الفصل 11 - زاك
الفصل11: زاك
لم يكد يطأ درجات السلم حتى اصطدم بـ«إيلسا» و«كايرون».
صاحت «إيلسا» متسائلة: “زوريان! ما الذي تفعله هنا؟”
تلعثم «زوريان» مجيباً: “إيه، لقد خرجت لاستنشاق بعض الهواء النقي فحسب. بيْد أن هذا ليس مهماً الآن!”
وافقه «كايرون» الرأي: “أتفق معك. أيها الفتى، ما كان ذلك الانفجار؟ لا تخبرني أنك من تسبب في هذا؟”
أجابه «زوريان»: “قطعا لا. ثمة قنابل مضيئة تتساقط في أرجاء المدينة، لتدمر كل ما تقع عليه. يبدو وكأنها تعويذة مدفعية بالغة القوة.”
تبادلت «إيلسا» و«كايرون» النظرات قبل أن يلتفتا إليه مجدداً.
أمرته «إيلسا»: “اذهب وانضم إلى «أكوجا» والآخرين في قاعة الرقص. سنستطلع مجريات الأمور وننقل الجميع آنياً إلى الملاجئ إن لزم الأمر.”
تجاوزه كلاهما واندفعا صوب السطح، تاركين «زوريان» يترنح عائداً إلى قاعة الرقص في حالة من الذهول. «أكوجا»… «أكوجا» لم تكن في قاعة الرقص. لقد غادرت. بسببه. إنها في الخارج هناك، وربما تكون في عداد الموتى بالفعل…
نفض رأسه طارداً تلك الأفكار من عقله. ثم أخرج بوصلة العرافة الخاصة به، وسارع بإلقاء تعويذة عرافة لتحديد موقعها. لم يكن واثقاً من نجاح الأمر؛ إذ أن التعويذة التي استخدمها تقتصر على تعقب الأشخاص “المألوفين” لديه؛ أي الأصدقاء والعائلة بعبارة أخرى. ولحسن الحظ، بدا أن كونها زميلته في الصف شكل صلة كافية لنجاح التعويذة.
أخذ نفساً عميقاً ليستجمع رباطة جأشه. كان عُرضة للموت المحتم، غير أن… حسناً، كان هذا خطأه نوعاً ما. ولم يعتقد أنه سيتمكن من التعايش مع نفسه إن لاقت «أكوجا» حتفها بسببه.
كشبح غير ملموس، تملص بسلاسة بين الطلاب المضطربين وكبار الشخصيات الأجنبية، متجاوزاً إياهم دون أن يلحظه أو يعيقه أحد، حتى بلغ المخرج. انسلّ خارج المبنى، ثم انطلق راكضاً في الاتجاه الذي أشارت إليه إبرة بوصلة العرافة.
كانت كائنات الـ”ترول” مخلوقات في غاية البشاعة. انحدرت منها فصائل فرعية عدة، غير أنها جميعاً اتسمت بكونها كائنات ضخمة تشبه البشر، يبلغ طولها ثلاثة أمتار، وتكتسي بجلد سميك وقاسي، تتمتع بقدرات تجدد خارقة للطبيعة؛ لدرجة تمكنها من إعادة وصل أطرافها المبتورة بمجرد تثبيتها على الجذع المقطوع لبرهة من الزمن. بالاضافةالى أن فصيلة “ترول الغابات” هي الأكثر عدداً وشهرة، والتي امتازت بجلدها الأخضر الزاهي وتجوالها في الامتدادات الحرجية الشاسعة في الشمال.
فيما كان «زوريان» يراقب زمرة من كائنات الترول تتبختر عبر الشوارع، مهشمة النوافذ ومطلقة عواءً مبهماً، أدرك في قرارة نفسه كم كان محظوظاً؛ إذ تكفل الدخان اللاذع المتصاعد من المباني المحترقة المجاورة بإخفاء رائحته. فقد أكدت كافة كتبه المدرسية أن حاسة الشم لدى ترول الغابات مرعبة بحق.
في الأحوال العادية، كان ليتساءل عن سر تواجد هذا الحشد الغفير من ترول الغابات في قلب مدينة بشرية، بعيداً نسبياً عن موطنهم الأصلي، بيْد أن الشفرات والصولجانات التي كانوا يحملونها باحت له بكل ما يحتاج لمعرفته. كانت تلك أسلحة متطورة للغاية يستحيل على الترول أنفسهم صنعها؛ إذ كانوا بدائيين جداً ويفتقرون لمهارات تشكيل المعادن الرفيعة تلك. إنهم “ترول الحرب”. لقد تعمد أحدهم تسليح هذه المخلوقات وإطلاق عنانها لتعيث فساداً في المدينة.
وما إن تواروا عن الأنظار، استرخى «زوريان» قليلاً محاولا التفكير في خطوته التالية. يا له من أبله. لماذا، يا إلهي لماذا تعين عليه الهروب دون طلب المساعدة من المعلمين أولاً؟ غير أنه افترض حينها أن القنابل المضيئة هي الخطر الأوحد، وفي تلك الحالة لن يشكل الوصول إلى «أكوجا» أي معضلة، بافتراض ألا تصيبه قنبلة طائشة.
عوضاً عن ذلك، وجد المدينة وقد اجتاحتها الوحوش. لم يكن هذا هجوماً إرهابياً كما ظن، بل اجتياحاً شاملاً! وللأسف، بات خيار العودة إلى قاعة الرقص مغلقاً في وجهه؛ إذ كانت جحافل القوات الغازية تتوافد صوب الأكاديمية، لتقطع عليه طريق التراجع. بوضع ذلك في الحسبان، انطلق «زوريان» صوب وجهته بحثاً عن «أكوجا». أبقى نفسه متوارياً في الظلال، لعلمه التام بأن الغزاة سيلحظون بسرعة أي شخص مكشوف في العراء، تماماً كذلك الفتى الواقف… هناك…
أهذا «زاك»؟
صاح «زاك» ملوحاً بيده في الهواء: “أنا هنا! أنا هنا أيتها الحيوانات الغبية! تعالوا ونالوا مني!”
حدق «زوريان» بذهول إزاء هذا الغباء المتهور الذي يشهده.
ما الذي يفعله هذا الأبله ماذا بحقك!؟ بغض النظر عن مدى موهبته كطالب، استحال على «زاك» الصمود أمام هذه النوعية من الوحوش التي تجوب المدينة في اللحظة الراهنة. بيْد أنه فات الأوان لفعل أي شيء؛ فقد استقطب صياح «زاك» انتباه الترول، فهرعوا عائدين، مطلقين صيحة حرب جماعية مدوية قبل الانقضاض على الفتى الذي بلغ من الحماقة ما يكفي لجذب انتباههم. استشف «زوريان» من وقفة «زاك» اعتزامه قتال الترول، وهو ما اعتبره ضرباً من الجنون الخالص؛ فما عساه أن يفعل حيال كائن يتعافى فعلياً من أي جرح يُلحق به؟ وحدهما النار والحمض قادران على إحداث ضرر دائم، وهم لم—
أحكم «زاك» قبضته على عصاه، وبسط يده الأخرى صوب الترول المندفعين؛ لتنبثق من كفه كرة نارية هادرة، وتنفجر مباشرة في قلب تشكيلهم. وحينما انقشع لهيب النيران، لم يتبقَ سوى جثث متفحمة.
وقف «زوريان» مصدوماً. فكرة نارية حقيقية كهذه تنتمي إلى تعاويذ الدائرة الثالثة، وتتطلب قدراً هائلاً من المانا لإلقائها، وهو قدر يتجاوز بكثير ما يمتلكه أي طالب في الأكاديمية. حتى «دايمن» لم يكن بمقدوره إلقاء تلك التعويذة عندما كان في عمر «زاك».
ومع ذلك، لم يقتصر الأمر على نجاح «زاك» في إلقائها، بل إنه لم يبدُ حتى مستنزفاً من هذا الجهد. وبالفعل، عندما هاجمه سرب من ذوات المناقير الحديدية بُعيد ذلك، ليمطره الفتى بريشهم المميت، اكتفى «زاك» بنصب درع “إيجيس” —درع إيجيس ماذا بحقك!— حول نفسه، وأمطر الطيور بكرات نارية متناهية الصغر تتبعت أهدافها، بدت وكأنها قذائف سحرية مصنوعة من نار. تسمر «زوريان» في مكانه إزاء مشهد زميله وهو يصد جحافل الوحوش بمفرده وبلا أدنى عناء. لدرجة أنه كاد يغفل عن أحد ذئاب الشتاء المهاجمة لـ«زاك»، والذي انفصل خلسة عن القطيع الرئيسي وأخذ يتسلل نحوه.
كاد. ولحسن الحظ، أنذرته غريزة فطرية بالخطر، فألقى بنفسه جانباً، متفادياً انقضاضة المخلوق المميتة بشق الأنفس.
شتم «زوريان» نفسه وهو يراقب ذئب الشتاء يعيد توجيه نفسه بسهولة مذهلة بالنسبة لكائن بمثل ضخامته، متأهباً لانقضاضة أخرى. كان يجدر به حقاً توقع استهدافه، بالنظر إلى حجم الانتباه الذي كان «زاك» يجلبه لنفسه.
كان عليه استغلال قتال «زاك» كإلهاء والفرار عندما سنحت له الفرصة. أما الآن فقد فات الأوان – أدرك «زوريان» أنه ليس سريعاً بما يكفي لسباق ذئب الشتاء، ولا يملك أي تعاويذ قتالية يذود بها عن نفسه. أو بالأحرى، لا يملك أي صولجانات سحرية أو ما شابه. إن قُدر له النجاة هذه الأمسية، فسيتعلم حتماً بضع تعاويذ قتالية، مهما بدت عفا عليها الزمن. بيْد أنها كانت “إن” كبيرة جداً.
فجأة، ارتطمت صاعقة ساطعة من القوة برأس ذئب الشتاء، مما أدى لانفجاره في فوضى من الدماء وشظايا العظام. لم يدرِ «زوريان» ما إذا كان عليه أن يشمئز من تناثر تلك الفوضى الدموية عليه، أم يشعر بالارتياح لبقائه على قيد الحياة لفترة أطول قليلاً. كما لاحظ أن تأثير الصاعقة كان أقوى من أن يكون ناتجاً عن قذيفة سحرية عادية. وافترض أن هذا مجرد مثال آخر على براعة «زاك» المحيرة في السحر القتالي.
“«زوريان»؟ ما الذي تفعله هنا ماذا بحقك؟”
رمق «زوريان» الفتى «زاك» بنظرة متفحصة. وإذ لاحظ مسار الجثث الذي خلفه الفتى وراءه، تأمل العصا القابعة في يده اليمنى وحزامه المدجج بالصولجانات السحرية. رغم كل تهوره الظاهري، لا شك أن «زاك» جاء مستعداً.
راوده إغراء قوي بطرح السؤال ذاته على الفتى، بيْد أنه آثر التراجع تجنباً لعداوة لا طائل منها. ففي النهاية، «زاك» هو من أنقذ حياته للتو. لذا، قرر اللجوء إلى الصراحة – لعل الفتى يبدي استعداداً لمعاونته في الوصول إلى «أكوجا»، بالنظر إلى مهاراته القتالية المذهلة.
“أبحث عن «أكوجا». لقد غادرت الحفل قبل الهجوم بفترة وجيزة، وهذا خطأي نوعاً ما.”
أطلق «زاك» أنة متذمرة: “يا رجل، لقد تكبدت حتى عناء ضمان ذهابك إلى الحفل أيضاً. وكأنك تسعى للموت أو ما شابه!”
سأله «زوريان» بغير تصديق: “أنت؟ أنت من أخبر «إيلسا» أنني لم أكن أخطط للذهاب؟ طوال هذا الوقت كنت ألوم «بينسك»! وكيف عرفت بالأمر أصلاً؟”
تنهد «زاك» مجيباً: “أنت تبقى دائماً في غرفتك وتُقتل في القصف الأولي إن لم أفعل شيئاً لإيقاف ذلك. ودعني أخبرك أن إقناعك بعدم البقاء في غرفتك دون اللجوء إلى العنف أو إقحام «إيلسا»، هو بمثابة مهمة شاقة. بإمكانك أن تكون شخصاً عنيداً بحق حينما ترغب في ذلك.”
حدق فيه «زوريان» بارتباك. من طريقة حديث «زاك»، قد يظن المرء أن هذا النوع من الأمور يحدث بشكل يومي أو ما شابه!
استطرد «زاك» بابتهاج: “ولكن كفانا من هذا. دعنا نذهب للبحث عن «أكوجا» قبل أن يلتهمها شيء ما. هل تعرف الطريق؟”
وهكذا فعلا. جابا شوارع المدينة المشتعلة، مخلفين وراءهما مساراً من الغزاة الموتى. لم يحاول «زاك» حتى تفادي الوحوش، بل شق طريقه عبرهم كسامي غاضب يسعى للانتقام. وفي لحظة ما، تعرضا لهجوم من حشد من الهياكل العظمية وساحر عدو، بيْد أن «زاك» اكتفى بجعل الأرض تنشق تحت أقدامهم لتبتلعهم.
حرص «زوريان» بامتثال على إبقاء فمه مغلقاً، ولم يسأل «زاك» قط عن احتياطيات المانا الخاصة به التي تبدو وكأنها لا تنضب، أو عن معرفته بالسحر المتقدم الذي يُفترض أنه يتجاوز مستوى وصوله وبراعته، مكتفياً بالاستمتاع بفوائد مهارة «زاك» وموهبته. لم يكن ليصل إلى هذا الحد قط لولا مساعدة «زاك»، وكان ممتناً بصدق لمعاونة الفتى. بوسع «زاك» الاحتفاظ بأسراره، أياً كانت.
في نهاية المطاف، عثرا على «أكوجا» متحصنة في الطابق العلوي لأحد المنازل. يبدو أن قطيعاً من ذئاب الشتاء قد طاردها إلى هناك، لتأبى بعدها المغادرة خشية أن تكون تلك المخلوقات في انتظار خروجها.
تصرف ذكي بحق. أذكى بكثير مما فعله «زوريان»، هذا أمر مؤكد. ولحسن الحظ، لم يكن ثمة أثر لذئاب الشتاء حول المنزل في هذه اللحظة – ليس وكأن «زاك» كان ليواجه أي مشكلة معهم لو كانوا متواجدين – لذا انتقلا إلى المهمة المحبطة قليلاً المتمثلة في إقناع «أكوجا» بأنه من الآمن إزالة الحواجز عن الباب. بدا واضحاً أن تجربتها مع ذئاب الشتاء قد روعتها بشدة.
كان «زوريان» موقناً بأنها ستلومه لتسببه في مغادرتها لملاذ قاعة الرقص الآمن، لذا تفاجأ تماماً عندما تعلقت به «أكوجا» على الفور بمجرد فتحها للباب، وعانقته وهي تنتحب على كتفه.
{{{{{{{{ابن المحظوظة}}}}}}}}
انتحبت قائلة: “ظننت أنني سأموت! كانت هناك تلك الطيور الضخمة التي تقذف ريشاً حديدياً في كل مكان، وذئاب الشتاء و…”
فتح «زوريان» فمه بحيرة، غير متأكد من كيفية التعامل مع مثل هذا الانفجار العاطفي. رمق «زاك» بنظرة متوسلة، بيْد أن الفتى اكتفى برسم ابتسامة وقحة على ثغره، مبتهجاً على ما يبدو بهذا الموقف.
أومأ «زاك» برأسه متفاهماً وهو يقول: “آه، الحب في ريعان الشباب. ولكن أخشى أنكما ستضطران لمواصلة لم شملكما القلبي هذا عند العودة إلى الملاجئ.”
صاحت «أكوجا» على الفور رافعة وجهها عن كتف «زوريان»: “أجل!” متجاهلة تماماً تلميح «زاك» حول كونهما واقعين في الحب، رغم أن «زوريان» خمن أن ذلك يعود لعدم سماعها لذلك الجزء من الأساس. كانت لا تزال تتشبث بجذعه بقبضة حديدية، وكأنها تخشى أن يختفي إن أفلتته. كان الأمر مؤلماً نوعاً ما، لكنه أحجم عن إخبارها بذلك. “الملاجئ! سنكون بأمان هناك!”
جفل «زاك» للوراء للحظة قبل أن يتمالك نفسه. كانت حركة سريعة للغاية لم يبدُ أن «أكوجا» قد لاحظتها، بيْد أن «زوريان» فعل. إذن فالملاجئ لم تكن آمنة هي الأخرى؟ ولكن يبدو أنها لا تزال أكثر أماناً من مكانهم الحالي، لأن «زاك» بدا عاقداً العزم على المضي قدماً في ذلك.
+++++++++++++++++++++++++
ترجمة وتدقيق: the honord one
حسنا الجد بدأ…….