الفصل 13 - البداية من جديد.
الفصل 13: البداية من جديد.
جفل «زوريان» منتفضاً، لتنفتح عيناه على اتساعهما فجأة إثر ألم حاد اجتاح معدته. انتفض جسده بأكمله، مقوساً ظهره برد فعل عكسي للشيء الذي سقط عليه، ليجد نفسه مستيقظاً تماماً، دون أن يخالج عقله أي أثر للنعاس.
صدح صوت مرح ومزعج مباشرة فوقه: “صباح الخير يا أخي! صباح، صباح، صباح الخير!!!”
حملق «زوريان» في «كيريل» بذهول، محاولاً استيعاب ما جرى. كان آخر ما يذكره هو إلقاء الليتش لتلك التعويذة عليه وعلى «زاك»، ومن ثم خيم على رؤيته ظلام دامس.
دارت عيناه يمنة ويسرة، متفحصاً محيطه ليؤكد شكوكه – لقد كان في غرفته، عائداً في «سيرين». الا أن أن ذلك لم يكن منطقياً البتة. فرغم سروره بنجاته من تلك المحنة المروعة بأكملها، إلا أنه توقع على أقل تقدير أن يستيقظ في مستشفى أو ما شابه. ولم يكن يجدر بـ«كيريل» أن تتصرف معه بهذه الأريحية بعد مروره بتجربة مروعة كهذه – فحتى هي لا تبلغ هذا الحد من انعدام الإحساس. فضلاً عن ذلك، كان هذا المشهد بأسره… مألوفاً بشكل مخيف.
“كيري؟”
“أم، نعم؟”
سألها «زوريان» وقد بدأ يخشى الإجابة سلفاً: “أي يوم هذا؟”
“الخميس.”
قطب حاجبيه قائلاً: “قصدت التاريخ يا كيري.”
لكزته «كيريل» قائلة: “الأول من شهر «عربة الحرب»[1]. ستذهب إلى الأكاديمية اليوم. لا تخبرني أنك نسيت.” لقد لكزته حرفياً – إذ أرفقت كلماتها بوخزة مسددة بعناية في خاصرته، غارزة سبابتها الصغيرة النحيلة بين أضلاعه. فأبعد «زوريان» يدها بصفعة خفيفة، وهو يهسهس من الألم.
صاح «زوريان» بانفعال: “لم أنسَ! أنا فقط…”
ثم توقف عند هذا الحد. ما عساه أن يخبرها؟ فبصراحة، هو نفسه لا يملك أدنى فكرة عما يحدث!
قال بعد برهة من الصمت: “أتعلمين ماذا؟ لا تهتمي لذلك، أعتقد أنه قد حان الوقت لتنزلي عني.”
وقبل أن يتسنى لـ«كيريل» الرد، قلبها «زوريان» بخشونة من على حافة السرير قبل أن يقفز هو الآخر واقفاً.
خطف نظارته من فوق خزانة الأدراج المجاورة لسريره، وجال بنظره في أرجاء غرفته باهتمام أكبر بالتفاصيل هذه المرة، باحثاً عن أي شيء في غير محله؛ أي شيء قد يكشف أن هذا مجرد مقلب ضخم (وإن كان سخيفاً). فرغم أن ذاكرته لم تكن خالية من العيوب، إلا أنه اعتاد ترتيب مقتنياته بطرق دقيقة للغاية لاكتشاف أي من أفراد عائلته المتطفلين إن عبث بأشيائه.
لم يجد شيئاً في غير مكانه بشكل ملحوظ؛ لذا ما لم يكن مُحاكي غرفته الغامض هذا على دراية تامة بنظامه (وهو أمر مستبعد)، أو أن «كيري» قررت أخيراً احترام حرمة غرفته أثناء غيابه (ومن المرجح أن تتجمد الجحيم قبل أن يحدث ذلك)، فهذه كانت بالفعل غرفته كما تركها حين غادر إلى «سيوريا».
هل كان كل ذلك حلماً إذن؟ بدا الأمر أكثر واقعية من أن يكون مجرد حلم. لطالما كانت أحلامه مبهمة، ولا معنى لها، سريعة التبخر من ذاكرته بُعيد استيقاظه. أما هذه، فبدت تماماً كذكرياته العادية – خالية من الطيور الناطقة، والأهرامات العائمة، والذئاب ذات الأعين الثلاث، وغيرها من المشاهد السريالية التي عادة ما تحفل بها أحلامه. فضلاً عن ذلك، كانت غزيرة التفاصيل – فبالتأكيد حصيلة شهر كامل من التجارب أضخم بكثير من أن تستوعبها رؤيا منام عابرة، أليس كذلك؟
أخبرته «كيريل» من على الأرض، غير متعجلة على ما يبدو للنهوض: “أمي تريد التحدث إليك. ولكن مهلاً، هل يمكنك أن تريني بعض السحر قبل أن تنزل؟ أرجوك؟ أرجوك بشدة؟”
عبس «زوريان». سحر، هاه؟ الآن وقد فكر في الأمر، لقد تعلم قدراً لا بأس به من السحر. فلو كان هذا كله مجرد حلم معقد التفاصيل، فلا شك أن كل السحر الذي تعلمه هناك سيكون محض هراء تام، أليس كذلك؟
قام ببضع إيماءات واسعة وتمتم ببعض الكلمات قبل أن يضم يديه أمام صدره. ليتشكل على الفور جرم ضوئي عائم فوق راحتيه.
هاه. ليس مجرد حلم معقد إذن.
هتفت «كيريل» بحماس: “هذا مذهل!” ووخزت الجرم المضيء بإصبعها لتمررها عبره مباشرة. لم يكن ذلك مفاجئاً حقاً، كونه مجرد ضوء. سحبت إصبعها وحدقت فيه بفضول، وكأنها تتوقع أن تجده قد تغير بطريقة ما. وجه «زوريان» الجرم المضيء ذهنياً ليحلق في أرجاء الغرفة ويدور حول «كيريل» بضع مرات. أجل، إنه يعرف التعويذة بكل تأكيد – فلم يقتصر الأمر على احتفاظه بذاكرة خطوات الإلقاء، بل شمل أيضاً التحكم الدقيق الذي طوره من خلال الممارسة المتكررة. المرء لا يكتسب أموراً كهذه من مجرد رؤيا، حتى لو كانت رؤيا نبوية.
طالبت «كيريل»: “المزيد! المزيد!”
تنهد «زوريان»: “أوه هيا يا كيري. لست في حالة مزاجية تسمح لي بمجاراة حماقاتك في الوقت الراهن. لقد لبيت طلبك، أليس كذلك؟ اذهبي وابحثي عن شيء آخر يسليكِ الآن.”
عبست بوجهها، بيْد أنه بات محصناً تماماً ضد أمور كهذه الآن. ثم قطبت حاجبيها للحظة واعتدلت فجأة وكأنها تذكرت شيئاً ما.
لحظة…
صاح «زوريان»: “لا!” غير أن الأوان كان قد فات. فقد ركضت «كيري» بالفعل إلى الحمام وأوصدت الباب خلفها بقوة. “تباً لكِ يا كيري، لماذا الآن؟ لماذا ليس قبل أن أستيقظ؟”
أجابته: “حظك العاثر.”
انحنى «زوريان» للأمام حتى ارتطم جبينه بالباب وتمتم: “كان لدي إنذار مسبق، ورغم ذلك انطلت علي الحيلة.”
قطب حاجبيه. إنذار مسبق، بالفعل. أياً كانت طبيعة “ذكرياته المستقبلية”، فقد بدت موثوقة إلى حد كبير. هل ستتعرض «سيوريا» للغزو حقاً خلال مهرجان الصيف إذن؟ ما الذي ينبغي عليه فعله حيال ذلك؟ ما الذي “بوسعه” فعله حيال ذلك؟ هز رأسه وعاد أدراجه إلى غرفته.
لن يفكر حتى في مثل هذا التساؤل قبل أن يكتشف المزيد عما حل به. أوصد الباب ليحظى ببعض الخصوصية وجلس على سريره. كان بحاجة للتفكير.
حسناً. إذن فقد عاش شهراً دراسياً كاملاً قبل أن… يحدث شيء ما… ثم استيقظ في غرفته عائداً في «سيرين»، وكأن ذلك الشهر بأكمله لم يحدث قط. حتى مع أخذ السحر في الحسبان، كان ذلك أمراً منافياً للعقل. فالسفر عبر الزمن مستحيل.
لم يمتلك في غرفته أي كتب تناقش هذا الموضوع باستفاضة تذكر، بيْد أن كافة النصوص التي تطرقت للسفر عبر الزمن أجمعت على استحالته. فحتى سحر الأبعاد لم يكن بوسعه سوى تشويه الزمن، إما بتسريعه أو إبطائه. لقد كان من الأمور القليلة التي أجمع السحرة على أنها تتجاوز قدرة السحر على إنجازها.
إذن، كيف يتسنى له عيش كل هذا؟
كان للتو في خضم تصفح الكتب في غرفته بحثاً عن أي نوع من السحر قد “يحاكي” السفر عبر الزمن بطريقة ما، عندما قاطع تفكيره طرقٌ على بابه، ليدرك فجأة أنه لا يزال بملابس النوم وأن والدته كانت تود التحدث إليه منذ فترة لا بأس بها. سارع بتغيير ملابسه وفتح الباب، ليجد نفسه تحت أنظار امرأتين متفحصتين، إحداهما فقط كانت والدته.
كاد أن يحيي «إيلسا» باسمها، لكنه تدارك نفسه في الوقت المناسب.
قالت والدته، ونظرتها المستنكرة تنبئه بأنها ستوبخه بشدة بمجرد مغادرة «إيلسا»: “حضرت معلمة من الأكاديمية للتحدث إليك.”
قالت «إيلسا»: “تحياتي. أنا «إيلسا زيليتي»، من أكاديمية سيوريا الملكية للفنون السحرية. كنت آمل التحدث إليك بشأن بعض المسائل قبل مغادرتك. لن يستغرق الأمر طويلاً.”
أجاب «زوريان»: “بالطبع. أم، أين ترغبين في…”
قاطعته «إيلسا»: “غرفتك ستفي بالغرض.”
استأذنت والدته قائلة: “سأحضر لكما شيئاً لتشرباه.”
راقب «زوريان» «إيلسا» وهي تخرج أوراقاً مختلفة وتضعها على مكتبه (ما الذي كانت تفعله بتلك الأوراق على أية حال؟)، محاولاً أن يقرر كيف سيتعامل مع هذا الموقف. إن كانت ذكرياته المستقبلية صحيحة، فيُفترض بها أن تناوله اللفافة في حوالي…
أجل، ها هي ذي. معرفة ما سيحدث مسبقاً أمر غريب حقاً.
ومن باب التظاهر، ألقى «زوريان» نظرة سريعة على اللفافة قبل أن يمرر المانا عبرها. كانت تماماً كما يتذكرها – الخط، والعبارات الرسمية المنمقة، والشعار المعقد أسفل الوثيقة – فشعر «زوريان» بموجة من الرهبة تجتاحه. بم ورط نفسه ماذا بحقك؟ لم يكن لديه أدنى فكرة عما يحدث له، غير أنه أمر جسيم. جسيم للغاية.
راودته رغبة ملحة في إخبار «إيلسا» بمأزقه وطلب نصيحتها، لكنه كبح جماح نفسه. بدا ذلك التصرف الأكثر عقلانية – فبالتأكيد ساحرة متمرسة مثلها مؤهلة للتعامل مع هذا الأمر أكثر منه بكثير – بيْد أنه، ما الذي عساه أن يخبرها به؟ أنه يتذكر أحداثاً لم تقع بعد؟ أجل، سيُقابل ذلك بترحيب حار.
علاوة على ذلك، وبالنظر إلى طبيعة ذكرياته المستقبلية، كان يرى بوضوح احتمال تعرضه للاعتقال إن تم الكشف حقاً عن مؤامرة لغزو «سيوريا» بفضل تحذيراته.
ففي النهاية، من المرجح بكثير أن تُعزى معرفته الصادمة إلى كونه منشقاً عن المؤامرة بدلاً من كونه مسافراً غريباً عبر الزمن. ومضت في ذهنه لفترة وجيزة صورة لعملاء حكوميين يعذبونه لانتزاع المعلومات، فارتجف.
لا، من الأفضل أن يبقي هذا كله لنفسه في الوقت الراهن.
وهكذا، طوال الدقائق العشر التالية، أعاد «زوريان» تمثيل ذكرياته عن تفاعله الأولي مع «إيلسا» بحذافيرها، إذ لم يرَ أي جدوى من اختيار مسار مختلف هذه المرة – فكل خياراته اتُخذت لأسباب لا تزال صالحة حالياً بنفس القدر الذي كانت عليه في ذكرياته المستقبلية.
غير أنه لم يجادل «إيلسا» بشأن «كزفيم» هذه المرة، لعلمه المسبق بعدم جدوى الجدال في هذا الموضوع، ولم يطلب استراحة للذهاب إلى الحمام، كونه يعرف بالفعل المواد الاختيارية التي يود دراستها.
بدت «إيلسا» غير مكترثة تماماً بحزمه الغريب، وبدت تواقة مثله تماماً لإنهاء هذا الأمر برمته. ثم مرة أخرى، لماذا قد تتفاجأ من حزمه؟ فهي لا تمتلك ذكريات مستقبلية لتقارن بها هذا اللقاء بأكمله، على عكسه هو. ماذا بحقك، إنها لم تعرفه حتى هذه اللحظة.
تنهد «زوريان» وهز رأسه. لقد بدت وكأنها ذكريات طبيعية تماماً، وكان من الصعب تجاهلها. سيكون هذا شهراً طويلاً بحق.
“هل أنت بخير يا سيد كازينسكي؟”
رمق «زوريان» «إيلسا» بنظرة فضولية، محاولاً استشفاف سبب سؤالها ذاك. لمحت نظراتها متجه نحو يديه – للحظة فقط، بيْد أن «زوريان» التقطها. كانت يداه ترتجفان. فضمها في قبضتين وأخذ نفساً عميقاً.
أجاب: “أنا بخير.” أعقب ذلك ثانية أو نحو ذلك من الصمت المحرج، وبدا أن «إيلسا» غير راغبة في استئناف حديثها الختامي بينما واصلت دراسته بنظراتها. “هل يمكنني طرح سؤال؟”
قالت «إيلسا»: “بالطبع. لهذا أنا هنا.”
“ما رأيك في السفر عبر الزمن؟”
تفاجأت جلياً من سؤاله – ربما كان هذا آخر ما توقعت أن يسألها عنه، أو على الأقل يقبع في ذيل قائمتها. غير أنها تمالكت نفسها بسرعة كبيرة.
قالت «إيلسا» بحزم: “السفر عبر الزمن مستحيل. لا يمكن للزمن سوى أن يتمدد أو ينضغط. لا يُتخطى أو يُعكس أبداً.”
سأل «زوريان» بفضول صادق: “لماذا؟” لم يسبق له فعلياً أن رأى تفسيراً لاستحالة السفر عبر الزمن، رغم أن ذلك قد يُعزى لعدم اهتمامه الشديد بالموضوع حتى الآن.
تنهدت «إيلسا»: “أقر بأنني لست ملمة بالتفاصيل بشكل خاص، بيْد أن أفضل نظرياتنا تشير إلى أن السير عكس التيارات الزمنية أمر مستحيل تماماً. مستحيل استحالة ‘رسم دائرة مربعة’، وليس استحالة ‘القفز فوق المحيط’. فنهر الزمن يتدفق في اتجاه واحد فقط. وأبعد من ذلك، فقد بُذلت محاولات لا حصر لها في الماضي المسجل، وباءت جميعها بالفشل.”
رمقته بنظرة حادة. “آمل بصدق ألا تهدر مواهبك في مسعى أحمق كهذا.”
برر «زوريان» موقفه دفاعياً: “كنت أشعر بالفضول فحسب. كنت أقرأ فصلاً يناقش حدود السحر، وتساءلت عن سبب يقين المؤلف من استحالة السفر عبر الزمن.”
قالت «إيلسا» وهي تنهض: “حسناً، أنت تعرف الآن. والآن إن كان هذا كل شيء، فيتعين علي الذهاب حقاً. سيسعدني الإجابة على أي أسئلة أخرى يوم الاثنين بعد انتهاء الدروس. طاب يومك.”
راقبها «زوريان» وهي تغادر ثم أوصد الباب خلفها قبل أن ينهار عائداً على سريره. شهر طويل بكل تأكيد.
وللمرة الأولى، لم تدفع رحلة القطار «زوريان» للغطس في النوم. لقد استفز والدته بمهارة ببعض المواضيع الحساسة عندما حاولت توبيخه، وبات شبه متأكد من أن هذا ليس نوعاً من الوهم المعقد، ما لم يكن صانع الوهم على دراية ببعض الأسرار العائلية المحفوظة بعناية شديدة. كما أنه بدا صافي الذهن جداً ليكون هذا نوعاً من الهلوسة المُفتعلة. وبحسب ما يمكنه الجزم به في الوقت الراهن، فقد عاد حقاً بالزمن إلى الوراء.
أمضى معظم رحلة القطار في تدوين كل أمر هام استطاع تذكره في أحد دفاتر ملاحظاته. لم يعتقد حقاً أن الذكريات ستتلاشى في أي وقت قريب، غير أن ذلك ساعده على ترتيب أفكاره وملاحظة تفاصيل ربما كانت لتفوته لولا ذلك.
لاحظ أنه نسي استرداد كتبه من تحت سرير «كيري» وسط كل تلك الفوضى، بيْد أنه قرر أن الأمر لا يهم. فإن كانت الدروس على نفس الشاكلة التي كانت عليها في المرة الماضية، فلن يحتاج إليها طوال الشهر الأول.
كانت تلك التعويذة الأخيرة التي ألقاها الليتش عليه وعلى «زاك»، كان «زوريان» متيقناً من ذلك.
تكمن المعضلة في أن «زوريان» لم يكن لديه أدنى فكرة عن ماهية تلك التعويذة. فحتى الكلمات كانت غير مألوفة.
اعتمدت التعاويذ القياسية على كلمات “الإيكوسيان” كأساس لها، وكان «زوريان» يعرف من “الإيكوسيان” ما يكفي لأخذ انطباع عام عن التعويذة بمجرد الاستماع لما يرتله المُلقي، بيْد أن الليش استخدم لغة مختلفة في ترتيله. ولحسن الحظ، تمتع «زوريان» بذاكرة قوية حقاً وحفظ معظم الترتيل، لذا دونه في دفتر ملاحظاته الموثوق بصيغة صوتية. كان متأكداً تماماً من أنه لن يعثر على التعويذة ذاتها في أي مكان ضمن مستوى تصريحه، إذ من المرجح أنها محظورة بشدة وموضوعة بعيداً عن متناول سحرة الدائرة الأولى أمثاله، لكنه سيبحث في مسألة التعرف على اللغة والعثور على قاموس مناسب في مكتبة الأكاديمية.
كان الدليل الآخر في هذه المعضلة برمتها هو «زاك» نفسه.
كان الفتى قادراً على قتال ليتش – ليتش ماذا بحقك! – لعدة دقائق قبل أن يستسلم له. ورغم أن الليش كان يتلاعب به، إلا أن ذلك ظل أمراً مبهراً للغاية.
كان «زوريان» ليضع «زاك» في مصاف سحرة الدائرة الثالثة، وربما أعلى. فما الذي يفعله هذا الفتى بين طلاب الأكاديمية إذن؟ كان ثمة أمر غريب بالتأكيد حيال «زاك»، رغم عدم امتلاك «زوريان» لأي نية في مواجهة الفتى مباشرة قبل أن يكتشف المزيد عما يجري. فعلى حد علمه، قد يكون الأمر من قبيل: “أنت تعرف سرنا، لذا يتحتم علينا قتلك الآن”. سيتعين عليه توخي الحذر الشديد في تعامله مع وريث عائلة “نوفيدا”.
{{{{{{{{{من الأشياء العظيمة القليلة في البطل هو هذا التفكير المنطقي..}}}}}}}}}
أغلق «زوريان» دفتر ملاحظاته بقوة ومرر يده عبر شعره. بغض النظر عن الزاوية التي ينظر منها للأمر، بدا هذا الوضع برمته مجنوناً تماماً.
هل يمتلك حقاً ذكريات من المستقبل أم أنه بدأ يفقد عقله ببساطة؟ كلتا الاحتماليتين كانت مرعبة. لم يكن مؤهلاً بأي حال من الأحوال للتعامل مع أمر كهذا بمفرده، بيْد أنه لم يعرف كيف يقنع الآخرين بمساعدته دون أن يُساق إما إلى مصحة عقلية أو إلى غرفة استجواب.
عقد العزم على التفكير في الأمر لاحقاً. أي غداً. كان هذا الأمر برمته غريباً للغاية، وكان بحاجة للنوم عليه قبل اتخاذ أي قرار.
“عفواً، هل هذا المقعد خالٍ؟”
رمق «زوريان» المتحدثة، وتعرف عليها بعد ثانية من التذكر. الفتاة المجهولة ذات السترة الخضراء ذات الياقة العالية، والتي انضمت إليه في مقصورته عندما توقفوا في «كورسا». بالطبع، في المرة الماضية لم تكلف نفسها عناء الاستئذان قبل الجلوس. ما الذي تغير؟ آه، لا يهم – ما يهم هو أن أربع فتيات أخريات قد تبعنها في المرة الماضية. فتيات صاخبات ومزعجات للغاية. من المستحيل أن يقضي بقية رحلة القطار مستمعاً لثرثرتهن… مجدداً.
أومأ برأسه قائلاً: “أجل. في الواقع، كنت أغادر للتو. نحن نتوقف في «كورسا»، أليس كذلك؟ طاب يومك يا آنسة.”
ثم سارع بالتقاط أمتعته وذهب للبحث عن مقصورة أخرى، تاركاً الفتاة لمصيرها.
لعل هذه الذكريات المستقبلية تفيد في شيء ما، في نهاية المطاف.
+++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
[1] : في روايتنا ام التعلم، ابتكر الكاتب تقويماً خاصاً بعالمه السحري يُعرف باسم التقويم الإيكوسي (Ikosian Calendar)، والذي يعتمد في تسمية أشهره على الأبراج الفلكية، والرموز الأسطورية، والمفاهيم المرتبطة بالإمبراطورية القديمة. والشهر الذي ذكر هنا اسمه “شاريوت” لكن من اجل الحفاظ على عظمة و معنى الاسم ترجمته لعربة الحرب.