الفصل 112 - أخطار الأعماق
ترجمة the honord one.
الفصل 112: أخطار الأعماق
قرر زوريان ترك قصر إياسكو وشأنه في الوقت الحالي؛ فقد كان شبه متيقن الآن من ارتباطهم بالغزاة الإيباسيين، وعقد العزم بالتأكيد على سبر أغوار ذلك المكان في مرحلة ما. غير أنه شعر بأن التحقيق في أمر القصر بحالته الراهنة سينتهي على الأرجح بميتات لا حصر لها. فضلًا عن ذلك، ساوره حدس بأن العمدة مستحضر أرواح، أو على الأقل يستخدم واحدًا لخدمته إن لم يكن هو نفسه كذلك، مما يعني أن خسارة معركة هناك قد تترتب عليها عواقب أشد فداحة من مجرد إعادة بدء سابقة لأوانها. كلا، فإن كان راغبًا في الذهاب إلى هناك، وجب عليه أولًا إنهاء دروس ألانيك والارتقاء بمهاراته القتالية إلى حد كبير، كحد أدنى.
بدلًا من ذلك، ومع اقتراب وقته مع ألانيك من نهايته، تعين عليه تكثيف جهوده لتحسين سحره القتالي حتى يتسنى له التوجه إلى قبائل الأرانيا الأخرى والتفاوض معها لتعلم أسرار فنونها العقلية. وكانت هناك أسباب جمة تجعل هذا الأمر بالغ الأهمية، إلا أن الدافع الأكبر الذي حركه تمثل في إمكانية فك حزمة ذكريات الزعيمة التي كانت لا تزال قابعة في عقله.
كان زوريان يدرك أن حزمة الذكريات لن تصمد إلى الأبد؛ صحيح أنها مستقرة الآن بفضل بذل الزعيمة قصارى جهدها لجعلها منيعة وقوية لأقصى حد، لكنها مع مرور الوقت ستتفكك وتتلاشى، وستضيع معها كل الذكريات المحبوسة في داخلها. وإذا ما أراد زوريان ملء الفراغات التي تركتها رسالة الزعيمة الأخيرة وفهم ما دفعها إلى اتخاذ تلك القرارات، كان لزامًا عليه الوصول إلى تلك المعرفة.
ولم يكن يتوهم أن الأمر سيكون يسيرًا؛ فمن جهة، لا يوجد ما يضمن أن تكون قبائل الأرانيا الأخرى ودودة، وحتى لو كانت كذلك، فما الداعي لأن يلقنوا إنسانًا غريبًا أسرارهم؟ وحتى إن ضمن تعاونهم، فإن تفسير ذكريات كائنات غريبة كالأرانيا سيكون مهمة شاقة حتمًا. وحتى لو استطاع إتقان ذلك، فلن تكون أمامه سوى فرصة واحدة لحل حزمة الذكريات دون إتلاف محتواها أو تفعيل أي دفاعات وضعتها الزعيمة لمنعه من فعل ذلك تحديدًا.
لكن ذلك أمر مؤجل للمستقبل؛ فهو في الوقت الحاضر لا يملك الثقة الكافية لدخول وكر أرانيا قد يكون معاديًا. ولأنه لم يرغب في اختبار سحره العقلي في مواجهة أسياد هذه الصنعة، تلخصت خطته الحالية للتعامل مع أي غدر أو عداء من الأرانيا في الإلقاء السريع لتعويذة «درع العقل» وإحراق كل ما تقع عليه عيناه عبر سحر أكثر تقليدية. غير أن نجاح هذه الخطة كان يتطلب حتمًا امتلاك مهارات قتالية أرقى.
ولحسن الطالع، كان هناك أمر كفيل بصقل قدراته القتالية، فضلًا عن تعويض المال الذي فقده لصالح لوكاف حين اشترى جرعتي «تحول النسر»، ألا وهو: استكشاف الزنازين! لقد تجاهل مدخل الزنزانة في كنيازوف ديفيري طوال الفترة الماضية لانشغاله باختفاء سحرة الروح المحليين وتلقي دروس ألانيك، ولم يعد هناك أي مبرر لمواصلة هذا التجاهل؛ إذ كف معظم وحوش الحياة البرية حول كنيازوف ديفيري عن تشكيل أي تحدٍ له في هذه المرحلة.
وهكذا، بعد يومين من انسحابه السريع من قصر إياسكو، قصد زوريان المدخل الرسمي لزنازين كنيازوف ديفيري وطلب تصريحًا للنزول إلى أعماقها. ولحسن الحظ، لم يكلفه الأمر أي مال، ولم يعدو كونه إجراءً شكليًا لضمان إدراك المرء للمخاطر التي يقدم عليها.
قال له الرجل الجالس خلف المنضدة وهو يسلمه بطاقة التصريح ليعرضها على الحراس للسماح له بالعبور: «تذكر فقط أن هذا الجزء من الزنزانة لم يُطهر ويُهادَن قط كما ينبغي. وهذا يعني وجود ثروات أعظم في الأسفل، لكنه يعني أيضًا أن الأخطار مضاعفة؛ فالناس يختفون هناك طوال الوقت، ولن يبحث عنك أحد ما لم تنضم إلى إحدى نقابات المستكشفين المحلية، وهو ما أنصح به شخصيًا السحرة اليافعين من أمثالك».
أطلق زوريان همهمة مقتضبة وغير ملتزمة ثم انصرف، هابطًا درجات سلم لولبي طويل حتى وصل إلى كهف طبيعي يؤوي بلدة صغيرة. أطلق عليها سكان المدينة في الأعلى اسم «قرية المستكشفين»، رغم أنها لم تكن رسميًا سوى امتداد لكنيازوف ديفيري. ولم يكن يعيش هنا الكثير من الناس فعليًا؛ إذ تألفت المباني في الغالب من دور النقابات والمتاجر التي تلبي احتياجات مستكشفي الزنازين.
ولم تكن لديه أي نية للانضمام إلى أي من تلك النقابات؛ فآخر مرة استفسر فيها عن الأمر علم أنهم لا يسمحون للأعضاء الجدد بالخروج إلى الميدان إلا بعد مرور بضعة أشهر على انضمامهم، مما يجعلهم عديمي الفائدة لشخص في موقفه. كان يتفهم منطقهم بالطبع؛ فلا أحد يرغب في رؤية أعضائه الجدد عديمي الخبرة يُذبحون بوحشية في الأنفاق، وقلة نادرة من السحرة في مثل سنه يمتلكون قدرات حقيقية، بيد أن ذلك لم يغير من كونهم غير نافعين له بتاتًا. كما أنه لم يكن يملك أي مال لشراء العتاد من المتاجر، فلم يمكث في المستوطنة طويلًا. وفضلًا عن ذلك، كان الناس هناك فظين للغاية، يطالبون بالمال لمجرد الإجابة عن أسئلة بسيطة، أو يشترطون انضمامه إلى نقاباتهم قبل كشف أي «أسرار». فحمداً لِلسَّامين على قدرته على قراءة الإجابات من عقولهم مباشرة على أي حال.
حدق زوريان في رقعة من الفطر المضيء في زاوية كهف واسع نسبيًا صادفه أثناء تجواله في شبكة الكهوف الممتدة تحت كنيازوف ديفيري. بدا كأنه تجمع عادي لفطر عملاق مشع، لا يختلف كثيرًا عما رآه في بقية الأرجاء، غير أنه كان أعلم بالأمر؛ فلم تنطلِ عليه الحيلة. فقد أخبره حسه العقلي بوضوح بوجود عقل حيواني يكمن خلف ذلك الفطر… بل مهلًا، أيعقل أن الفطر نفسه يملك عقلًا؟ أهو وهم؟ أم فطر عجيب يتمتع بوعي؟
وإذ قرر أن الأمر لا يهم، صوّب عصا القتال التي صنعها لنفسه وأطلق شعاع حرق ناري نحو «الفطر». فلو أنه تعلم درسًا من الأسبوعين اللذين أمضاهما هنا، فهو أن كل شيء على الإطلاق يريد قتله والتهامه — وليس بالضرورة بهذا الترتيب. فعث الصخور، على سبيل المثال، يرغب في شل حركتك ليضع بيضه داخل جسدك الذي لا يزال حيًا كي تلتهمك يرقاته حياً من الداخل إلى الخارج. وخلاصة القول هي أن المبادرة بالهجوم كانت بديهية تفرض نفسها مع هذه المخلوقات، ولم تكن لديه أدنى رغبة في الاقتراب من هذا المتنكر الفطري.
وكما توقع، ما إن ضربه شعاع النار حتى تحلل «الفطر» على الفور كاشفًا عن الهيئة الضخمة ذات المجسات لإخطبوط الأنفاق. كان حدسه في محله إذن؛ إذ كانت قدرة تلك المخلوقات على محاكاة لون محيطها وملمسه مبهرة بقدر ما كانت مواجهتها مثيرة للضيق. غير أن الحظ لم يحالف هذا الأخطبوط؛ فإذ باغتته تلك الضربة النارية المدمرة، أخذ يلوح بمجساته بهلع للحظات قبل أن ينهار جثة هامدة على أرضية الكهف.
قذفه زوريان بحجر ليتأكد من أنه لا يدعي الموت، ثم تنفس الصعداء. ولعله كان ليلقى حتفه على يد أحد تلك المخلوقات لولا حسه العقلي، الذي مثل دون ريب ميزته الكبرى مقارنة ببقية مستكشفي الزنازين؛ فبفضله، استطاع تفادي مكامن ديدان الرماح وأخطبوطات الأنفاق وغيرها من الأخطار الخفية لبلوغ المناطق السفلى البكر والأقل استغلالًا كهذه. ولا عجب في حماسة تايفن السابقة حين اكتشفت قدرته تلك ورغبتها الشديدة في ضمه إلى فريقها.
أمر كرات الضوء الطافية حوله بالانتشار في أرجاء الكهف، وتفحص الجدران ببطء بحثًا عن أي أثر للبلورات أو المعادن الغريبة. وبوجه عام، بدت المانا المتبلورة وسيلة أفضل بكثير لجني المال مقارنة بصيد الوحوش لانتزاع أجزائها، على الأقل إن تمكن المرء من الوصول إلى مناطق غير ممسوسة كهذه. كما امتازت المانا المتبلورة بكونها ثابتة في مكانها؛ فإذا عثر على بعضها في موضع محدد خلال هذه الإعادة، فمن المنطقي أن يجدها في المكان ذاته في كل إعادة تالية. وهذا يعني أنه لو استطاع رسم خريطة لمواقعها عبر عدة إعادات، لأمكنه اجتياح مجموعة من المواقع المعروفة في بضع ساعات وجني مبالغ طائلة مع مطلع كل إعادة جديدة، لا سيما إن تعلم كيفية اختراق تشويش الزنزانة وبات قادرًا على الانتقال الآني داخلها.
لكن للأسف، لم يسفر تفتيشه عن شيء في هذا الكهف. وإذ تطلع إلى جثة إخطبوط الأنفاق المتفحمة، فكر زوريان في الاكتفاء باستخراج دماغه ومنقاره (وهما أثمن أجزائه على الإطلاق) والعودة إلى السطح. فقد عثر بالفعل على كتلتين كبيرتين من المانا المتبلورة وعدة قطع صغيرة، مما جعل هذه الرحلة نجاحًا باهرًا بحد ذاتها، والمضي قدمًا يعني التوغل أعمق في مجاهل الزنزانة بكل ما يحمله ذلك من أخطار.
إلا أنه واصل طريقه؛ فلم يكن قد واجه خطرًا حقيقيًا حتى اللحظة، وحتى لو تصاعدت حدة المخاطر درجة، فإنه يفترض… أن…
انعطف زوريان حول أحد الأركان ليجد نفسه وجهًا لوجه — إن صح التعبير — مع نوع من المادة اللزجة الوردية الطافية التي تغطيها العيون. كانت تتوهج وخيوط الضوء تتراقص عبر كتلتها الشفافة الدخانية، وتتلوى هيئتها وتتبدل في فوضوية، وبروزات وأقدام كاذبة تنمو وتنكمش من لحظة لأخرى. وبدا للحظة أنها لم تلحظه؛ إذ كانت عيونها التي لا تُحصى — ولكل منها لونه وظلاله الخاصة — تطرف وتدور في محاجرها بلا نسق ولا هدى. غير أن تلك اللحظة انقضت سريعًا، والتفتت عيونها الكثيرة صوبه، وامتد بعضها على أقدام كاذبة ليتسنى للوحش تركيزها على زوريان بدقة…
انفتحت عينا زوريان فجأة إثر ألم حاد اندلع في معدته. تشنج جسده بالكامل وتلوى ضد الجسم الذي سقط عليه، وفجأة استيقظ تمامًا وتلاشى كل أثر للنعاس من ذهنه.
صاح صوت مرح ومزعج فوقه مباشرة: «صباح الخير يا أخي! صباح الخير، صباح الخير، صباااااح الخير!!!»
نظر زوريان إلى أخته الصغيرة المبتسمة بذهول. ماذا؟ لكنه كان للتو—
تأوه زوريان دافنًا وجهه بين كفيه: «أحقًا هذا كل ما في الأمر؟! اكتفى بالنظر إلي فمت؟ أي قدرة خرقاء هذه؟!»
قالت كيريل بحيرة: «إممم…»
قال زوريان وهو يضم كيريل بحضن سريع قبل أن ينهض: «انسَي ما قلته». رفضت كيريل إفلاته، وتشبثت به كالأعشاب البحرية الصخرية، فحملها وهو يتجه نحو رف كتبه وسحب مجلد «دليل قاطني الزنازين»، الجزء الرابع، وشرع في تقليبه: «كنت أحلم فحسب، هذا كل ما في الأمر».
سألت كيريل بفضول: «أي نوع من الأحلام؟»
قال زوريان وهو يطالع الوصف في الكتاب: «كنت على وشك أن أصبح ثريًا، ثم قُتلت على يد… وحش العيون؟» حتى اسمه كان سخيفًا، يا للروعة.
قالت كيريل: «أوه. حلم جميل ينتهي بكابوس، أكره هذا النوع».
أطبق زوريان الكتاب وأعاده إلى الرف قائلًا: «وأنا أيضًا يا كيريل، وأنا أيضًا». لم يقدم له الوصف في الكتاب أي معلومة مفيدة عن ذلك الشيء اللعين؛ «احذروا عيونه القاتلة»، يا لها من نصيحة مفيدة بحق.
فكر في إلقاء تعويذة كشف العلامات مجددًا، لكن ما الجدوى؟ فلم ترصد التعويذة قط أكثر من علامتين، ولا أقل من ذلك على أي حال. وبات واضحًا في هذه المرحلة أن هذا هو كل ما ستظهره دائمًا. فالوسيلة التي استخدمها ذو الرداء الأحمر لدخول الحلقة الزمنية تختلف حتمًا عن تلك التي استخدمها زاك وزوريان.
أما بخصوص زاك، فقد دلت تحركاته على أنه يفتتح كل إعادة بالفرار مسرعًا من سيوريا. غير أن اتجاهه لم يكن ثابتًا، وبدا أنه يتجول عشوائيًا في أنحاء إلديمار خلال كل دورة. وتساءل عما وراء ذلك؛ فمن الواضح أن الفتى يتجنب سيوريا كما يفعل زوريان تمامًا، لكنه عجز عن فهم هدفه الحقيقي؛ فقد حاول زوريان تتبع المواقع التي زارها زاك على الخريطة فلم يجد أي نمط مفهوم يربط بينها.
أيًا كان، زاك سيظل زاك. ولديه هو نفسه مشاكله الأكثر إلحاحًا ليعنى بها في الوقت الحاضر.
«حسنًا، كيري، أيمكنكِ إفلاتي الآن؟»