الفصل 360 - إرادة السيطرة
ألدريك، ملك الملوك
كان ألدريك ملكًا قديرًا، امتاز بالطموح والحكمة والقوة. حكم مملكة وُصفت بالكمال، وخاض حروبًا لا تُحصى، حتى غدا تجسيدًا للحرب ذاتها، رجلًا لم يعرف التراجع طريقًا إلى قلبه، ولم يجد في العالم قوة تستحق أن ينحني أمامها.
كان ألدريك يكره البشر.
يكره ضعفهم، ويزدري أنانيتهم، ويمقت الطريقة التي يتخلون بها عن بعضهم بعضًا عندما تصبح التضحية ثمنًا لبقائهم. ومع ذلك، وعلى نحو بدا متناقضًا حتى لمن عرفوه عن قرب، أحب العالم أكثر من أي شيء آخر.
كان يؤمن بأن العالم يستحق النجاة، حتى وإن لم يكن البشر جديرين بها.
في ذلك الزمن، لم يكن العالم مكانًا يصلح للحياة.
ابتلع الدمار أطرافه، وانتشرت الفوضى في أرجائه، وفرضت الوحوش سيطرتها على أراضٍ كانت يومًا موطنًا للبشر. أما الجنون، فقد تسلل إلى العقول حتى بات المرء عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والكابوس.
كان القدر قاتمًا في وجه الإنسانية، وطغى الغضب على ما تبقى من مكارمها، ولم يعد للناجين من نصيب سوى العذاب؛ عذاب البقاء في عالم لم يعد يعترف بحقهم في الحياة.
ومع ذلك، وقف رجل واحد في وجه ذلك المصير.
ألدريك.
ملك طموح لم يؤمن بالمستحيل، ولم يرَ في انهيار العالم سببًا للاستسلام. كان يحمل في قلبه فكرة واحدة، فكرة آمن بها إلى الحد الذي جعله مستعدًا لإراقة الدماء من أجلها.
ما دامت البشرية موحدة تحت راية رجل واحد، وتحكمها قوانين واحدة، فلن تفنى الإنسانية.
لم يكن يحلم بعالم يخلو من الصراعات، بل بعالم لا تستطيع فيه الفوضى تمزيق البشر إلى الأبد.
ولهذا، قاد حروبًا ضارية ضد كل من وقف في طريقه. سحق الممالك، وأسقط الملوك، وأخضع الجيوش، حتى اجتمع تحت رايته سبعة من أعظم الأبطال الذين عرفهم عصره.
كان كل واحد منهم كافيًا لتغيير مصير مملكة، لكنهم جميعًا قاتلوا تحت قيادة رجل واحد.
وبمرور الزمن، ابتلعت إمبراطوريته نصف العالم.
لم يعد ألدريك مجرد ملك يطمح إلى التوسع، بل أصبح حقيقة مرعبة تتردد أسماؤها في قصور الملوك وأكواخ الفقراء على حد سواء.
ومع كل انتصار، اقترب حلمه خطوة أخرى من الاكتمال.
—
في ليلة لم تختلف، في ظاهرها، عن الليالي التي سبقتها، أضاء القمر سماءً صافية، وأحاطت به سبعة نجوم بدت وكأنها تراقب العالم من أعاليه.
داخل قصر ملك الملوك، كانت غرفة ألدريك تجسيدًا للوقار والفخامة. امتزجت فيها رائحة الخشب النفيس بالعطور النادرة، وتلألأت الزخارف الذهبية على الجدران تحت ضوء المصابيح، بينما انعكس ضوء القمر على النوافذ العالية.
جلس ألدريك خلف طاولة أنيقة، يحتسي شرابًا لا يُقدَّر بثمن من كأس مطرزة بالذهب والياقوت.
أمامه جلس رجل ضعيف الجسد، شاحب الوجه، قبيح المظهر، أنهكه المرض حتى بدا وكأن الموت قد بدأ بالفعل في المطالبة بحقه منه.
ومع ذلك، كان الرجل لا يزال يتنفس.
قال بصوت متكلف، محاولًا إظهار أكبر قدر ممكن من الاحترام:
«إنه لشرف عظيم أن أقف أمام ملك الملوك، ألدريك العظيم.»
رفع ألدريك كأسه إلى شفتيه، وارتشف منه ببطء قبل أن يلقي نظرة فاترة على ضيفه.
«لا أحتاج منك إلى كلمات التودد. لقد سئمت سماعها.»
ارتجف الرجل.
للحظة، شعر وكأن قلبه الضعيف سيتوقف عن النبض. لم يكن ألدريك بحاجة إلى رفع صوته أو إظهار غضبه؛ فكلماته وحدها كانت كافية لتذكير الآخرين بالفارق الهائل بينهما.
لقد جاء إلى هنا وهو لا يملك سوى الكلمات.
فإذا كان الملك يرفض حتى كلمات التبجيل، فما الذي يمكن لرجل مثله أن يقدمه؟
ارتجفت شفتاه، وحاول أن ينطق بشيء، لكن الكلمات علقت في حلقه.
راقبه ألدريك للحظات، ثم قال بهدوء مفاجئ:
«أخبرني يا رجل… هل تكره العالم؟»
تجمد الرجل في مكانه.
كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه لم تكن كذلك.
أراد أن يكذب. أراد أن يقول إنه يحب العالم أكثر من أي شيء آخر، وأنه لا يحمل في قلبه سوى الامتنان لكل ما منحه إياه.
فبعد كل شيء، لم تكن هناك قصائد تُكتب عن الملك إلا وتمجد حبه للعالم، ولم يكن هناك شاعر يجرؤ على التشكيك في عدالة حكمه أو إخلاصه للبشرية.
لكن ألدريك قاطعه قبل أن ينطق.
«أخبرني بالحقيقة. انظر إليّ، أنا ثمل، ولن أتذكر شيئًا مما ستقوله على أي حال.»
نظر الرجل إلى الكأس في يد الملك، ثم إلى وجهه.
لم يكن يعرف إن كان ألدريك يسخر منه أم يمنحه فرصة حقيقية للكلام.
لكن شيئًا ما في داخله انكسر.
لم يعد يشعر بالخوف وحده، بل بالغضب أيضًا؛ غضب تراكم في صدره لسنوات طويلة، حتى أصبح أثقل من أن يستطيع كتمانه.
رفع رأسه فجأة، وصاح في وجه الملك:
«وما الذي تعرفه أنت أصلًا؟!»
ساد الصمت.
لم يصدق الرجل نفسه. لقد تجرأ للتو على الصراخ في وجه الرجل الذي ارتعدت ممالك بأكملها عند سماع اسمه.
ومع ذلك، لم يتراجع.
لقد سقطت مخاوفه للحظة، ولم يبقَ في داخله سوى المرارة التي طالما حاول دفنها.
قال بصوت مرتجف:
«هل تحب هذا العالم المقيت حقًا؟ بالطبع ستحبه! فقد منحك كل ما تتمناه!»
ضحك ضحكة قصيرة، سرعان ما تحولت إلى سعال مؤلم.
«ملك عظيم، وثروة لا حدود لها، وقوة تجعل الآخرين ينحنون أمامك، ونساء يملأن لياليك بالجمال والترف… ماذا بقي لك لتطلبه من هذا العالم؟»
حاول أن ينهض، لكن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. فسقط على ركبتيه، مستندًا إلى الأرض بيدين مرتجفتين.
اختلطت دموعه بمخاطه، وراح يتنفس بصعوبة، كأن كل كلمة ينطق بها تنتزع ما تبقى من قوته.
«هل يوجد أحمق يكره حياة كهذه؟!»
لم يجبه الملك فورًا.
ظل ألدريك ينظر إليه، بينما استمر الرجل في ارتجافه.
ثم جاء صوت الملك هادئًا:
«أهذا هو سبب كرهك للعالم؟»
اتسعت عينا الرجل، ورفع رأسه ببطء.
للمرة الأولى، لم يرَ أمامه ملكًا عظيمًا أو رجلًا يجلس فوق عرش لا يستطيع أمثاله الاقتراب منه. رأى شخصًا يسأله عن شيء لم يكلف أحد نفسه عناء السؤال عنه من قبل.
أجاب بصوت خافت:
«نعم… أكره هذا العالم لأنه ليس عادلًا.»
ارتشف ألدريك من كأسه، ثم وضعه جانبًا.
«العالم ليس عادلًا؟ حقًا؟»
مال برأسه قليلًا، وكأن الفكرة نفسها أثارت فضوله.
«يبدو أنك عشت طويلًا في الظلال يا رجل. دعني أنير لك شيئًا.»
تنهد، ثم تابع:
«العالم عادل للجميع.»
توقف للحظة، قبل أن يضيف:
«إنه يمنح الجميع الفرص، لكنهم لا يستغلونها بالطريقة نفسها. والاختلاف الوحيد بينهم هو قراراتهم. أما الظلم الذي تعيشه، فليس سوى نتيجة لضعفك.»
حدق الرجل فيه غير مصدق.
ثم ضحك بصعوبة، ضحكة خرجت من صدره كأنها محاولة أخيرة لرفض ما يسمعه.
«بسبب ضعفي؟ هاهاها… بالتأكيد هذا ما يراه أمثالك.»
لم يغضب ألدريك.
بل بدا وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة تحديدًا.
قال:
«نحن نعيش في عالم يحكمه الأقوياء يا رجل. أخبرني، ماذا ستفعل إذا استيقظ رجل أقوى منك ذات يوم، وقرر أنه لن يسمح لأحد بأن يكون أعلى منه مكانة؟»
أجاب الرجل دون تردد:
«سأعترض بالطبع!»
قاطعه ألدريك:
«لا، لن تعترض.»
قالها بثقة جعلت الرجل يصمت.
ثم تابع الملك:
«دعني أخبرك بما سيحدث. لن تقف في وجهه، ولن تحاول حتى تغيير قراره. ستلعنه في سرك، وتتهم العالم بالظلم، ثم تعود إلى حياتك وأنت تقنع نفسك بأنك ضحية قدر لا تستطيع تغييره.»
توقف ألدريك قليلًا، ثم أشار بيده إلى النافذة المفتوحة.
«ستعيشون كما لو أن قرارات الأقوياء هي قرارات العالم نفسه، لأن حياتكم تقع بين أيديهم. ستقبلون بما يفرضونه عليكم، ثم تبحثون عن سبب يجعل عجزكم مقبولًا في أعينكم.»
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه.
«سيولد رجل قصير القامة، فيعيش سعيدًا لأنه لن يضطر إلى الانحناء تحت الأبواب المنخفضة، وسيشكر العالم على نعمة قصره. وفي المقابل، سيولد رجل طويل القامة، فيضطر إلى الانحناء طوال حياته، فيمقت العالم لأنه لم يمنحه ما أراد.»
أعاد نظره إلى الرجل الجاثي أمامه.
«سيشكر الأول العالم على ما يملكه، ويلومه الثاني على ما ينقصه. لكن هل تغير العالم حقًا؟ أم أن كليهما ينظر إليه من خلال حياته الخاصة؟»
لم يجد الرجل جوابًا.
تابع ألدريك:
«نحن نعيش في عالم يحكمه الأقوياء. إنهم يقررون ما الذي ينبغي أن يحدث، ثم يترك الضعفاء لأنفسهم مهمة التعايش مع قراراتهم.»
صمت للحظات.
«ومع ذلك، أخبرني… من الذي سيعترض على الملك؟»
لم يجب الرجل.
ابتسم ألدريك ابتسامة خالية من الفرح.
«لا أحد سيعترض عليه ما داموا عاجزين عن ذلك. وحدهم الأقوياء يستطيعون الوقوف في وجهه، لأنهم وحدهم يملكون القدرة على جعل اعتراضهم أكثر من مجرد صوت يضيع في الهواء.»
انخفض رأس الرجل ببطء.
لم يجد كلمة واحدة يقولها، ولم يستطع العثور على حجة تهدم كلام الملك.
كان ألدريك محقًا في شيء واحد على الأقل: القوة هي التي تحدد ما يمكن للمرء فعله، والضعف قد يحول أبسط الحقوق إلى أحلام بعيدة المنال.
لكن هل كان ذلك يعني أن العالم عادل؟
أم أن الملك أعاد تعريف العدالة بما يتناسب مع القوة التي يملكها؟
لم يعرف الرجل الإجابة.
ولم يمنحه ألدريك فرصة أخرى للسؤال.
نهض الملك، وعدّل ملابسه، ثم سار نحو الباب بخطوات هادئة. وقبل أن يغادر، التفت إلى الرجل الممدد على الأرض، وألقى نظرة أخيرة عليه.
ثم خاطب أحد الحراس الواقفَين عند المدخل:
«امنحوه دفنًا لائقًا.»
تردد الحارس، ونظر إلى الرجل المريض الذي لم يعد قادرًا حتى على رفع رأسه.
أضاف ألدريك بنبرة خالية من الانفعال:
«لا أريد أن أكون ملكًا ظالمًا، يرفض حتى أن يمنح رجلًا دفنًا عادلًا بعد موته.»
ثم غادر الغرفة.
وبقي الرجل وحيدًا، عاجزًا عن معرفة ما إذا كان قد التقى للتو بأكثر ملوك العالم عدلًا، أم بأكثرهم براعة في تبرير قوته.
—
استمرت حروب ألدريك.
سقطت الممالك واحدة تلو الأخرى، وانضمت مدن جديدة إلى إمبراطوريته، واتسعت حدودها حتى غدت تقترب من إحاطة العالم بأسره.
وازداد عدد الأبطال الذين حملوا رايته، حتى لم يعد السبعة الأوائل سوى بداية لجيش لا يكف عن النمو.
كان حلمه يقترب من الاكتمال.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، بدا أن العالم قد وجد الرجل القادر على إخضاعه.
—
أقيمت الاحتفالات في قصر ألدريك على نحو لم يشهده التاريخ من قبل.
اجتمع الملك وحاشيته والنبلاء وأصحاب الثروات، وامتلأت القاعة بأبطال جيشه الذين خاضوا معه حروبًا لا تُحصى. ارتفعت الكؤوس، وتعالت الضحكات، وانطلقت الموسيقى حتى اهتزت أرجاء القصر.
أُعدت الموائد بأفخر الأطعمة، وانهمر الشراب بلا انقطاع، وانشغل الحاضرون بالملذات وكأن العالم قد أصبح ملكًا لهم بالفعل.
لكن وسط ذلك الصخب كله، بقي شخصان بعيدين عن الاحتفال.
ألدريك نفسه، الجالس على عرشه، يراقب الجميع بصمت.
وأول أبطاله، الرجل الذي وقف إلى جانبه منذ بداية الطريق.
لم يبدُ على الملك أي أثر للفرح، رغم أن حلمه الذي قاتل من أجله سنوات طويلة بات على وشك أن يتحقق. أما رفيقه، فظل صامتًا، يحمل في ملامحه ثقلًا لم تستطع الاحتفالات أن تخففه.
استمرت الولائم ثلاثة أيام بلياليها، وامتدت المهرجانات إلى جميع أرجاء الإمبراطورية. خرج الناس إلى الشوارع، وتزينت المدن، واحتفل الصغار والكبار بالنصر الذي ظنوا أنه سيغير مصير البشرية إلى الأبد.
ساد الفرح في كل مكان.
في القرى والمدن، بين الفقراء والأثرياء، وفي قلوب أولئك الذين آمنوا بأن الحروب قد أوشكت على نهايتها.
الجميع احتفلوا.
إلا اثنين.
وكانت في ذلك مفارقة قاسية؛ فأهم رجلين في الإمبراطورية المجيدة كانا الوحيدين اللذين لم يجدا سببًا للاحتفال.
—
في الليلة الرابعة، اجتمع الرجلان في غرفة ذات إطلالة بهية، تسلل إليها ضوء القمر عبر النوافذ العالية.
لم تكن هناك موائد عامرة، ولا موسيقى، ولا حاشية تنتظر أوامر الملك.
فقط رجلان، وصمت بدا أطول من السنوات التي جمعتهما.
جلس ألدريك على مقعد قرب النافذة، بينما وقف رفيقه على مسافة قصيرة منه. لم يتبادلا النظرات، ولم يحاولا كسر الصمت.
كان كل منهما يعرف أن الآخر يحمل في صدره كلمات كثيرة، لكن أيًا منهما لم يجد ما يستحق أن يُقال.
مر الوقت ببطء.
ثم تكلم ألدريك أخيرًا:
«لقد بنيت هذه الإمبراطورية لإرضاء طموحي.»
ابتسم ابتسامة صغيرة، ونظر إلى المدن الممتدة تحت القمر.
«تحديت العالم بأسره. حاربت الملوك، وسحقت الجيوش، ووقفت في وجه كل ما حاول منعي… حتى النجوم عجزت عن ردعي.»
أدار رأسه نحو الرجل الواقف أمامه.
«ومع ذلك، فإن الفضل كله يعود إليك يا صديقي.»
لم يرد الرجل.
خفض رأسه قليلًا، ثم تمتم بكلمة واحدة:
«آسف.»
ظل ألدريك ينظر إليه للحظات.
ثم انفجر ضاحكًا.
لم تكن ضحكته تشبه ضحكات المنتصرين، بل بدت كأنها تحاول انتزاع شيء من أعماق صدره؛ شيئًا ظل حبيسًا هناك زمنًا طويلًا.
قال بين ضحكاته:
«لا داعي للاعتذار يا رجل!»
ثم توقف فجأة، وكأنه كاد ينطق باسم لم يعد ينبغي أن يُقال.
«دارو… إدوارد.»
تعثرت الكلمات على لسانه، فهز رأسه وضحك مرة أخرى.
«أحم… يا رجل، لم يكن عليك تغيير اسمك في النهاية.»
ساد الصمت للحظة.
ثم تابع ألدريك:
«لقد اصطدت الوحش، وأخمدت الغضب، وتجنبت الجنون، ومحوت الدمار، وتخطيت القدر، وتقبلت العذاب.»
كان صوته يتغير مع كل كلمة، كأنها لم تكن مجرد أفعال يسردها، بل محطات من رحلة يعرف وحده مقدار ما كلفته.
«إنه إنجاز لا مثيل له. لا أظن أن العالم سيشهد رجلًا آخر قادرًا على فعل ما فعلته.»
تلاشت ابتسامته تدريجيًا.
نظر إلى صديقه طويلًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
«ابتهج يا رجل. فقط لأنك فشلت في هزيمة النسيان، فهذا لا يعني أن كل شيء قد انتهى.»
لم يتحرك الرجل.
ولم ينطق بكلمة.
لكن ألدريك لم ينتظر منه جوابًا.
فجأة، انفجر ضاحكًا مرة أخرى، ضحكة هستيرية ترددت أصداؤها في الغرفة الخالية.
«أما أنا، فلا يمكنني العودة مرة أخرى.»
رفع رأسه نحو القمر.
«ومع ذلك، يكفيني أن أبقى ذكرى في داخلك يا صديقي.»
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ونظر إلى الرجل نظرة أخيرة.
«حظًا موفقًا في المرة القادمة.»
ابتسم.
كانت ابتسامة هادئة، خالية من الغرور الذي عرفه الناس عنه، ومن الكبرياء الذي جعل الملوك يرتجفون أمامه.
ابتسامة رجل لم يعد بحاجة إلى إثبات أي شيء للعالم.
ثم حدث ما لم تستطع الإمبراطورية الاستعداد له.
ظهر الضباب.
لم يأتِ من الجبال، ولم يتسلل من البحار، ولم تهب به رياح من أرض مجهولة. لقد ظهر ببساطة، كأن العالم نفسه قد بدأ يفقد ملامحه.
في البداية، غطى أطراف المدينة.
ثم ابتلع الشوارع والمباني، وامتد فوق السهول والجبال، متجاوزًا المسافات التي عجزت الجيوش عن عبورها.
لم يستطع الناس الهرب منه.
ولم تستطع الجدران إيقافه.
اختفت المدن التي احتفلت بالنصر قبل ساعات، وتلاشت الطرق التي ربطت أطراف الإمبراطورية، واندثرت القصور التي ظن ملوكها أنها ستصمد إلى الأبد.
لم يكن الضباب يبتلع الأجساد وحدها، بل كان يمحو كل ما يربطها بالعالم.
الأسماء.
الوجوه.
الذكريات.
والآثار التي تثبت أن شيئًا من ذلك قد وُجد يومًا.
حتى لم يبقَ أحد.
لم يبقَ أحد سوى الرجلين اللذين اجتمعا في الغرفة المطلة على القمر.
—
اعتدل ألدريك في جلسته، ثم نهض ببطء.
لم يعد الضباب خارج النافذة مجرد غلالة بعيدة؛ لقد أصبح قريبًا بما يكفي ليبتلع القصر في اللحظة التالية.
ومع ذلك، لم يحاول الملك الهرب.
تقدم نحو صديقه، ووقف أمامه، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
«لقد كنت صديقًا عظيمًا يا رجل.»
مد يده وربت على كتفه.
«وهذا وداعنا الأخير.»
لم يجب الرجل.
ربما لم يستطع.
وربما كانت هناك كلمات كثيرة في صدره، لكنه أدرك أخيرًا أن بعضها لا يمكن أن يُقال، مهما طال العمر.
اقترب الضباب.
اختفت النافذة، وتلاشت الجدران، وبدأت الغرفة تفقد حدودها.
وللمرة الأخيرة، وقف ألدريك أمام صديقه، ملكًا بلا إمبراطورية، ورجلًا بلا رعية، وإنسانًا لم يعد يملك من العالم سوى لحظة وداع.
ثم ابتلعهما ضباب النهاية والنسيان.
—
كانت تلك آخر ليلة ذُكرت فيها إمبراطورية ألدريك.
وآخر مرة ورد فيها اسم الملك العظيم في ذاكرة العالم.
في الصباح التالي، عاد العالم إلى هيئته الأولى، وكأن شيئًا لم يحدث.
لم تبقَ إمبراطورية واحدة، ولا اتحاد يوحد الممالك، ولا آثار لحروب غيرت مصير البشرية.
عادت الأراضي إلى انقسامها القديم، وظهرت الحدود التي محتها جيوش ألدريك، وعادت الممالك إلى التنازع فيما بينها.
لم يتذكر أحد الملك الذي كاد يوحد العالم تحت راية واحدة.
……
ملاحظة المؤلف: موضوع الفصول العشوائية أصبح متعبا لذلك سأضع حدود إذا كان الفصل لا يتجاوز 1500 كلمة سيكون فصلين إذا كان يتجاوز 1600 سيكون فصل واحد فقط و شكرا
لم يتذكر أحد الأبطال الذين قاتلوا إلى جانبه، ولا المدن التي احتفلت بانتصاره، ولا الملايين الذين عاشوا في ظل إمبراطوريته.
حتى القمر الذي شهد ليلته الأخيرة، مضى في رحلته الصامتة، غير عابئ بما اختفى تحت ضوئه.
وهكذا انتهى عصر ألدريك.
لم يسقط في معركة، ولم يُهزم على يد ملك آخر، ولم يقتله عدو طالما انتظر فرصة للانتقام.
لقد اختفى فحسب.
وكأن العالم لم يعرفه يومًا.