الفصل 359 - مارتن
كان مارتن يقف في هذا الطابور منذ الفجر، وكل ما يملكه في جيبه قطعة نقدية واحدة، لا تكفي لشراء شيء، لكنه احتفظ بها لأنها آخر ما تبقى له من أيامه القديمة.
في منزله، كانت إيلينا مريضة.
أما لورا، فلم تأكل منذ يومين.
لقد وعدهما بأنه سيعود بالطعام.
ولهذا، لم يكن يستطيع المغادرة.
حتى لو اضطر إلى الوقوف حتى الفجر التالي.
عندما ارتفعت الشمس قليلاً فوق الأبنية، بدأ الناس يتململون.
كان الطابور يتحرك ببطء شديد، والبوابة السوداء لا تزال بعيدة. في مقدمته، وقف حراس يرتدون دروعاً حديدية، يحمل كل منهم رمحاً طويلاً. كانوا يفتشون الأشخاص واحداً تلو الآخر قبل السماح لهم بالدخول إلى مستودع التوزيع.
وفجأة، دوى صوت ارتطام.
التفت مارتن فرأى رجلاً يندفع من بين الواقفين، متجاوزاً الطابور، وهو يركض نحو البوابة.
«طفلي يحتضر! أرجوكم، أحتاج إلى بعض الطعام!»
اعترضه أحد الحراس وضربه بعقب رمحه.
سقط الرجل على ركبتيه، لكنه لم يتوقف عن التوسل.
«أرجوكم! لم يأكل منذ ثلاثة أيام!»
أمسكه الحارس من شعره، ورفع وجهه نحوه.
«عد إلى مكانك.»
«لن يعيش حتى يصل دوري!»
جاءه الرد بضربة أخرى تراجع الناس.
لم يتدخل أحد.
كان مارتن ينظر إلى الرجل الملقى على الأرض، وشعره يتناثر فوق الحجارة. رأى يديه تتشبثان بساق الحارس، ورأى الحذاء الحديدي يرتفع قبل أن يهبط على أصابعه.
انطلقت صرخة.
أغمض مارتن عينيه.
لم يكن جباناً، هكذا أخبر نفسه. لكنه لم يكن بطلاً أيضاً. كان لديه زوجة تنتظره، وابنة جائعة، ومنزلهما لا يحتوي على شيء سوى وعاء ماء وغطاء رقيق.
لو تدخل، فقد يموت.
وإذا مات، فمن سيطعم لورا؟
فتح عينيه مجدداً.
كان الرجل يُسحب بعيداً، تاركاً خلفه خطاً من الدم على الحجارة.
عاد الطابور إلى الحركة.
خطوة واحدة ثم خطوة أخرى.
تقدم مارتن، وشعر بشيء ثقيل يستقر في صدره.
لم يكن الخوف وحده.
كان هناك شيء آخر، شيء لم يرغب في تسميته.
لقد كره نفسه لأنه بقي واقفاً.
لكنه بقي واقفاً على أي حال.
عند الظهيرة، بدأ جسده يخونه.
كانت معدته تنقبض، وركبتاه ترتجفان كلما توقف عن الحركة. حاول الاستناد إلى الجدار القريب، لكن أحد الحراس صرخ في وجهه طالباً منه الابتعاد.
تابع الوقوف.
كان قد تجاوز منتصف الطابور، ولم يعد يفصله عن البوابة سوى عشرات الأشخاص.
عشرات الأشخاص فقط.
كرر العبارة في رأسه كأنها تعويذة.
عشرات الأشخاص.
كان يستطيع التحمل.
لقد تحمل أياماً أسوأ من هذا.
تذكر أول شتاء أمضاه مع إيلينا بعد زواجهما. كانا يعيشان في غرفة صغيرة فوق ورشة نجارة، وكان المطر يتسرب من السقف حتى اضطرا إلى وضع الأوعية تحت الثقوب. لم يكن لديهما ما يكفي لشراء الحطب، فكانا ينامان متلاصقين تحت غطاء واحد.
في إحدى الليالي، أخبرته إيلينا أنها تريد منزلاً له نافذة كبيرة.
ضحك يومها، وقال إنه سيصنع لها نافذة تجعل الشمس تدخل إلى كل غرفة.
وبعد سنوات، فعل ذلك.
لم يكن المنزل جميلاً، لكنه كان دافئاً.
كان دافئاً لأنهما بنياه معاً.
ضغط مارتن على قبضته.
لماذا يتذكر ذلك الآن؟
ربما لأن الجوع بدأ يمحو الأشياء الأخرى، ولم يترك له سوى ما يخشى فقدانه.
رفع رأسه.
لم يعد يرى البوابة بوضوح. كانت الشمس تؤلمه، والوجوه أمامه تتداخل في نظره.
ومع ذلك، عندما تحرك الرجل الذي أمامه، تحرك مارتن أيضاً.
خطوة واحدة.
ثم سقط.
ارتطمت ركبتاه بالحجارة، وانحنى جسده إلى الأمام. سمع أصواتاً حوله، لكن الكلمات بدت بعيدة، كأنها تصدر من خلف جدار سميك.
«أفسحوا الطريق!»
«هذا الرجل مريض.»
«أخرجوه من الطابور!»
شعر بيد تمسك كتفه وتحاول رفعه.
قاومها.
«لا…»
خرج صوته ضعيفاً، بالكاد يشبه صوته.
«دعوني…»
«أيها الأحمق، ستسقط ميتاً هنا!»
لم يستطع مارتن الرد. كان صدره يضيق، وكل نفس يحتاج إلى جهد يفوق ما تبقى لديه من قوة.
رأى الحارس يقترب.
«أخرجوه. لن نسمح لجثة بأن تعطل التوزيع.»
جثة.
كانت تلك الكلمة غريبة.
لقد كان حياً قبل لحظات، وكان لا يزال يسمعهم، ويشعر بالألم، ويتذكر وجه ابنته.
كيف أصبح جثة بهذه السرعة؟
مد يده نحو الأرض، وحاول دفع جسده إلى الأعلى.
فشل.
حاول مرة ثانية.
فشل مجدداً.
ضحك أحد الواقفين ضحكة قصيرة متوترة.
«اتركوه. لن يستطيع الوقوف.»
رفع مارتن رأسه ببطء.
نظر إلى البوابة.
كانت أقرب من أي وقت مضى.
لم يبق سوى بضعة أمتار.
بضعة أمتار تفصله عن الطعام، وعن العودة إلى منزله، وعن وعد قطعه لابنته.
لم يكن يفكر في العدالة، ولا في قسوة الحراس، ولا في الرجال الذين ماتوا خلفه.
لم يكن يريد إنقاذ المدينة.
لم يكن يريد تغيير العالم.
لقد أراد شيئاً واحداً فقط.
أن يعود إلى منزله.
أن يسمع صوت إيلينا وهي تناديه من المطبخ.
أن يرى لورا تركض نحوه، ثم تتوقف فجأة عندما ترى الطعام بين يديه.
أن يجلس على الكرسي الخشبي المكسور، ويشاهد زوجته تقسم الرغيف إلى ثلاثة أجزاء متساوية، كما اعتادت أن تفعل دائماً.
ثلاثة أجزاء.
لم تكن تأخذ حصة أكبر لنفسها قط.
أطبق مارتن أسنانه.
«لا أريد أن أموت.»
لم يسمعه أحد.
«لن أموت هنا.»
غرز أصابعه في شقوق الحجارة، ورفع جسده ببطء. كانت ذراعاه ترتجفان، وشعر بألم حاد يمتد من ركبتيه إلى ظهره.
لكن جسده ارتفع.
أولاً، استقام على ركبتيه.
ثم وضع قدمه على الأرض.
ثم وقف.
لم يصفق له أحد. لم يبدُ المشهد بطولياً، ولم تتوقف المدينة لتشهد عودته إلى الوقوف.
كان مجرد رجل جائع، يترنح فوق ساقين كادتا تعجزان عن حمله.
ومع ذلك، حين تحرك الطابور مجدداً، تحرك معه.
وصل مارتن إلى البوابة قبيل الغروب.
كان آخر الحراس يفتش الواقفين، فيما بدأ العمال ينقلون صناديق الطعام إلى الداخل. خلف البوابة، لمح مارتن أكياس الحبوب وأرغفة الخبز المكدسة فوق الطاولات.
رائحة الخبز.
كانت تلك الرائحة كافية لجعل معدته تنقبض بعنف.
تقدم خطوتين، ثم وقف أمام الحارس.
«اسمك؟»
«مارتن.»
«مهنتك؟»
«نجار.»
«هل لديك تصريح عمل؟»
حدق فيه مارتن دون فهم.
أعاد الحارس السؤال بملل.
«التصريح. لا يُسمح للعمال غير المسجلين بالحصول على حصص.»
أخرج مارتن القطعة النقدية من جيبه، ثم أعادها. لم تكن التصاريح تُشترى بهذه القطعة، وكان يعرف ذلك.
«أنا أعمل منذ عشرين عاماً في هذه المدينة. لدي منزل وزوجة وابنة. أحتاج إلى الطعام فحسب.»
لم يتغير وجه الحارس.
«التعليمات واضحة.»
«ابنتي لم تأكل منذ يومين.»
«التالي!»
لم يتحرك مارتن.
كان الحارس قد بدأ ينظر إلى الرجل الذي يقف خلفه، لكن مارتن بقي في مكانه.
«أرجوك.»
كانت الكلمة صغيرة، مكسورة، ومهينة على نحو لم يتوقعه.
لقد أمضى حياته يعمل بيديه، ويصلح ما يتلفه الآخرون. لم يطلب صدقة من أحد، ولم يمد يده في الشوارع. كان يعتقد أن الإنسان يستطيع الاحتفاظ بكرامته ما دام مستعداً للعمل.
والآن، كان يقف أمام رجل لا يعرفه، يتوسل إليه كي يسمح لابنته بأن تأكل.
«أستطيع إصلاح الأبواب والطاولات. أستطيع العمل مقابل الطعام. أعطني فرصة واحدة فقط.»
تنهد الحارس.
ثم أشار إلى الجانب.
«ابتعد.»
لم يتحرك مارتن.
لم يكن يعرف ما الذي حدث داخله في تلك اللحظة. لم تختفِ مخاوفه، ولم يستعد جسده قوته، ولم يصبح أكثر شجاعة مما كان عليه طوال حياته.
لكنه رأى شيئاً واضحاً.
إذا ابتعد الآن، فلن يحصل على الطعام.
وإذا لم يحصل على الطعام، فقد لا يجد إيلينا ولورا على قيد الحياة عندما يعود.
لم تكن هناك خيارات جيدة.
كان هناك خيار واحد يترك له فرصة ضئيلة.
لذلك، حين أمسك الحارس بكتفه ليدفعه بعيداً، تشبث مارتن بحافة البوابة.
«لن أذهب.»
تجمد الحارس لحظة، كأنه لم يصدق ما سمعه.
«ماذا قلت؟»
ارتجفت شفتا مارتن.
«قلت إنني لن أذهب.»
دفعه الحارس بعنف.
سقط على الأرض، لكن يده بقيت متشبثة بالحافة الحديدية.
ضربه الحارس بعقب رمحه على ظهره.
انفجر الألم في جسده، وارتخت أصابعه للحظة. كاد يترك البوابة، لكنه رأى في خياله وجه لورا وهي تسأله عن الطعام.
فعاد وتمسك بها.
ضربة ثانية ثم ثالثة.
لم يكن مارتن يقاتل.
لم يكن يعرف كيف يقاتل أصلاً.
كان يضم ذراعه إلى صدره ويحاول حماية رأسه، بينما يكرر كلمات متقطعة لا تكاد تُفهم.
«أحتاج إلى الطعام… أحتاج…»
توقف الحارس أخيراً، لا شفقةً به، بل لأن رجلاً يرتدي معطفاً داكناً خرج من المستودع.
كان المسؤول عن التوزيع.
نظر إلى مارتن الملقى على الأرض، ثم إلى الحارس.
«ما الذي يحدث هنا؟»
أجاب الحارس باقتضاب:
«رجل يرفض المغادرة.»
اقترب المسؤول، وتأمل الرجل للحظات.
«لماذا؟»
لم يجب مارتن فوراً.
كان فمه ممتلئاً بطعم الدم، وظهره يحترق من الألم. حاول رفع رأسه، فلم يستطع إلا قليلاً.
«لأن… لدي ابنة.»
ساد الصمت.
«إنها جائعة.»
نظر المسؤول إلى الطابور الممتد خلفه. كان هناك عشرات الأشخاص ينتظرون، وكل واحد منهم يملك سبباً يراه أهم من أسباب الآخرين.
قال ببرود:
«إذا سمحنا لك بالدخول، سيطالب الجميع بالشيء نفسه.»
أغمض مارتن عينيه.
كان يعرف أن الرجل محق، بطريقة ما.
لكن ذلك لم يغير شيئاً.
لم تكن ابنته أقل جوعاً لأن هناك أطفالاً آخرين يتضورون جوعاً. ولم يصبح ألمه أقل حقيقة لأن المدينة كلها تتألم.
فتح عينيه مرة أخرى.
«إذن لا تسمح للجميع بالدخول.»
رفع المسؤول حاجبه.
«ماذا؟»
«اسمح لي أنا فقط.»
لم يعرف مارتن من أين جاءت الكلمات. ربما كان عقله قد تعب من الخوف، فلم يعد قادراً على التفكير في أي شيء سوى الحل الذي يحتاج إليه.
في أعماقه بدأ شيء آخر يتفتح كان غاضبا من هذا الحال من هذه المدينة و من كل شخص فيها.
«سأعمل هنا. سأصلح كل ما يحتاج إلى إصلاح. سأبني لكم الأبواب والطاولات والصناديق. أعطني طعاماً يكفي عائلتي، وسأبقى أعمل حتى تسدد أجرتي.»
ظل المسؤول صامتاً.
ثم نظر إلى يدي مارتن.
يداه الخشنتان، أظافره المتشققة، والندوب الصغيرة التي تركتها الأدوات عبر سنوات طويلة.
«هل تستطيع إصلاح العربات؟»
رمش مارتن.
«نعم.»
«والأبواب؟»
«نعم.»
«وإذا لم تستطع؟»
لم يتردد هذه المرة.
«فسأحاول مهما كلفني الأمر.»
لم تكن إجابة ذكية، ولا وعداً يضمن شيئاً.
لكن المسؤول حدق فيه للحظات طويلة، قبل أن يلتفت إلى أحد العمال.
«أعطه حصة واحدة. وسجّل اسمه للعمل غداً.»
لم يصدق مارتن ما سمعه.
حصة واحدة.
كانت أقل مما يحتاج إليه، لكنها أكثر ما كان يريدها حقا ستأكل إبنته
زحف إلى الداخل، ثم حاول الوقوف. هذه المرة، لم يمنعه الحارس.
وعندما وضع العامل رغيفين من الخبز في كيس صغير ومده إليه، أمسكه مارتن بكلتا يديه.
لم يبكِ عندما ضُرب.
لم يبكِ عندما عجز عن الوقوف.
لكنه حين شم رائحة الخبز الدافئ، انهمرت الدموع من عينيه دون أن يستطيع إيقافها.
ضم الكيس إلى صدره، كأنه يحمل شيئاً أثمن من الذهب.
ثم نهض.
كان عليه أن يعود إلى المنزل قبل أن يحل الظلام.
لم يصل مارتن إلى منزله إلا بعد حلول الليل.
كان الطريق طويلاً، وجسده يزداد ضعفاً مع كل خطوة. لكنه لم يتوقف إلا عندما اضطر إلى الاستناد إلى جدار أو التقاط أنفاسه.
وحين فتح الباب أخيراً، وجد إيلينا مستلقية على الفراش، بينما جلست لورا إلى جوارها تضم ركبتيها إلى صدرها.
رفعت الفتاة رأسها.
«أبي؟»
ابتسم مارتن، رغم أن شفتيه كانتا ترتجفان.
«لقد عدت.»
ركضت لورا نحوه، ثم توقفت عندما رأت الدم على ملابسه.
«ماذا حدث لك؟»
جلس على ركبتيه أمامها، وأخرج رغيفاً من الكيس.
«لا شيء. لقد تعثرت فحسب.»
لم تصدقه، لكنه لم يسمح لها بالسؤال مجدداً. وضع الخبز بين يديها، ثم ناول الرغيف الآخر لإيلينا.
نظرت زوجته إليه طويلاً.
«كيف حصلت عليه؟»
جلس مارتن قرب الفراش، وأسند ظهره إلى الجدار.
«وجدت عملاً.»
لم يكن ذلك كذباً كاملاً.
في الصباح، كان عليه أن يعود إلى المستودع، وأن يصلح العربات والأبواب، وأن يعمل حتى لا يفقد حقه في الطعام.
لم يعرف إن كان سيستطيع تحمل ذلك.
لم يعرف إن كان سيعيش حتى الغد.
لكنه نظر إلى لورا وهي تأكل ببطء، وإلى إيلينا التي قسمت رغيفها إلى أجزاء صغيرة، ثم دفعت أحدها نحوه.
في اليوم التالي عاد للمستودع كان هناك عدد لا يستهان من الأدوات المحطمة في نهاية اليوم أتى نفس المسؤول و أشاد بعمله.
قبل غروب الشمس منح مارتن حصة طعام عاد بها إلى منزله كان سعيدا لأنه سيطعم عائلته لم يكن هناك شخص أكثر سعادتا منه
لكن السعادة لا تدوم في إحدى الأيام عندما عاد مارتن إلى منزله لم يستقبله الإبتسام و الحنان المعتاد أول ما إستقبله هو دموع إبنته و جثة زوجته التي ماتت من المرض.
في ذلك اليوم فقد مارتن التحكم في نفسه و قبل أن يدرك فعلته كانت جثة إبنته تتدلى بين يديه حينها صرخ مارتن صرختا هزت المدينة بأكملها.
كان مارتن القشة التي قسمت ظهر البعير حينها إبتلع الجنون كامل المدينة و ارتفعت صيحات الناس التي بدأت تتفاوت و تندفع ضد بعضها البعض
حدث كل شيء في ليلة واحدة فقط عندما حل الصباح كانت المدينة عبارة عن مقبرة واحدة من اللون الأحمر كان الغضب عدو البشر الأول