الفصل 361 - إرادة المعرفة
راني، ساحرة الحكمة
كانت راني ساحرة عاشت في أوج حضارة السحر، في عصر بلغت فيه المعرفة ذروتها، وامتلك البشر من الفهم ما سمح لهم بتجاوز حدود الطبيعة وتسخير قواها لإرضاء رغباتهم.
لم تكن تلك الحضارة مجرد مجموعة من الممالك التي تتنافس على الأراضي والثروات، بل كانت عالمًا قائمًا على السحر، تحكمه قوانين المانا، وتتشكل فيه الحياة وفقًا لما يستطيع البشر فهمه والسيطرة عليه.
كانت المانا جوهر العالم ومصدر الحياة فيه. تسري في الكائنات، وتنساب عبر الطبيعة، وتختبئ في أعماق الأرض، حتى بدا وكأن كل شيء في الوجود يحمل جزءًا منها.
وبفضل قرون من البحث والتجارب، تمكن السحرة من صياغة الترانيم؛ وهي أنماط سحرية تستخدم المانا للتأثير في قوانين العالم وتوجيه قواه.
لم تكن الترانيم مجرد كلمات تُتلى، بل كانت وسيلة لترجمة إرادة الساحر إلى تأثير ملموس في الواقع. فكل مقطع، وكل حركة، وكل اختلاف في تدفق المانا قد يغير النتيجة النهائية للسحر.
ومع ذلك، لم يكن جميع البشر متساوين أمام هذه المعرفة.
كان لكل شخص انجذاب فطري نحو السحر، انجذاب يحدد الطريقة التي يستطيع بها التفاعل مع المانا، ويمنحه قابلية خاصة لإتقان بعض أنواع الترانيم دون غيرها.
ومن هنا، نشأت الأقسام السحرية الكبرى.
قسم التعزيز، وقسم التحول، وقسم الطبيعة، وقسم النفس.
امتلك كل قسم قوانينه وترانيمه وطرقه الخاصة، واختلفت أساليب استخدامه باختلاف طبيعة الساحر وموهبته.
كان سحرة التعزيز يوجهون المانا لتحسين قدراتهم الجسدية أو رفع كفاءة ما يستخدمونه من قوى.
أما سحرة التحول، فكانوا يغيرون خصائص الأشياء وأشكالها وفقًا لما تسمح به معرفتهم.
وسحرة الطبيعة استطاعوا التأثير في القوى الطبيعية وتسخيرها، بينما امتد سحر النفس إلى أعماق الوعي والإدراك، حيث أمكن التأثير في العقول والتلاعب بما يراه الآخرون أو يشعرون به.
ورغم هذا التنوع، ظل هناك قانون يكاد يتفق عليه جميع السحرة:
كلما تعمق الساحر في قسمه، ازدادت قدرته على بلوغ آفاق لم يكن الآخرون قادرين حتى على تصورها.
لكن راني كانت استثناءً لهذا القانون.
لم تكن الساحرة الوحيدة التي امتلكت موهبة استثنائية فحسب، بل كانت الساحرة الوحيدة التي استطاعت التحكم في قسمين مختلفين من السحر؛ الطبيعة والتعزيز.
كان ذلك إنجازًا نادرًا إلى درجة أن مجرد احتمال حدوثه كان كافيًا لإثارة جدل واسع بين كبار السحرة.
ومع ذلك، لم تكن ندرة موهبتها هي ما جعلها مميزة حقًا.
فحتى بين السحرة الذين ينتمون إلى القسم نفسه، كان لكل واحد منهم سحر يبرع فيه أكثر من أقرانه، سحر تتوافق معه موهبته الفطرية إلى حد يسمح له ببلوغ نتائج يعجز الآخرون عن تحقيقها رغم امتلاكهم المعرفة ذاتها.
أما راني، فقد امتلكت ثلاثة أسحار من قسم الطبيعة.
النار.
والجليد.
والرياح.
ثلاث قوى بدت متناقضة في ظاهرها، لكنها اجتمعت تحت سيطرتها بطريقة لم يستطع أحد تفسيرها تفسيرًا كاملًا.
كانت قادرة على إطلاق النيران التي تحرق كل ما يعترض طريقها، وتشكيل الجليد الذي يجمد محيطها، وتسخير الرياح لتغيير مسار المعركة قبل أن يدرك خصمها ما حدث.
ومع ذلك، لم يكن سحر الطبيعة أعظم ما امتلكته.
ففي قسم التعزيز، برعت في سحر التسارع.
لم تكن راني تسرع جسدها فحسب، بل كانت قادرة على دفع حركتها إلى درجات جنونية، تتجاوز مستواها الحقيقي بكثير.
كانت المسافة التي يحتاج الآخرون إلى قطعها في عدة خطوات لا تتطلب منها سوى لحظة، وكانت الهجمات التي يصعب على السحرة المحترفين تفاديها تبدو أمامها بطيئة إلى حد يسمح لها بتغيير موضعها قبل وصولها.
لم يكن تسارعها مجرد وسيلة للقتال، بل كان طريقة تكسر بها الحدود التي يفرضها مستواها السحري.
ولهذا، حين صُنّف السحرة وفق مستوياتهم، لم يكن أحد ينظر إلى راني بوصفها ساحرة متحكمة عادية.
كان الجميع يرون فيها مستقبل حضارة بأكملها.
—
قسّم السحرة أنفسهم إلى خمسة مستويات رئيسية.
كان المستوى الأول، المتحسس، يمثل البوابة الفاصلة بين البشر العاديين وعالم السحر. ففيه يبدأ المرء باستشعار المانا وإدراك وجودها، ويفتح لنفسه الطريق نحو فهم القوى التي تحكم العالم.
أما المستوى الثاني، الساحر المبتدئ، فكان المرحلة التي يبدأ فيها المتعلم باستخدام المانا وتشكيل ترانيمه الأولى بصورة عملية.
ثم يأتي المستوى الثالث، الساحر المتحكم، حيث تصبح السيطرة على المانا أكثر دقة، ويبدأ الساحر في إظهار قدراته الحقيقية وتطوير أساليبه الخاصة.
وفوقه يأتي المستوى الرابع، الساحر المحترف، وهو المستوى الذي تتجاوز فيه المعرفة حدود الاستخدام المعتاد، ويصبح الساحر قادرًا على استغلال قدراته بكفاءة يصعب على من هم دونه مجاراتها.
أما المستوى الخامس، الساحر العظيم، فكان قمة الهرم السحري؛ مرتبة لا يبلغها إلا من امتلكوا معرفة وقوة استثنائيتين، وأصبحوا قادرين على تغيير موازين القوى بمجرد ظهورهم.
وكانت المستويات الثلاثة الأخيرة تنقسم بدورها إلى رتب متعددة، تميز بين درجات الإتقان داخل المستوى الواحد.
في ذلك العصر، كانت راني تقف عند قمة مستوى الساحر المتحكم.
ومع ذلك، لم يكن أحد ينظر إلى مكانتها الحالية بوصفها حدًا لقدراتها، بل باعتبارها بداية لما يمكن أن تصبح عليه.
لقد آمن كبار السحرة بأن تلك الفتاة ستقود حضارتهم يومًا إلى ما وراء حدود العالم المعروف.
إلى السماء.
إلى النجوم.
وربما إلى أماكن لم تطأها قدم بشر من قبل.
كانت الساحرة التي يُنتظر منها أن تقود حضارة السحر إلى قهر النجوم.
لكن حتى أعظم المواهب لا تنمو في الفراغ.
ولم يكن أحد قد أسهم في تشكيل راني أكثر من معلمتها.
الساحرة المبجلة العظيمة، فيليسيرا.
—
عاشت فيليسيرا لأكثر من خمسة قرون.
خمسة قرون من المعرفة والتجارب والحروب، جعلت منها واحدة من أكثر السحرة نفوذًا ورهبة في عصرها.
كانت متخصصة في قسم النفس، وقد بلغت من الإتقان درجة يُقال معها إنها استطاعت إخضاع جيوش كاملة لسحرها، بينما كانت تضحك بخفوت، وكأن ما تفعله ليس أكثر من تسلية عابرة.
لم يكن نفوذها نابعًا من قوتها السحرية وحدها.
كانت فيليسيرا امرأة تجمع بين الفتنة والجمال والشهوة والقوة، حتى إن مجرد النظر إليها كان كافيًا لإرباك عقول الكثيرين، رجالًا ونساءً على حد سواء.
امتلكت حضورًا يجعل الآخرين ينتبهون إليها دون وعي منهم، وكانت تعرف جيدًا كيف تستغل ذلك الحضور.
أما حين تقترن فتنتها بسحر النفس، فإن مقاومتها تصبح أكثر صعوبة، خصوصًا لأولئك الذين لا يدركون أين تنتهي جاذبيتها الطبيعية وأين يبدأ تأثير السحر.
ومع ذلك، كانت هناك فتاة لم تتأثر بها قط.
راني.
تلميذتها العبقرية، التي لم يكن جمال معلمتها ولا هيبتها ولا قوتها كافيًا لانتزاع أكثر من احترامها وتقديرها.
لكن المفارقة أن راني، التي استعصى قلبها على فيليسيرا، كانت قد وقعت في غرام رجل لم تستطع معلمتها نفسها إخضاعه.
إدوارد.
ساحر الحكمة العظيم، والرجل الوحيد الذي عجزت فيليسيرا عن قهر عقله أو إيقاعه في شباك جمالها.
لم يكن مجرد ساحر قوي، بل كان رجلًا يسعى إلى المعرفة بجدية بدت أحيانًا وكأنها تفصله عن العالم المحيط به.
لم تكن القوة غايته الوحيدة، ولم يكن الجمال قادرًا على صرفه عن أسئلته، ولم تكن الوعود بالسلطة والثروة كافية لتغيير طريقه.
كان يبحث عن شيء آخر.
شيء لم تستطع فيليسيرا فهمه بالكامل.
وربما كان ذلك تحديدًا ما جعلها تريده أكثر من أي شيء آخر.
ومن مرارة القدر أن كلًا من المعلمة وتلميذتها وقعتا في غرام الساحر الشاب.
لم تتوقف فيليسيرا عن محاولة إغوائه كلما سنحت لها الفرصة، ولم تتراجع راني عن التقرب منه كلما جمعها به لقاء.
لكن ما بدأ لدى فيليسيرا انجذابًا شديدًا تحول، بمرور الوقت، إلى هوس مريض.
كانت المرأة التي استطاعت إخضاع عقول الآخرين عاجزة عن السيطرة على عقلها.
والساحرة التي امتلكت القدرة على التلاعب بمشاعر الجيوش، لم تعد قادرة على التفكير في شيء سوى رجل واحد.
تدريجيًا، تقلص العالم في عينيها حتى لم يعد يتسع إلا له.
لم تعد ترى المعرفة غاية مستقلة، ولا القوة طريقًا يستحق السعي، ولا الحضارة مسؤولية تستحق الاهتمام.
أصبح إدوارد محور أفكارها، والغاية التي تدور حولها رغباتها، والفراغ الذي حاولت عبثًا ملأه بكل ما تملك.
لقد تحولت المرأة التي حكمت عقول الآخرين إلى ضحية عقلها.
—
بلغت حضارة السحر ذروتها.
لكن القمم، مهما بدت منيعة، لا تعني أن السقوط مستحيل.
بدأت الحضارة تنهار، وتصدعت أركان العالم الذي ظن سكانه أنهم امتلكوا مفاتيحه. وفي الوقت نفسه، اشتعلت سبع نجوم، وظهرت قوى هددت بابتلاع ما تبقى من ذلك العصر.
واجه إدوارد تلك الكارثة بنفسه.
قاتل النجوم السبعة، وتمكن من هزيمة ستة منها بمفرده.
ستة خصوم كان كل واحد منهم يمثل تهديدًا هائلًا، ومع ذلك سقطوا أمام الساحر الشاب، واحدًا تلو الآخر.
لكن حتى إدوارد، مهما بلغت حكمته وقوته، كانت له حدود.
لم يستطع إيقاف النجمة الأخيرة.
وفي تلك الليلة، زار قصر فيليسيرا.
لم يكن القصر كما عرفه الناس من قبل. فقد خفت بريقه، وسكنت أروقته، وغابت عنه مظاهر العظمة التي طالما أحاطت بصاحبته.
أما فيليسيرا، فقد كانت قد فقدت قدرًا كبيرًا من عقلها.
حين رأت إدوارد، لم تنتظر منه كلمة، ولم تمنحه فرصة للاقتراب أكثر.
اندفعت نحوه، وأحاطته بذراعيها بكل قوتها، متشبثة به كما لو أن العالم كله قد اجتمع في ذلك الرجل، وأن ابتعاده عنها سيعني اختفاء كل شيء.
كان وجهها يعكس سعادة ونشوة طاغيتين، لكن خلفهما اختبأ شيء أكثر إيلامًا؛ خوف عميق من فقدان الشيء الوحيد الذي بقي مهمًا بالنسبة إليها.
احتضنته بقوة، وراحت تحتك به، رافضة أن تتركه مهما حدث.
والغريب أن إدوارد لم يقاومها.
لم يدفعها بعيدًا، ولم يحاول تحرير نفسه من ذراعيها.
وقف ساكنًا، وعيناه تحملان ألمًا لم يكن من السهل تفسيره.
راقبتهما راني بصمت.
لم يكن المشهد غريبًا عليها تمامًا، لكنها لم ترَ إدوارد بهذه الهيئة من قبل. كان الرجل الذي عرفته دائمًا هادئًا، ثابتًا، لا يسمح للعاطفة بأن تحجب عنه طريق المعرفة.
أما الآن، فقد بدا وكأنه يحمل في داخله حزنًا أثقل من أن يستطيع إخفاءه.
اقتربت منهما قليلًا، ثم سألت بهدوء:
«أيها الساحر القدير، لماذا تعلو وجهك تعابير الألم؟»
لم يجبها إدوارد.
اكتفى بالنظر إليها.
كانت عيناه مظلمتين، لا تعكسان الغضب ولا اليأس، بل شيئًا أعمق من كليهما.
انتظرت راني قليلًا، ثم تابعت:
«أيها الساحر القدير، لطالما سعيت خلف المعرفة. وكانت معلمتي أعظم من شيّد صرحًا من القوة السحرية في قسم النفس، ومع ذلك فقد فقدت نفسها بك تمامًا.»
نظرت إلى فيليسيرا، التي كانت لا تزال متشبثة به.
«لذلك، لست بحاجة إلى كبت كل شيء في داخلك. يمكنك أن تتحدث.»
للحظة، بدا وكأن إدوارد لم يسمع كلماتها فحسب، بل تذكر شيئًا ظل غائبًا عنه زمنًا طويلًا.
تحركت شفتاه أخيرًا.
«يا ساحرة الحكمة، راني…»
صمت قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
«لقد مر وقت طويل حقًا. ليتني انتبهت إليك منذ وقت أبكر.»
شعرت راني بشيء يضطرب في صدرها.
كانت تلك الكلمات بسيطة، لكنها حملت في داخلها حنينًا لم تستطع تفسيره. وكأن إدوارد لم يكن يتحدث عن لقاء واحد، بل عن زمن طويل ضاع منه شيء لا يمكن استعادته.
ثم خفض رأسه قليلًا وقال:
«لقد فشلت مرة أخرى.»
توقفت أنفاس راني للحظة.
تابع إدوارد بصوت هادئ:
«سأعيد المحاولة. هذه نهاية هذه الحضارة.»
لم تصرخ راني، ولم تحاول إقناعه بأن هناك طريقًا آخر.
تجمعت الدموع في عينيها، وانحدرت على خديها بصمت غريب.
لم يكن بكاؤها صاخبًا، ولم يكن في ملامحها انهيار واضح. بدت كأنها كانت تنتظر سماع هذه الكلمات منذ زمن، وكأن جزءًا منها عرف الحقيقة قبل أن ينطق بها إدوارد.
قالت بصوت مرتجف:
«لقد انتظرتك طويلًا حقًا.»
ابتلعت غصتها، ثم تابعت:
«لقد وعدتني بأنك ستتجاوز النسيان.»
نظرت إليه، وحاولت أن تبتسم رغم الدموع.
«ومع ذلك، سأظل أنتظرك دائمًا.»
—
في تلك اللحظة، ظهر الضباب.
لم يتسلل إلى القصر تدريجيًا، بل اجتاح العالم دفعة واحدة، كأن الوجود نفسه قد انشق ليكشف عن فراغ لا نهاية له.
ابتلع المدن والجبال والسماء، ومضى دون أن يترك وراءه أثرًا.
لم يبقَ سوى ثلاثة أشخاص.
إدوارد، وراني، وفيليسيرا.
ولوهلة قصيرة، حدث شيء غريب.
تغيرت ملامح فيليسيرا.
تراخت ذراعاها، وخفتت النشوة التي كانت تملأ وجهها. بدا وكأن جزءًا من عقلها قد عاد إليها، ولو للحظات قليلة.
نظرت إلى إدوارد، ثم إلى راني.
لم تكن عيناها تحملان الجنون وحده هذه المرة، بل شيئًا يشبه الإدراك.
قالت بصوت خافت:
«ربما تلوم نفسك على ما حدث لي…»
توقفت قليلًا، ثم تابعت:
«لكن تذكر شيئًا واحدًا.»
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لم تشبه ابتساماتها المغوية المعتادة.
«مشاعري نحوك كانت صادقة بالكامل. لقد أحببتك بإرادتي، ولم تكن مشاعري نتيجة لسحرك أو لقوة امتلكتها عليّ.»
نظرت إليه طويلًا.
«حتى لو فقدت نفسي في النهاية، فإن ما شعرت به كان لي أنا.»
لم يجب إدوارد.
ربما لم يجد ما يقوله، وربما أدرك أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى إجابة، حتى عندما تتحول إلى مأساة.
تراجعت فيليسيرا ببطء.
كان الضباب يلتف حول جسدها، ويبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا.
لم تقاومه.
ولم تحاول العودة إلى إدوارد.
اكتفت بالنظر إليه للمرة الأخيرة، ثم اختفت داخله.
وبقي الاثنان وحدهما.
راني وإدوارد.
الساحرة العبقرية، وساحر الحكمة.
شخصان جمعتهما مشاعر لم يستطع الزمن إخمادها، في عالم لم يعد يملك ما يكفي من الوقت لمنحهما فرصة أخرى.
حدق كل منهما في الآخر طويلًا.
ثم استسلما.
—
بقي الساحر الشاب والساحرة العبقرية في ذلك المكان الصامت، بينما كان الضباب يحيط بهما من كل جانب، مهددًا بابتلاعهما في أي لحظة.
لم تعد هناك حضارة يمكن إنقاذها، ولا مدن تنتظر عودتهما، ولا مستقبل يستطيعان بناءه في ذلك العالم.
ومع ذلك، لم يكن الصمت بينهما ثقيلًا كما كان من قبل.
بعد وقت قصير، تكلم إدوارد بفضول هادئ:
«ألم تكوني تبحثين في سحر الزمن؟»
رفعت راني رأسها، ونظرت إليه باستغراب.
تابع:
«لديك إرادة في طلب المعرفة لا مثيل لها.»
تبدلت ملامحها قليلًا، وظهر على وجهها شيء من الاعتزاز.
أجابت بصوت لطيف:
«حسنًا، تمكنت من استحضار سحر الزمن، لكنني لم أستطع استخراج كامل إمكاناته.»
رفع إدوارد حاجبيه باهتمام.
«حقًا؟ ولماذا؟ هل يفوق ما تستطيعين إدراكه بكثير؟»
نفخت راني خديها في غضب لطيف، ثم تنهدت.
«ماذا تراني؟ مجرد طفلة حمقاء؟»
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وأدارت وجهها قليلًا.
«لا يوجد شخص يفهم الزمن بقدري! سبب عدم تمكني من استخراج كامل إمكاناته هو هذا الجسد…»
توقفت فجأة، ثم التفتت إليه بنظرة مستاءة.
«إلى متى ستستمر في مقاطعتي؟!»
لم تستطع منع نفسها من التنهد مجددًا قبل أن تشرح:
«أقصد أن الجسد البشري لا يستطيع تحمل سحر الزمن. مهما بلغت قدرتي على فهمه، فإن جسدي يفرض حدودًا لا يمكنني تجاوزها بسهولة.»
نظر إدوارد إليها باهتمام حقيقي.
لم يكن اهتمامه هذه المرة مجرد فضول عابر، بل بدا كأنه يحاول استيعاب ما تعنيه كلماتها، وما الذي يمكن أن يحدث لو استطاعت بالفعل تجاوز تلك الحدود.
أما راني، فقد خف غضبها تدريجيًا.
نظرت إلى الضباب المحيط بهما، ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة.
«حضارتنا بلغت قمتها بالفعل.»
قالتها وكأنها تتحدث عن حقيقة لا يمكن تغييرها، لكنها لم تكن تنظر إلى الماضي بحسرة.
«في الحضارة القادمة، سأكمل سحر الزمن. سأصل إلى نهايته، وأكتشف كل ما أخفاه عني.»
ثم التفتت إلى إدوارد، وارتسمت على وجهها ابتسامة أكثر دفئًا.
«وسنتجاوز النسيان معًا.»
لم يجبها إدوارد بالكلمات.
بل مد ذراعيه، وأحاطها بهما، ثم ضمها إليه.
استندت راني إلى صدره، وأغمضت عينيها.
وفي اللحظة التالية، ابتلع الضباب جسديهما بالكامل.
لم يبقَ في ذلك المكان الصامت شيء يدل على أن ساحرة عبقرية قد وقفت فيه يومًا، أو أن ساحرًا عظيمًا قد وعدها بلقاء آخر.
اختفى كل شيء.
لكن الوعد ظل معلقًا في الفراغ.
سنتجاوز النسيان معًا.
—
تذبذب وعي دارون داخل دوامة السديم التي لا ترحم.
لم يكن يعرف كم مضى من الوقت، ولا أين ينتهي الفراغ الذي يحيط به، ولا ما إذا كان ما رآه مجرد ذكرى أم أثرًا تركته إرادة شخص آخر في أعماق السديم.
كانت المشاهد تتلاشى من ذهنه، وتختلط الأصوات بعضها ببعض، حتى لم يعد قادرًا على التمييز بين ما عاشه بنفسه وما شاهده في ذلك العالم الغريب.
ومع ذلك، بقيت جملة واحدة واضحة في أعماقه.
«تجاوز النسيان.»
لم يعرف لماذا أثارت تلك الكلمات شيئًا في داخله.
لم يعرف من قالها أول مرة، ولا لمن وُجهت، ولا لماذا شعر بأن لها صلة به.
لكنه تمسك بها.
حاول استعادة وعيه، وجمع شتات أفكاره، ومقاومة الدوامة التي أخذت تسحبه إلى أعماق لا يستطيع إدراكها.
للحظة، شعر بأنه استعاد السيطرة.
قاوم.
حاول التشبث بشيء، أي شيء، يمنحه إحساسًا بأنه لا يزال موجودًا.
لكن السديم لم يستجب لإرادته.
تراجعت مقاومته، وانسحب وعيه مرة أخرى، بينما ابتلعته الدوامة في أعماقها.
وقبل أن يختفي كل شيء، بقيت الكلمات تتردد في ذهنه:
تجاوز النسيان.
ثم غرق دارون مجددًا في غياهب الإرادة البدائية.