الفصل 356 - التردد
ظلال الماضي وهندسة الشك
لم تكن الكلمات التي نطقت بها شفتاه في الظلام مجرد اعتراف عابر، بل كانت طعنة أخيرة غرزها دارون بيديه في قلب أوهامه المتبقية.
«خطيئتي الأولى.. وأول جريمة لي.. كانت القتل.»
ترددت الجملة صدىً مرعباً بين أربعة جدران صامتة. تحولت الغرفة، في أجزاء من الثانية، إلى قفص اتهام ضيق يضيق بأنفاسه. بدأ الظلام يتخذ أشكالاً ملموسة؛ أطياف من الماضي لم تعد هادئة. وقفت إيفيلين هناك بعينيها اللتين تحملان توسلات الحياة، ووقف ألبرت ببروده المميت، وظهر رفاقه الذين سقطوا في دروب مسيرته المظلمة. لم يهرب دارون هذه المرة. لم يحاول إغلاق عينيه ليطرد صورهم، بل تركهم يحيطون به، يغمرونه برائحة الموت والدماء التي سحقت روحه طويلاً.
كلما توغل في إدانة نفسه، كلما شعر أن السلاسل التي تقيد روحه تتشدد أكثر فأكثر. لم يعد الأمر مجرد أفكار مزعجة، بل أصبح ثقلاً مادياً يجثم على صدره، يهدد بسحقه تماماً وتفتيت ما تبقى من كيانه.
في ذروة الاختناق، وحين بلغ الألم حدّاً تعجز الكلمات عن وصفه، حدث ما لم يكن في الحسبان.
توقف دارون عن المقاومة.
لماذا يصارع ظلاله؟ لماذا يحاول جاهداً أن يبرر لنفسه ما لا يُبرر؟ لقد ارتكب الجريمة، وأقر بالذنب، وخلع رداء البطل الطاهر الذي حاول ارتداءه طويلاً. في تلك اللحظة من الاستسلام المطلق، انكسر شيء عميق في داخله —غرور النفس، ووهم الكمال، والخوف الأبدي من مواجهة الحقيقة البشعة.
همس لنفسه بصوت متقطع، وقد هدّ الكروب جسده:
“أنا لست منقذاً.. لستُ قاضياً عادلاً.. أنا مجرد إنسان ملطخ بالدماء، غارق في رغباته وضعفه.”
فراغ الذاكرة وهندسة الشك
وما إن هدأت عاصفة الشعور بالذنب، حتى انزلق عقله إلى قاع آخر؛ غرق دارون حينها في نوع مختلف تماماً من الأفكار، أفكار حملت عنواناً واحداً: الماضي.
لكن أول ما اختبره لم يكن حدثاً، بل كان فراغاً هائلاً وموحشاً نتيجة فجوات الذاكرة التي تلتهم أجزاءً من هويته. ومن وسط ذلك السواد، انبثقت أول ذكرى واضحة: مروج واسعة مترامية الأطراف، وأول شخص وقعت عيناه عليه.. إيمي.
كانت هي مرشدته في هذا العالم الغريب، الإنسانة الأولى التي تبادل معها الكلمات، الشخص الذي خفف عنه وطأة الوحدة والفراغ القاتل في بداية رحلته.
لكن الأفكار في خلوته لم تكن ترحمه.. وبدأت الأسئلة تنهش عقله ببطء:
وجد دارون نفسه محتاراً، بل ومضطرباً. أفعال إيمي لم تكن طبيعية أبداً حين يعيد سردها بعين التحليل؛ لقد استقبته ببساطة، ساعدته بلا قيد، ولم تعترض على أي من خطواته.
لِمَ ساعدته هكذا؟
سرعة تقربها منه لم تكن عفوية، بل بدت وكأنها مرعبة، مصممة بدقة. أكان لديها نوايا أخرى خفية؟
حينها، برزت في رأسه تلك الفكرة الشائكة التي طالما حاول دفنها طوال الوقت، وهي ذاتها السبب الخفي الذي جعله لا يرغب قط في العودة إلى “فيرون” بعد انتهاء الساحة الأبدية.
رغم أن دارون لم يكن يميل إلى التفاخر، إلا أنه أقرّ بحقيقة واحدة: لا يوجد شخص يدرك الطبيعة البشرية ويحللها بدقة وعمق بقدر ما يفعل هو. لقد كان يؤمن تماماً أن “العقل الفعال” الذي يملكه هو أعظم قدرة تحليلية يمكن أن يحظى بها كائن.
كان يراقب الأنماط؛ فخيوط الإرادة البشرية لم تكن متشابهة أبداً، ومع ذلك، كان هناك نمط عام ومألوف يشمل البشر جميعاً—إرادة البشر كانت متغيرة، متنوعة، تعج بالتناقضات وتخضع للأهواء.
أما إيمي.. فكانت إرادتها النقيض التام.
كانت إرادة إيمي ثابتة بشكل مخيف، متخصصة، مركزة كشعاع ليزر، ولم تشهد أي تغير أو تذبذب طوال معرفته بها.
لذلك، كان دارون يحترمها ويقدرها أكثر من أي شخص آخر، ولكنه.. كان يخشاها أكثر من أي شخص آخر على وجه الأرض.
لقد راقب ردود أفعالها، ودقق في طريقتها الفريدة في التعامل مع مختلف المواقف، ورغم ذلك، ترك هذا كله شعوراً غريزياً واحدًا يتضخم في صدره: إنها ليست طبيعية.
ذلك الخوف الدفين من إيمي هو ما صاغ خطاه ودفعه دائماً للتهرب منها والابتعاد عن طريقها.
صحوة الحقيقة الباردة
مع تداعي هذه الذكريات وتحليلها، لم يعد الظلام حوله مجرد مكان للعزلة، بل تحول إلى غرفة تشريح كبرى؛ حيث يُشرح عقله وذكرياته ووعيه بلا رحمة.
لم يجد دارون النور المزعوم ولا الخلاص السحري الذي يبحث عنه الحالمون، بل وجد ما هو أثمن وأقسى: الوضوح.
فتململ في جلسته، وفتح عينيه ببطء. لم يعد يرى الغرفة المظلمة كعائق، بل بات يدرك كل ذرة غبار فيها، وكل نبضة تسري في عروسه. لقد تخلص من أوهام البطل، وتخلص من سذاجة الهروب.
الآن تبقى شيء واحد فقط عليه التهرب منه و هي قيود الماضي