة ما ليكشف له عما يجري ماذا بحقك حينما تبدأ الدروس.
“لقد تأخرت.”
حدق «زوريان» في وجه «أكوجا» الصارم في تأمل صامت. كان مسروراً لعدم اضطراره للتعامل مع أي دراما جراء أمسيته الكارثية معها – مسروراً بقدر سعادته بحقيقة أنه ليس في عداد الموتى تقريباً – بيْد أنه لم يسعه سوى التساؤل عن سر انفجارها العاطفي ذاك. لم تكن تبدو حقاً واقعة في غرامه، فما الذي جعل تعليقه يقع عليها كالصاعقة؟
سألته: “ماذا؟” ليدرك «زوريان» أنه أطال التحديق فيها أكثر من اللازم. أوبس.
سألها: “أكو، لماذا تخبرينني بهذا في حين أن أكثر من نصف الصف لم يحضر بعد؟”
اعترفت «أكوجا»: “لأن هناك على الأقل فرصة لأن تستمع لي، على عكسهم. كما أن شخصاً مثلك يجب أن يكون مثالاً للطلاب الآخرين، لا أن ينحدر إلى مستواهم.”
استفسر «زوريان»: “شخصاً مثلي؟”
ردت بانزعاج: “فقط ادخل.”
تنهد ودخل. ربما كان من الأفضل ترك الأمور على حالها – فلديه مشاكل أخرى ليعالجها، وهي على أية حال متقيدة بالقواعد أكثر مما يطيق.
لم يدرِ ما الذي كان يتوقع حدوثه حينما ولج إلى الصف. أن يتوقف الجميع عما يفعلونه ويحدقوا فيه، ربما؟ على الأقل حينها كان ليمتلك مبرراً لشعوره بالتوتر الشديد إزاء حضور حصته الأولى في العام للمرة الثانية.
لكن بالطبع، لم يفعلوا شيئاً من هذا القبيل. فلم تكن تلك المرة الثانية بالنسبة لهم، ولم يكن به أي شيء غير مألوف للعيان ليسترعي انتباههم. قمع قلقه وجلس في مؤخرة الصف، ماسحاً بنظره خلسة الوافدين الجدد بحثاً عن أي أثر لـ«زاك». كان موقناً بأن الفتى الآخر مرتبط بهذا الأمر بطريقة ما، بدا أن هذا الفتى الغامض هو فرصته الفضلى لفهم ما يحل به.
سادت جلبة وجيزة عندما أطلق التنين الناري المألوف لـ«بريام» فحيحاً عاصفاً وشرع في مطاردة جار «بريام» المذعور عبر الغرفة قبل أن يهدئه «بريام». يبدو أن الزاحف السحري استلطف ذلك الفتى البائس بدرجة أقل حتى من استلطافه لـ«زوريان». على أية حال، دخلت «إيلسا» بعد فترة وجيزة وبدأت الحصة.
لم يظهر «زاك» قط.
أمضى «زوريان» الحصة بأكملها في ذهول، مصدوماً من هذا التطور في الأحداث. أين كان «زاك» ماذا بحقك؟ كل شيء سار حتى الآن بشكل شبه متطابق مع ذكرياته المستقبلية، ليكون غياب «زاك» هو الانحراف الرئيسي الأول. وهو ما رسخ بقوة ارتباط «زاك» بهذا الجنون بطريقة ما، بيْد أنه أبعد الفتى عن متناول «زوريان» في الوقت الراهن.
باتت المحاضرة الآن أكثر إزعاجاً مما كانت عليه في المرة الأولى التي استمع إليها فيها؛ فمن منظوره، لم يمر سوى أقل من شهر على حضوره لدروس المراجعة هذه. ويبدو أن «إيلسا» كانت تعتمد على نص معد مسبقاً، إذ كانت المحاضرة مطابقة حرفياً لتلك المحفورة في ذاكرته، كان الفارق الوحيد هو عدم تواجد «زاك» لمنافسة «أكوجا» في الإجابة على أسئلة «إيلسا» للصف.
من المضحك كيف تبدو الأمور أكثر وضوحاً عند النظر إليها بأثر رجعي. كان «زاك» يتصرف بغرابة منذ البداية، في تلك المحاضرة الأولى بالذات، بيْد أن «زوريان» لم يعر الأمر اهتماماً. صحيح أن تطوع «زاك» للإجابة على أسئلة المعلمة لم يكن من طبعه، غير أنه لم يكن مستبعداً تماماً. فقد كانت مجرد حصة مراجعة على أية حال، وكان لزاماً عليهم معرفة هذه الأمور لاجتياز التقييم. استغرق الأمر أسبوعين قبل أن يبدأ الناس حقاً في ملاحظة مدى التحسن المفاجئ لـ«زاك».
أسئلة كثيرة جداً، وإجابات قليلة جداً. لم يسعه سوى الأمل في أن يظهر «زاك» قريباً.
لم يأتِ «زاك» إلى الصف في ذلك اليوم، ولا في اليوم التالي، ولا الذي يليه. وبحلول يوم الجمعة، كان «زوريان» شبه متأكد من أن الفتى الآخر لن يظهر على الإطلاق. ووفقاً لـ«بينسك»، فقد اختفى «زاك» ببساطة من قصر عائلته في ذات اليوم الذي استقل فيه «زوريان» القطار المتجه إلى «سيوريا»، ولم يلمح له أحد أي أثر منذ ذلك الحين. لم يعتقد «زوريان» أنه قادر على ابتكار فكرة لم يسبق للمحققين الذين استأجرهم وصي الفتى التفكير بها، ولم يشأ لفت الانتباه لنفسه بطرح الأسئلة هنا وهناك؛ لذا نحى لغز «زاك» جانباً على مضض في الوقت الراهن.
على الأقل، كانت دراسته تسير على ما يرام. وبفضل معرفته المسبقة، اجتاز اختبارات «نورا بول» المفاجئة بتفوق، ولم يضطر حقاً للمذاكرة في أي مادة – فقد كان تذكير بسيط كافياً لتجاوز أي شيء تقريباً بسهولة.
ربما يتغير هذا الوضع بمجرد أن تبدأ حصة الحماية السحرية فعلياً، بيْد أنه في الوقت الحالي امتلك كل وقت الفراغ الذي ينشده للتفكير ملياً فيما ينبغي عليه فعله حيال مهرجان الصيف الذي يقترب بخطى حثيثة والهجوم المصاحب له.
للأسف، مع غياب «زاك»، اصطدم «زوريان» بطرق مسدودة في كافة الأدلة التي يملكها، وبات الآن في حيرة من أمره حيال خطوته التالية.
“ادخل.”
فتح «زوريان» باب مكتب «كزفيم» وتلاقى مع نظرات الرجل بتحدٍ. لقد بات الآن واثقاً تماماً من دقة ذكرياته “المستقبلية”، بغض النظر عن غياب «زاك» الغامض، لذا كان يعلم أن هذا اللقاء سيكون مجرد تمرين آخر على الإحباط. راوده إغراء بمقاطعة هذه اللقاءات، غير أنه خمن أن مثابرته الرواقية في وجه عدائية الرجل هي ما أقنع «إيلسا» في النهاية بأخذه تحت جناحها. فضلاً عن ذلك، شعر أنه سيسدي لـ«كزفيم» خدمة إن هو انسحب – فقد خالج «زوريان» شعور جلي بأن الرجل كان يحاول دفعه للاستقالة في المرة السابقة – وكان أحقد من أن يمنحه هذا الرضا. جلس دون انتظار دعوة، وقد أصيب بخيبة أمل طفيفة لأن الرجل لم يعلق على بادرته الوقحة المتعمدة.
{{{{{{{همم هل سمعت ان شخصا ما هنا حقود؟؟؟}}}}}}}
سأل «كزفيم»: “زوريان كازينسكي؟” فأومأ «زوريان» برأسه وخطف ببراعة القلم الذي رماه الرجل نحوه من الهواء، كونه يتوقع ذلك هذه المرة.
أمر الرجل، غير متفاجئ البتة من براعته في التنسيق الحركي: “أرني مهاراتك الثلاث الأساسية.”
وفي لمح البصر، دون حتى أن يأخذ نفساً عميقاً إضافياً، فتح «زوريان» راحة يده، ليقفز القلم حرفياً منها ويستقر محلقاً في الهواء.
قال «كزفيم»: “اجعله يدور.”
اتسعت عينا «زوريان». ما الذي حل بـ”ابدأ من جديد”؟ محاولته الحالية لم تكن أسوأ مما أظهره خلال جلستهم الأخيرة قبل ذلك الحفل الراقص المشؤوم، وكان الرد الوحيد لـ«كزفيم» في تلك الليلة هو “ابدأ من جديد”، كحال أي مرة أخرى. فما الذي تغير الآن؟
سأله «كزفيم»: “هل تعاني من مشكلة في السمع؟ اجعله يدور!”
طرف «زوريان» بعينيه، مدركاً أخيراً تحتم تركيزه على الجلسة الحالية بدلاً من ذكرياته. “ماذا؟ ماذا تعني بـ’اجعله يدور’؟ هذا ليس جزءاً من المهارات الثلاث الأساسية…”
تنهد «كسفيم» بصورة مسرحية، وتناول ببطء قلماً آخر وجعله يطفو فوق راحة يده. عوضاً عن البقاء معلقاً في الهواء كقلم «زوريان»، كان قلم «كزفيم» يدور كالمروحة.
اعترف «زوريان»: “أنا… لا أملك أدنى فكرة عن كيفية فعل ذلك. لم نتعلم ذلك في الحصص.”
قال «كزفيم»: “أجل، إنه لأمر إجرامي مدى الفشل الذريع لهذه الحصص في تعليم طلابنا. فتنويع بسيط كهذا في تمرين الطفو لا ينبغي أن يعصى على فهم ساحر معتمد. لا يهم، سنقوم بتصحيح هذا القصور قبل الانتقال إلى شؤون أخرى.”
تنهد «زوريان». عظيم. لا عجب إذن ألا يتقن أحد قط المهارات الثلاث الأساسية بما يرضي ذوق «كزفيم» إن كان الرجل يواصل إعادة تعريف معنى “الإتقان”. فمن المحتمل وجود المئات من “التنويعات الصغيرة” لكل مهارة من الثلاث الأساسية، وهو ما يكفي لإمضاء عقود في تعلمها جميعاً، لذا فلا عجب لعجز أي شخص عن استنفادها كلها في عامين بائسين. خاصة بالنظر إلى معايير «كزفيم» لوصف المهارة بأنها “متقنة”.
حثه «كزفيم»: “هيا. ابدأ.”
ركز «زوريان» بشدة على القلم المعلق فوق راحة يده، محاولاً معرفة كيفية فعل ذلك. يُفترض بالأمر أن يكون بسيطاً نسبياً. جل ما عليه فعله هو تثبيت نقطة استقرار في منتصف القلم وتسليط الضغط على طرفيه، أليس كذلك؟ على الأقل، كانت تلك أول فكرة تتبادر إلى ذهنه. بالكاد أفلح في جعل القلم يتحرك قليلاً حتى شعر بجسم مألوف يرتطم بجبينه.
رمق «زوريان» «كزفيم» بنظرة حانقة، شاتماً نفسه لنسيانه أمر كرات الرجل الزجاجية الملعونة. في حين ألقى «كزفيم» نظرة خاطفة على القلم الذي لا يزال يطفو فوق راحة «زوريان».
علق «كزفيم»: “لم تفقد تركيزك. جيد.”
اتهمه «زوريان»: “لقد رميتني بكرة زجاجية.”
رد «كزفيم» غير نادم البتة: “كنت أستعجلك. أنت بطيء جداً. يجب أن تكون أسرع. أسرع، أسرع، أسرع! ابدأ من جديد.”
تنهد «زوريان» وعاد إلى مهمته. أجل، إنه بلا شك تمرين على الإحباط.
++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
انه الجحيم بحق……