الفصل 353 - الإختبار
جلست دارون و أغوستا مقابل بعضهما البعض أول خطوة لمواجهة السديم تتمثل في وجود مرسات ترسخ وجوده و هي أصعب ما يمكن لدارون إختباره و مع ذلك كان لديه إيمان مطلق بأن جملة ‘تجاوز النسيان’ ستكون المرسات الأفضل له.
قالت أوغستا و هي تشرح بوجه جامد
“الخطوة الثانية هي ما يطلق عليها بالزهد و هي ترك كل الشهوات و الملذات خلفك و الأمر أصعب بكثير مما تعتقد دارون حيث أن على الشخص دخول عزلة تمتد لأسبوعين بلا طعام ولا تواصل فقط تأمل…”
أجاب دارون في إعتراض تام
“هذا سخيف البقاء لمدة أسبوع بلا ماء كافية لتتسبب في قتلي و أنت تريدين مني البقاء لمدة أسبوعين”
تنهدت أوغستا
“يسمح لك بالشرب خلال الأسبوع الأول فقط و لكنك ستمنع منه خلال الأسبوع الثاني و لكن لا تقلق تم تحديد مدة أسبوعين كمدة مثالية لتتخلى الروح عن كل ما يربطها بالعالم المادي…”
إختار دارون البقاء صامتا كانت أوغستا متجلية كاملة و لابد أنها مرت بهذه المرحلة من قبل ليست هي فقط بل جميع الفضائل أيضا.
أومئ دارون برأسه و قال
“إذا متى سنبدأ العزلة؟”
“سيتم تحديد كل شيء خلال اليوم و ستبدأ غدا الليلة ستغسل نفسك و ترتدي ثوب أبيض من رأسك حتى قدميك و أيضا سترتدي عصابتا تخفي كامل وجهك”
أومئ دارون بالموافقة و لكن قبل أن يغير الموضوع قال بهدوء
“ماذا يحدث بعد المرحلة الثانية؟”
“حينها يبقى فتح باب الروح و هي عملية بسيطة هناك ثمرة تدعى السديم يكفي فقط أن تأكلها لتبدأ عملية السديم”
تنهد دارون بعمق بينما أوغستا نهضت من مكانها و إتجهت إلى النافذة و أغلقتها بهدوء في تلك اللحظة سأل دارون بفضول
“هل هناك شيء يجب علي معرفته حول عملية السديم”
أجابت أوغستا بتردد
“حسنا لا يمكنني إجابتك عن هذه فالعملية تختلف من شخص لآخر ولا تتشابه أبدا كل ما أستطيع إخبارك به إنها تنقسم لثلاثة مراحل و الأخطر في العملية بأكملها هو فقدان ذاتك حينها ستتحول إلى قوقعة”
التفت دارون إلى أوغستا
“ماذا يحدث عندما يتحول المرأ إلى قوقعة؟”
“هناك مساران مؤكدان أولا ستصبح جسدا بلا روح و قد إنقسم العالم لفكرين الفكر الأخلاقي الذي يطالب بحقه في الحياة رغم كونه مجرد جسد و الفكر العقلاني الرحيم الذي يقول أن الموت أهون عليه”
“ماذا عن المسار الثاني؟”
“المسار الثاني هو أخطره و أكثره مقتا حيث يتحول جسدك ليصبح مضيفا لكيان بدائي و قد أجمع العالم على قتله مباشرتا عندما تبدأ الأعراض بالظهور”
اتسعت أعين دارون
“لحظة لحظة ماذا تقصد بكيان بدائي و أعراض ظهور لماذا يجب قتله مباشرتا مع ظهور الأراض و ماهو هذا الكيان؟”
أجابت أوغستا بتردد
“لا أعلم نحن نشير إليهم بالكيان البدائي لأننا لا نعرف أصله و أيضا سبب قتله مباشرتا بعد ظهور الأعراض لأنه لو إكتمل تناسخه في جسد أحدهم فستكون كارثة بكل معنى الكلمة”
كان عقل دارون غارقا في الأفكار منذ استيقاظه و كلمات أوغستا جعلته أسوء بكثير مما كان
“ماذا تقصد بالكارثة أوغستا هل هو قوي؟”
رفع أوغستا يدها في وجه دارون كعلامة إيقاف
“أولا أنت تعلم المستوى الخامس التجسيد ينقسم لخمس رتب كامل و هم بالترتيب كالآتي البزوغ، الإمتداد، التشكيل، الهيمنة، التفرد”
صمتت أوغستا قليلا ثم أضافت
“أقوى رجل في الإمبراطورية حاليا كاستر بلغ التشكيل و هناك إثنان فقط غيره بلغ هذه الرتبة و في التاريخ بأكمله كل من المبجل أرين و الأبطال السبعة قبل خمسمئة عام بلغوا الهيمنة كأقصى حد لهم”
ترددت أوغستا قبل أن تضيف أخيرا
“تم تقدير هذا الكيان البدائي برتبة التفرد كأقل تقدير ممكن و بفضلهم كان هناك فرضيات هائلة تقول أن هناك مستويات أعلى من الخامس”
أشار لها دارون بالتوقف
“انتظري للحظة إذا تقولين أن هناك كيانات لا نعرفها تفوق حدودنا؟ و أيضا تمنيت لو حصلت على معلومة رتب التجسيد في سياق أفضل من هذا الموضوع”
تذكر دارون تلك النجوم السبعة في لمحات ذكرياته فأنفجر رأسه ألم مرتا أخرى ليبتلع أنينه رفع رأسه نحو أوغستا و قال
“حسنا التفكير في أشياء غير مهمة لن يوصلنا لشيء”
ضم دارون شفتيه و ضيق عينيه لاحظت أوغستا منظره و قالت
“لا داعي لأن تحمل نفسك مسؤولية ما حدث لي وقتها دارون لا أريدك أن تتألم لشيء سخيف كهذا”
“سخيف بجدية هل تسخرين مني كان من الممكن أن تموتي ماهو السخيف في موتك؟”
نظرت أوغستا إلى دارون بعيون متألمة كانت النظرة في عينيها غريبة لم يختبر دارون هذه النظرة قط كانت هناك عدة مشاعر إستطاع تفسيرها الشفقة الإهتمام تأنيب الضمير و ألم عميق و مع ذلك لم يستطع فهمها تماما لماذا تنظر إليه هكذا لقد حاول قتلها فلماذا تشفق عليه
ضاق صدر دارون مقابل تلك النظرات الحادة شعر و كأنه عاري تماما أمامها بدا ككتاب مفتوح بالكامل و هذا جعله أكثر غضبا.
استدارت أوغستا في صمت و غادرت الغرفة بهدوء تاركتا دارون في بحر من المشاعر المضطربة بمجرد خروج أوغستا سمع دارون خطواتها تبتعد بسرعة.
ضم دارون شفتيه عاجزا عن الكلام
“إنك حقا رجل لا يفهم النساء أبدا”
كان الصوت رقيقا مليئا بالحزم و الثبات و بطبيعة الحال صدر الصوت من المرأة التي دخلت للتو ذراع أوغستا اليمنى سيليكا.
رمقها دارون بنظرات جوفاء بلا أي معنى
“أوغستا تقدرك حقا و تهتم لأمرك كثيرا لولم يكن الحب ظاهرتا روحية لكنت متأكدتا من أنها وقعت في حبك بالكامل”
أجابها دارون بنبرة ساخرة
“إذا ماذا تريدين ما مقصدك من كل هذا؟”
صمتت سيليكا قليلا و أجابت بهدوء
“عندما تحب المرأة رجلا و تقدره للغاية تميل لتحمل ألامها و معاناتها في سبيل رضاه لذلك لا تنظر إلى أوغستا كمذنبة تماما”
“أنظر إليها كمذنبة؟ عن ماذا تتكلمين أنا المذنب هنا تماما ”
“ليس تماما قبل قليل رمقتها بنظرة غضب مشاعر الغضب التي كنت توجهها لذاتك أفرغتها على أوغستا المسكينة”
“ه-هذا… لم يحدث أبدا ”
قاطعته سيليكا قبل أن يكمل كلامه
“أنظر لنفسك يا فتى أنت مثير للشفقة أمثالك يدعون بلا شخصية”
صر دارون على أسنانه حتى شعر بصدغه يتمزق
“هل هذا ما تريدينه السخرية مني فقط؟”
التفتت سيليكا بهدوء و قبل أن تغادر قالت
“أحيانا يمكن كلمة آسف أن تحل أعقد النزاعات العاطفية فلا تنجدب نحو كبرياء زائف”
غادرت سيليكا الغرفة هي كذلك و هذه المرة لم يكن هناك أحد آخر ليقاطع أفكار دارون المتداخلة
هل أخطأ بحق أوغستا؟
لقد أراد منها أن تحمله مسؤولية ما حدث
أراد منها أن تذينه بذنبه و أن تمقته
و لكن أوغستا لم تفعل هذا
هذا جعله يمقت نفسه حقا
لقد آذى شخصا لم يملك حتى الجرأة على إيائه بالكلام
في قرارة نفسه كانت إذانته أهون من الإعتذار
لأنه و ببساطة لم يرغب في الإعتراف بخطأه
الإعتذار هو إعتراف بخطأه
كان هذا ضعفا منه…
كان هذا جبنا منه…
لطالما كان جبانا لهذا السبب كان دائما يقف أمام كل عدو أو كارثة لأنه مقت جبنه و كره ضعفه أراد إقناع نفسه دائما أنه ليس بجبان لهذا السبب دفع نفسه في وجه كل عدو.
قبض دارون على أصابعه حتى ابيضت مفاصله و قال بصوت مكسور
“لماذا… لماذالا أستطيع فعل شيء واحد بشكل صحيح؟”
انحنى إلى الأمام، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم أخفى وجهه بين كفيه.
لم يكن يخشى مواجهة كيان قادر على تدمير العالم، ولم يكن يخشى الموت في معركة لا يملك فيها أدنى فرصة للنجاة.
لكن الاعتذار…
كان الاعتذار أصعب مما تخيل.
رفع رأسه ببطء وحدق في الباب الذي غادرته أوغستا من خلاله، ثم أغمض عينيه وأطلق زفيرًا طويلًا.
“أنا آسف يا أوغستا.”
خرجت الكلمات خافتة، بالكاد تجاوزت شفتيه.
لم يكن هناك أحد يسمعه، ولم تكن أوغستا موجودة لتسمع اعتذاره، ومع ذلك شعر بثقل غريب يغادر صدره، وكأن اعترافه الصغير كان أول خطوة نحو شيء عجز عن فهمه طوال حياته.
نهض دارون من مكانه واتجه نحو الباب.
لم يكن يعرف ما الذي سيقوله لها، ولا كيف سيواجه نظراتها مرة أخرى، لكنه قرر أن يتوقف عن الهرب من أخطائه، ولو لمرة واحدة.