الفصل 358 - إرادة البقاء
نظر دارون مطولا إلى الثمرة في يده كانت كروية بحجم يناسب الفم و يمكن أكله بلقمة واحدة فقط الغريب أنها كانت تنبض بخفوت لدرجة أنها أعطت شعورا بأنها حية.
كان دارون يشعر بالخمول و التعب و الألم كان جسده خفيفا أيضا شعر بأنه أجوف من الداخل خاوي من أي شيء حتى أعضاءه الداخلية التي اشتكت من قلة الغداء خفتت و تقبلت الحالة
كانت عيونه نص مغمضة و حركاته أقل حيوية من السابق فقد الألم معناه في نظره.
رفع دارون يده و بحركة واحدة كان قد ابتلع الثمرة بأكملها
“لا أشعر بأي شيء حقا…”
إستجابتا لكلماته ارتفعت حرارته و ارتجف جسده بقوة تمسك بياقة ثوبه محاولا مقاومة هذا الشعور انقبضت معدته و تموجت أمعائه.
صاحت أوغستا في وجهه
“لا تقاوم أترك كل شيء يحدث…. ”
قبل أن تكمل أوغستا كلماتها كان نظر دارون بالفعل يتشوش و يتمايل حينها فقد دارون توازنه و ارتحت عضلاته و سقط أرضا.
…..
في البداية ظن دارون أنه عاد لظلمة الغرفة قبل أن يستوعب أن ما يحدث شيء خارج عن إدراكه كان أشبه بفراغ لا يحتوي على أي شيء و وعيه يسبح في ذلك الفراغ
ذكره هذا الفراع بنفس الحالة التي كان عليها عندما وجه عقله الفعال داخله و في نفس الوقت أخبره عقله أن هذا الشيء يفوق بكثير ما يمكنه تصوره.
تموج الفضاء الشاسع و ابتلعه وجود أكبر بكثير كان هناك شكل دوراني يلوح أمامه رغم بعده عنه إلا أنه كان قادرا على إداركه بالكامل
أول ما لاحظه هو حجمه الهائل الذي كاد يبتلع الفراغ بأكمله و هذا أيضا ثاني شيء لاحظه هذا الشكل لم يكن يتواجد في الفراغ بل العكس كان الفراغ مجرد مسار يقودنا إليه.
ثالث شيء لاحظه أو بصحيح العبارة تداركه هو أنه بمجرد أن رآه كان وعيه ينسحب إليه و بسرعة لا يمكن وصفها
كان الفراع شيء بلا مساحة و بلا زمن وبلا وجود و مع ذلك أمام ذلك الشكل إنكسر كل قانون يشكل العالم بدا و كأنه القانون الأعلى لا بل كان يبدو و كأنه لا قانون في العالم يطغى عليه.
عندما إقترب وعي دارون بما فيه الكفاية إتسع أمامه الشكل الحقيقي أو تفاصيل ذلك الشكل لم يكن كتلة واحدة بل عبارة عن خيوط لا نهائية من الإرادات الخام.
كان عددها لا حدود له و حجمها لا حدود له و كانت تتحرك بشكل دوراني منحها شكل دوامة تغرق في نقطة المركز
رغم أنه أشار لها بنقطة المركز إلا أن وعي يدرك أن ذلك الشيء كان لا محدود بالحجم إذا كانت النقطة بلا مسافاة لصغر حجمها فهذا عكسها تماما.
كان من الواضح للعيان لماذا إختاروا تسميته بالسديم
ارتجف وعي دارون عندما أدرك أنه على وشك دخول السديم لسبب ما كان يعلم أنه لن تكون تجربة سهلة أبدا
في لحظة واحد أو ما بدى لحظة واحدة إلتقى الإثنان دارون و السديم كتلتين بلا وجود يذكر وعي خام مع كتلة لا محدودة من الإرادات كان مصطلح الإلتقاء في غير مكانه ببساطة تداخلا في بعضهما.
…..
وقف رجل في منتصف العمر في طابور طويل من الناس.
كان الطابور يمتد حتى نهاية الشارع، ثم ينعطف عند زاوية مبنى حجري ضخم، ويختفي خلف بوابته السوداء. لم يكن الرجل يعرف عدد الواقفين أمامه، لكنه كان متأكداً من شيء واحد: إذا لم يصل إلى نهاية هذا الطابور قبل غروب الشمس، فسوف يموت.
لم يكن ذلك تهديداً مجازياً.
كان يعرف أنه سيموت حقاً.
رفع رأسه نحو السماء. كانت الشمس تميل إلى المغيب، وقد بدأت ظلال المباني تتمدد فوق الطريق المرصوف بالحجارة. في مكان ما خلفه، سمع طفلاً يبكي، ثم صوت امرأة تحاول تهدئته. وعلى مقربة منه، أخذ رجل مسن يسعل بعنف، بينما استمر الآخرون في التقدم ببطء، خطوة واحدة كل بضع دقائق.
مسح الرجل العرق عن جبينه.
كان اسمه مارتن.
في السادسة والأربعين من عمره، لم يكن رجلاً مميزاً بأي شكل من الأشكال. جسده نحيل، وظهره منحني قليلاً بفعل سنوات من العمل الشاق، ويداه خشنتان من كثرة ما حملتا من أدوات وأخشاب. كانت هناك ندبة صغيرة فوق حاجبه الأيسر، وشعر بدأ الشيب يغزو أطرافه.
لم يكن فارساً، ولا تاجراً ثرياً، ولا صاحب موهبة نادرة.
كان مجرد نجار.
نجار أمضى معظم حياته يصنع الأبواب والنوافذ للآخرين، حتى أصبح عاجزاً عن إصلاح الباب المكسور في منزله.
تحرك الطابور خطوة إلى الأمام.
تحرك مارتن معه.
ثم سمع صوتاً خلفه.
«سيدي… هل تعرف كم بقي؟»
التفت، فرأى فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها اثني عشر عاماً. كانت ترتدي ثوباً رمادياً ممزقاً عند أطرافه، وتضم إلى صدرها سلة فارغة. بدا وجهها شاحباً، وعيناها محاطتين بهالات سوداء.
هز رأسه.
«لا أعرف.»
«قالوا إنهم سيوزعون الطعام هنا.»
نظر إلى البوابة السوداء.
«إذن انتظري حتى نصل.»
خفضت الفتاة عينيها.
«أبي قال الشيء نفسه.»
لم يسألها عن أبيها. كان يعرف الإجابة مسبقاً من الطريقة التي نطقت بها كلماتها.
في هذه المدينة، لم يعد الموت يحتاج إلى مرض أو سيف. كان يكفي أن تفقد عملك، أو تتأخر في الحصول على الطعام، أو تمرض في يوم لا تستطيع فيه الوقوف.
قبل ثلاثة أشهر أعلن الملك الذي ابتلعه جنون الغضب الحرب على الممالك المحيطة ليس مملكة واحدة فقط بل ثلاثة في آن واحد.
لم يعترض عليه أحد فبعد كل شيء جميع الرؤوس الكبيرة في المملكة كانوا قد أصيبوا بجنون الغضب.
لم يقتصر جنون الغضب على النبلاء او البلاط الحاكم و القادة بل إمتد نحو الشعب.
طوال الأشهر الثلاثة الماضية كان الغضب يتفاشى في المملكة كطاعون يلتهم كل روح يراها.
كان مارتن أحد القلائل الذين قاوموا الغضب و آمنوا أنه ماداموا لا يغضبون سيكونون في منأى منه.
نظر مارتن نحو البوابة السوداء و تنهد بعمق كان الطريق لا يزال طويلا أمامه.