الفصل 357 - بداية الطريق
مرّ اليوم الأول، أو ربما الثالث.. لم يعد دارون قادراً على الجزم.
العتمة ابتلعت كل مقياس للزمن، ولم يبقَ له سوى الإيقاع الوحيد الذي يملكه: جفاف حلقه المتزايد، وصوت جرعات الماء التي كان يرتشفها من الإناء بحذر أشبه بالتقديس.
لكن الأسبوع الأول انقضى، وأخيراً.. وبلا سابق إنذار، اختفى الإناء.
مدّ يده إلى مكانه فلم يجد سوى برودة الحجر.
ابتسم دارون بمرارة.
«إذاً بدأ الأسبوع الثاني.»
الجسد يحتج
لم تكن الأيام الأولى بلا ماء قاسية كما توقع.. بل كانت أقسى بكثير.
تشقق شفتاه، وصار لسانه قطعة خشنة ثقيلة تلتصق بسقف فمه، وبدأ رأسه يخفق بنبض بطيء موجع كأن أحدهم يطرق جمجمته من الداخل. أما المعدة، فقد توقفت منذ زمن عن المطالبة، واستسلمت لفراغها بصمت يشبه الاحتضار.
تذكر قول أوغستا: «لتتخلى الروح عن كل ما يربطها بالعالم المادي».
أدرك الآن فقط ما كانت تعنيه.
فكلما ضعف الجسد، خفّ صخب الأفكار.. لم تعد الذكريات تهاجمه بأنياب حادة كما فعلت في الأيام الأولى، بل صارت تمر أمامه ببطء، شاحبة، كأنها تنتمي إلى رجل آخر.
إيفيلين. ألبرت. أرين وميراثيل.
وجوه تتلاشى دون أن تؤلمه كما كانت من قبل.
لكن.. شيئاً آخر بدأ يطفو.
الصوت الذي لا يخصه
في اللحظة التي ظن فيها أنه لن يجد شيئاً أبعد من هذا، سمع همساً.
لم يكن صوت أوغستا، ولا سيليكا.
كان صوتاً بلا ملامح، بلا جنس، بلا عمر.. يتردد في أعماقه كأنه صدى لسؤال طُرح منذ زمن بعيد:
• من تكون حين لا تتذكر شيئاً؟
• إن سُلبت منك ذاكرتك، وسُلبت منك أفعالك، وسُلب منك الاسم.. ماذا يبقى؟
• وإن كان كل ما تتمسك به مجرد ماضٍ لا تملكه أصلاً.. فبماذا تتمسك؟
ضغط دارون يده على صدره، وأنفاسه تتقطع.
لقد أمضى أيامه الأولى يحاكم ماضيه، ويقتص من خطاياه.. لكنه لم يسأل نفسه قط عن الماضي الذي لا يتذكره.
كم من خطيئة أخرى ارتكبها ولا يعلم بها؟
كم من شخص آذاه ولا يعرف وجهه؟
كم من بطل ظنه الناس.. وكم من وحش كان في الحقيقة؟
«لا أعرف..» همس بصوت جاف متشقق. «لا أعرف من أنا.»
ولأول مرة منذ استيقاظه، لم يشعر بالرعب من هذا الاعتراف.
بل شعر بشيء أقرب إلى.. الراحة.
المرساة
انهار الصمت من حوله، وتحولت العتمة إلى ما يشبه الماء الساكن.
عندها فقط، فهم.
المرساة لا تكون ما فقده.. ولا ما فعله.. ولا حتى ما يخشى أن يكونه.
تذكر كلمات أوغستا الأخيرة قبل أن يغلق الباب:
«الماضي ليس ما يحدد من أنت، بل يحددك ما ستكون عليه.»
وتذكر وجهاً ظل يحاول تجاهله طوال أيام العزلة.
سكارليت.
تلك التي بقيت إلى جانبه ثلاث سنوات كاملة، تقاتل مخاوفها وحدها بينما يندفع هو نحو كل كارثة. تلك التي لم يشكرها قط.
لم تكن سكارليت ماضيه.. كانت السبب الوحيد الذي جعله يريد أن يعود.
أن يعود ليقول كلمة شكراً.
أن يعود ليعتذر لأوغستا مرة أخرى بوجه مرفوع.
أن يعود ليكون شخصاً يستحق أن يُذكر.. حتى لو نسي كل شيء آخر.
رفع دارون رأسه في الظلام، وتحركت شفتاه المتشققتان بكلمات لم يخطط لها:
«تجاوز النسيان..»
لم تكن مجرد جملة هذه المرة.
كانت وعداً.
وما إن نطقها، حتى شعر بشيء عميق في داخله يستقر في مكانه، بثبات صخرة غُرست في قاع بحر عاصف.
اليوم الأخير
لم يعرف دارون كم مرّ من الوقت بعد ذلك.
كانت أطرافه قد فقدت إحساسها، وأنفاسه صارت خفيفة كأنها تخرج من جسد شخص آخر. لم يعد يشعر بالعطش ولا بالجوع، بل بنوع غريب من الصفاء.. خفة تشبه الطفو فوق سطح لا نهاية له.
ثم سمع صوت المزلاج.
انفتح الباب ببطء، وتسلل ضوء خافت اخترق العصابة حتى وصل إلى عينيه المغمضتين.
«انتهت المدة.»
كان الصوت صوت أوغستا، لكنه بدا بعيداً.. حذراً، مثقلاً بشيء لم يستطع تفسيره.
أحس بخطوات تقترب، ثم بيد باردة تضع شيئاً صغيراً في كفه.
شيئاً مستديراً، ناعماً، ينبض ببرودة غريبة كأنه حي.
«هذه هي الثمرة.» قالت أوغستا بصوت خفيض. «ما إن تأكلها حتى لا رجعة.»
أطبق دارون أصابعه حولها.
لم يكن خائفاً.
لكن في أعماقه، وللحظة قصيرة، لمح شيئاً يتحرك داخل الثمرة.. كأن لها نبضاً يوازي نبضه.
فتح فمه، وهمس:
«أنا مستعد.»