الفصل 352 - المرساة
ظل دارون جالسًا على طرف السرير بعد مغادرة أوغستا، محدقًا في كفيه بصمت.
لم يكن الألم هو ما يشغل تفكيره، رغم أن جسده كان يرسل موجات متتابعة من الوجع مع كل حركة صغيرة. ولم يكن احتمال الموت هو ما يقلقه، فقد واجه الموت مرات عديدة بما يكفي ليعتاد وجوده في نهاية كل طريق.
ظل دارون يفكر في شيء واحد فقط جملة واحدة لم تفارق وعيه أبدا ‘تجاوز النسيان’
ماذا كان يقصد بالنسيان حقا؟ أشك في أنه مجرد حالة نفسية و مع ذلك لا أستطيع الحكم على وضعي الحالي
أستطيع أن أقول بيقين أنني أستعيد ذكرياتي عدة مرات تلك الأحلام و حتى حالة التشابه التي أدركها علامة على ذكرياتي و لكن لسبب ما بمجرد إستعادة وعيي أنسى كل شيء.
هنا تكمن المشكلة فبخلاف الذكريات أنا لا أنسى أي شيء أبدا لدرجة أنني قادر على إعادة تصور كل ما مررت به بدقة مرعبة حتى الأحمق سيدرك أن هناك خطب غير طبيعي و بالتالي فهذا النسيان يقصد به الإشارة إلى ذات تتمتع بالسيادة الذاتية.
تنفس دارون ببطء، ثم أغمض عينيه للحظات.
«يبدو أنني لن أحصل على بعض الراحة قريبًا.»
أطلق تنهيدة خافتة، وأسند كفيه إلى جانبيه محاولًا النهوض مرة أخرى. لكن الألم الذي اجتاح جسده أجبره على التوقف قبل أن يرفع نفسه بالكامل.
ضغط على أسنانه.
كان يشعر بإرادته بوضوح، لكنه لم يستطع استخدامها كما اعتاد. بدا الأمر وكأن أوعيته التي اعتادت احتضانها قد تصدعت من الداخل، ولم تعد قادرة على تحمل تدفقها.
لم تكن إرادته ضعيفة بالضرورة.
بل كان جسده هو الذي لم يعد قادرًا على مواكبتها.
تذكر كلمات أوغستا.
إعادة تشكيل الذات.
المرحلة الثانية من التجلي، حيث يعاد تشكيل الجسد ليتجاوز الحدود الطبيعية للبشر.
لكن قبل ذلك، كان عليه اجتياز السديم.
وهنا تكمن المشكلة.
لم تكن عملية السديم مجرد تدريب، ولم تكن اختبارًا للقوة أو القدرة على التحمل. وفقًا لما شرحته أوغستا، كان على المرء أن يدخل بحرًا هائلًا من الإرادات البدائية الصافية، وأن يعثر وسطها على الطريق الذي يخصه وحده.
طريقه الخاص.
إرادته الحقيقية.
فكرة بدت بسيطة عندما سمعها للمرة الأولى، لكنها كلما فكر فيها أكثر، ازدادت غموضًا.
كيف يمكن للإنسان أن يعثر على إرادته وسط بحر لا نهائي من الإرادات؟
وكيف يمكنه التأكد من أن ما يجده يخصه فعلًا؟
ربما لم يكن الأمر متعلقًا بالعثور على إرادة مناسبة، بل برفض كل ما لا ينتمي إليه.
ومع ذلك، لم يكن لديه ما يكفي من المعلومات ليحكم.
فتح عينيه، وأدار رأسه نحو النافذة نصف المفتوحة.
كانت أصوات المدينة تصل إليه بوضوح، من وقع الأقدام في الشوارع إلى نداءات الباعة البعيدين، وحتى حفيف الأشجار التي تتحرك تحت النسيم.
بعد مرور بعض الوقت، طرق الباب طرقات خفيفة.
رفع دارون رأسه.
«ادخلي.»
انفتح الباب، وظهرت أوغستا وهي تحمل صينية صغيرة عليها بعض الطعام وكأس من الماء.
دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم وضعت الصينية على الطاولة القريبة.
«كنت أعلم أنك لن تنام.»
نظر إليها دارون باستغراب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تسحب كرسيًا وتجلس أمامه.
«أعرفك جيدًا بما يكفي لأدرك أنك ستقضي وقتك في التفكير في كل ما حدث بدلًا من الراحة.»
«وهل تعتقدين أن الطعام والراحة سيصلحان جسدي؟»
«لا، لكنهما قد يمنعانك من جعل حالتك أسوأ.»
لم يجادلها.
مد يده إلى كأس الماء، وشرب منه قليلًا. كانت حركة بسيطة، لكنها كشفت له مجددًا مقدار الضعف الذي أصاب جسده. حتى عضلات ذراعه كانت ترتجف عندما حاول تثبيت الكأس.
لاحظت أوغستا ذلك، لكنها لم تعلق.
انتظرت حتى أعاده إلى مكانه، ثم قالت:
«هل قررت دخول السديم؟»
تأمل دارون وجهها للحظة.
«هل يوجد خيار آخر؟»
«يوجد دائمًا خيار آخر. يمكنك البقاء في مستواك الحالي، لكن جسدك لن يتحمل الوضع طويلًا. الإرادة التي أطلقتها تجاوزت قدرته على الاحتمال، وما حدث ليس إصابة عادية يمكن علاجها ببعض الأدوية أو الراحة.»
قليلًا قبل أن تتابع:
«إذا لم تخضع لإعادة تشكيل الذات، فستستمر حالة جسدك في التدهور. وقد تصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على احتضان إرادتك حتى في صورتها الطبيعية.»
«إذًا، ليس أمامي سوى التقدم.»
«ليس بهذه البساطة يا دارون.»
تغيرت نبرة صوتها، واختفت الابتسامة عن وجهها.
«أنت تتحدث عن التجلي وكأنه مجرد مستوى أعلى من التحكم الشامل، لكن الأمر مختلف تمامًا. هناك أشخاص قضوا سنوات في الاستعداد للسديم، ومع ذلك لم يجرؤوا على دخوله. وهناك من دخلوه بثقة كاملة، ثم خرجوا منه وقد فقدوا القدرة على تمييز إرادتهم عن الإرادات التي أحاطت بهم.»
ضيق دارون عينيه.
«ماذا يحدث لهم؟»
أجابت أوغستا بعد لحظة من الصمت:
«يفقدون أنفسهم.»
لم يتكلم.
«السديم ليس بحرًا من القوة فحسب. إنه بحر من الإرادات البدائية الصافية، التي لم تتشكل بعد في صورة إرادة بشرية مكتملة. إرادات تحمل في داخلها نزعات متباينة، بعضها واضح وبسيط، وبعضها معقد إلى درجة يصعب على العقل البشري فهمها.»
رفعت يدها، وبدأت تعد على أصابعها.
«هناك إرادات تميل إلى الحماية، وأخرى إلى التدمير. إرادات تبحث عن الحرية، وأخرى لا تعرف سوى السيطرة. بعضها يتشبث بالحياة، وبعضها لا يرى في الموت سوى نهاية طبيعية. وهناك إرادات لا يمكننا وصفها بكلمات البشر أصلًا.»
أنزلت يدها، وثبتت عينيها على عينيه.
«كل واحدة منها تمثل طريقًا محتملًا. وكلما اقترب الإنسان من إحداها، حاولت التأثير في وعيه، وجذبه إلى اتجاهها.»
قال دارون:
«وهل تحاول هذه الإرادات الاستيلاء على وعيه؟»
«ليس بالمعنى الذي تتصوره. إنها لا تفكر مثل البشر، ولا تتآمر ضدك. لكنها تحمل طبيعتها الخاصة، وطبيعتها وحدها كافية لتغييرك إذا لم تكن إرادتك راسخة.»
توقفت للحظة، ثم أضافت:
«تخيل أنك دخلت عالمًا لا وجود فيه لأي شيء سوى إرادة لا تعرف إلا الغضب. ستشعر بأن كل شيء حولك يستحق الكراهية، وأن كل عقبة ينبغي تحطيمها. ومع مرور الوقت، قد تتوقف عن التساؤل عما إذا كان غضبك مبررًا أصلًا.»
«وإذا دخلت عالمًا تحكمه إرادة الخضوع؟»
«قد تبدأ بالتخلي عن قراراتك، ثم عن رغباتك، حتى تصبح فكرة الاختيار نفسها غريبة عنك.»
ساد الصمت بينهما.
نظر دارون إلى كفيه مرة أخرى.
كان يعرف كيف يبدو الأمر عندما يسيطر الغضب على الإنسان. لقد شعر به مرات كثيرة، وشاهد كيف يمكن لرغبة واحدة أن تبتلع كل ما عداها.
لكن فكرة أن يعيش داخل إرادة واحدة إلى أن تصبح جزءًا من ذاته، دون أن يدرك متى فقد السيطرة، كانت أكثر خطورة مما توقع.
«إذًا، لا يكفي أن أكون قويًا.»
هزت أوغستا رأسها.
«القوة تساعدك على تحمل ضغط السديم، لكنها لا تضمن لك الخروج منه سليمًا. ما تحتاج إليه هو أن تعرف من أنت، وما الذي تريده حقًا، وما الذي لن تتخلى عنه مهما حدث.»
ابتسم دارون ابتسامة باهتة.
«تطلبين مني معرفة نفسي، بينما لا أعرف حتى كل ما حدث لي.»
«لهذا السبب بالذات يجب أن تكون حذرًا.»
تأملته أوغستا بقلق.
قال دارون بحزم
«أريد أن أعرف كيف أستعد.»
بدت أوغستا مترددة.
«هل أنت متأكد؟»
«لا.»
أجابها بصدق، ثم أضاف:
«لكنني لا أملك رفاهية الانتظار حتى أصبح متأكدًا من كل شيء.»
تنهدت أوغستا، ونهضت من مكانها.
«حسنًا. سأخبرك بما أعرفه.»
لم تغادر أوغستا الغرفة هذه المرة.
بل سحبت الكرسي إلى جوار السرير، وجلست أمام دارون، ثم بدأت تشرح له الخطوات التي ينبغي عليه اتباعها قبل دخول السديم.
«أولا، عليك أن تحدد نقطة ارتكاز لوعيك. لا أقصد مكانًا ماديًا، بل شيئًا يمكنك العودة إليه كلما شعرت بأن السديم بدأ يسحبك بعيدًا عن نفسك.»
«مثل ماذا؟»
«ذكرى راسخة، أو مبدأ لا تتخلى عنه، أو قرار اتخذته بإرادتك الحرة. شيئًا تعرف أنه يخصك، ولا تحتاج إلى أن يخبرك أحد بأنه حقيقي.»
خفض دارون نظره.
ذكرى راسخة؟
كان ماضيه مليئًا بالفراغات. أما الذكريات التي امتلكها، فبعضها كان مؤلمًا إلى درجة أنه لم يرغب في استعادته.
ومع ذلك، كان هناك شيء واحد يستطيع التأكد منه.
شيء واحد مهما حاول نسيانه ظل يعود في كل مرة جملة واحدة.
«تجاوز النسيان»
إلتفت دارون إلى أوغستا و قال بهدوء
«أعتقد أنني جاهز من هذه الناحية»