الفصل 347 - تحت راية الأصل
لم يكن هناك ألم.
كانت تلك أول فكرة استطاع دارون الاحتفاظ بها وسط الفوضى التي اجتاحته. لم يشعر بألم جسدي، ولم يكن قادرًا حتى على تحديد ما إذا كان لا يزال يمتلك جسدًا من الأساس. كان وعيه يتفكك، لكن التفكك لم يشبه الموت الذي قد يتخيله المرء، بل كان أشبه بفقدان المعنى الذي يجعله قادرًا على القول إنه هو نفسه. ذكرياته، أفكاره، إحساسه بوجوده، كل ما اعتاد اعتباره جزءًا منه بدأ ينفصل عن الآخر، وكأن شيئًا ما يمحو الحدود التي تجمعها في كيان واحد.
حاول أن يتذكر اسمه.
دارون.
تعلّق بالاسم كما يتشبث غريق بقطعة خشب وسط بحر لا نهاية له. لم يكن يعرف لماذا اختار هذا الاسم تحديدًا، ولا إن كان يمثل حقيقة كاملة أم مجرد بقايا نجت من شيء أقدم بكثير، لكنه كان الشيء الوحيد الذي استطاع استعادته. ومع ذلك، لم يكن الاسم كافيًا ليعيد إليه إحساسه بذاته. لقد عرف أنه دارون، لكنه لم يعد متأكدًا مما يعنيه أن يكون دارون.
ثم انفتح الفراغ.
لم يتغير المشهد من حوله، إذ لم يكن هناك مشهد بالمعنى الذي يستطيع العقل البشري استيعابه. ما حدث كان أقرب إلى أن طبقة جديدة من الوجود انكشفت أمام وعيه، طبقة كانت موجودة طوال الوقت، لكنها ظلت محجوبة خلف شبكة الإرادة التي اندمج معها. وفي اللحظة التي أدرك فيها وجودها، وجد نفسه يسقط عبرها، لا إلى الأسفل، بل إلى أعماق لا تقاس بالمسافة.
ظهرت أمامه أرض واسعة.
كانت بيضاء إلى حد يصعب معه تمييز حدودها، تمتد حتى تلتقي بأفق لا يحمل أي لون سوى الشحوب. لم تكن هناك شمس أو سماء أو ظلال، ومع ذلك استطاع رؤية كل شيء بوضوح غريب. وقف في منتصف ذلك السهل، أو تخيل أنه يقف، إذ لم يستطع الشعور بقدميه على الأرض. وعلى مسافة بعيدة، ارتفعت بوابة سوداء شاهقة، نقشت على سطحها شبكة من الخطوط الدقيقة التي تشبه خيوط الإرادة.
لم تكن الخطوط ساكنة.
كانت تتحرك ببطء، تتفرع ثم تتشابك، وتختفي داخل سطح البوابة قبل أن تظهر في مواضع أخرى. وكلما حاول النظر إليها، شعر بأن شيئًا في أعماقه يتعرف عليها، لا باعتبارها شيئًا رآه من قبل، بل باعتبارها شيئًا كان ينبغي له ألا ينساه.
تقدم خطوة.
لم يعرف كيف تحرك، لكنه وجد المسافة بينه وبين البوابة تتقلص. ثم سمع صوتًا من خلفه.
«لقد تأخرت.»
تجمد دارون.
كان الصوت هادئًا، خاليًا من الغضب أو العتاب، لكن نبرته حملت ثقلًا جعله يشعر بأن الكلمات لم تكن موجهة إلى شخص تأخر عن موعد، بل إلى شخص ترك شيئًا مهمًا ينتظر طويلًا حتى فقد الانتظار معناه.
استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا.
«من أنت؟»
لم يجبه الصوت.
تبدلت الأرض البيضاء تحت قدميه، وظهرت شقوق سوداء امتدت نحو الأفق. لم تكن الشقوق عميقة، لكنها بدت وكأنها تفصل بين طبقات مختلفة من المكان. ومن داخلها، تسرب ضوء أرجواني خافت، أخذ يزداد سطوعًا حتى اختفت البوابة والسهل معًا.
وعندما عاد بصره إلى الوضوح، وجد نفسه في مدينة.
كانت المدينة هائلة، أبنيتها شاهقة ومتراصة، تتخللها أبراج لا تشبه أي شيء رآه في حياته الحالية. امتدت الشوارع بين المباني كعروق متشابكة، لكن لم يكن هناك أحد يتحرك فيها. كانت النوافذ مفتوحة، والأبواب مواربة، وبعض الأشياء مبعثرة على الأرصفة، وكأن السكان غادروا المكان على عجل ثم اختفوا من العالم كله.
فوقهم، غطت السماء الأرجوانية سحب سوداء تتحرك ببطء.
حاول دارون أن يتقدم، فسمع صوت خطوات في نهاية الشارع.
ظهر رجل يرتدي معطفًا داكنًا، وكان يسير ببطء بينما ينظر إلى شيء يحمله بين يديه. لم يستطع دارون رؤية وجهه بوضوح، فقد بدا مطموسًا كلما حاول التركيز عليه، لكن الرجل توقف فجأة ورفع رأسه.
«إدوارد نيلسون.»
تردد الاسم في المدينة الخالية.
لم يكن دارون هو من نطق به، ولم يكن الرجل يتحدث إليه على ما يبدو. ومع ذلك، شعر بشيء يتحرك في أعماقه عند سماع الاسم، شيء يشبه صدى ذكرى بعيدة حاولت العودة إلى السطح ثم تراجعت قبل أن يتمكن من الإمساك بها.
واصل الرجل حديثه، وكانت نبرته تحمل استعجالًا لم يستطع إخفاءه.
«الوقت ينفد. لقد وعدتهم أنك لن تسمح بحدوث ذلك مجددًا.»
خفض رأسه قليلًا، ثم نظر إلى الشيء الذي يحمله.
كان كتابًا أبيض.
لم يرَ دارون عنوانًا على غلافه، لكنه عرف، دون أن يفهم كيف، أن اسمًا واحدًا كُتب عليه.
إدوارد نيلسون.
حاول الاقتراب من الرجل، إلا أن المسافة بينهما أخذت تتسع. لم يتحرك الرجل إلى الخلف، ولم تتغير خطوات دارون، لكن الشارع نفسه امتد بينهما كأنه طريق لا يسمح بالوصول إلى نهايته.
«انتظر!»
لم يلتفت الرجل.
«من إدوارد نيلسون؟ ماذا حدث هنا؟»
للمرة الأولى، رفع الرجل رأسه بالكامل. ورغم أن ملامحه ظلت مطموسة، شعر دارون بأن نظرته استقرت عليه مباشرة.
ثم قال الرجل جملة واحدة:
«أنت تعرف الإجابة.»
اختفت المدينة.
وللمرة الثانية، وجد دارون نفسه في مكان مختلف تمامًا.
كانت حديقة واسعة تحيط بها أشجار طويلة، تتدلى من أغصانها أوراق بيضاء تشبه الثلج. في وسطها نافورة جافة، وعلى حافتها جلست فتاة ترتدي ثوبًا أبيض بسيطًا. كان شعرها طويلًا، ناصع البياض، ينسدل حتى أسفل ظهرها، بينما بدا جسدها أطول بكثير مما ينبغي لإنسان. لم يستطع دارون تحديد طولها بدقة، لكنه شعر بأنها تتجاوز البشر العاديين بفارق هائل.
لم يستطع رؤية وجهها.
كان هناك شيء يحجب ملامحها، لا كقناع أو ظل، بل كأن عقله نفسه يرفض الاحتفاظ بصورة واضحة لها.
رفعت الفتاة رأسها نحوه.
«أنت تغيرت.»
لم يعرف دارون ما الذي دفعه إلى الرد، لكنه سمع صوته يقول:
«هل أعرفك؟»
ساد الصمت قليلًا.
«أنت لم تتغير. لقد نسيت فقط.»
شعر دارون باضطراب في صدره. لم تكن الكلمات غريبة عليه تمامًا، بل بدت وكأنها قيلت له من قبل، في وقت لم يعد قادرًا على الوصول إليه. أراد أن يسألها عن اسمه، وعن المدينة، وعن الرجل الذي ذكر إدوارد نيلسون، لكنه لم يستطع ترتيب أسئلته. كان ثمة سؤال واحد يضغط على بقية الأسئلة، سؤال لم يعرف كيف يصوغه.
من كان قبل أن يستيقظ في ذلك السهل؟
وقفت الفتاة.
كانت أطول منه بكثير، ومع ذلك لم يشعر بأنها تنظر إليه من الأعلى. مدت يدها نحوه، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.
«هذا يعتمد على ما بقي منك.»
انقبض شيء في أعماقه.
«ما الذي بقي مني؟»
لم تجبه مباشرة. أدارت رأسها نحو السماء، وكأنها تسمع صوتًا لم يتمكن دارون من إدراكه.
«لا تسمح لهم بإيقاظه.»
ثم اختفت الحديقة.
لم يكن الاختفاء تدريجيًا. انطفأ كل شيء في لحظة واحدة، حتى الفتاة البيضاء، تاركة خلفها فراغًا صامتًا. لكن دارون لم يسقط هذه المرة، ولم يجد نفسه في مكان آخر فورًا. ظل معلقًا في ذلك السواد، وشعر بأن شيئًا ضخمًا يتحرك بعيدًا عنه.
شيء لم يكن ينبغي له أن يراه.
وعندها ظهرت النجوم.
سبع نقاط من الضوء، متباعدة في البداية، ثم أخذت تقترب من بعضها حتى تشكلت في دائرة واسعة. لم تكن أضواؤها متشابهة؛ كان لكل واحدة منها حضور مختلف، وطريقة مختلفة في التأثير على الفراغ المحيط بها. بعضها بدا ساكنًا إلى حد يوحي بأنه لا يتحرك أصلًا، وبعضها كان مضطربًا، يتغير شكله باستمرار، فيما أطلق أحدها ومضات حمراء بدت وكأنها تشق الظلام.
لم يستطع دارون تفسير ما يراه.
لكن الأسماء ظهرت في ذهنه قبل أن يسمعها.
النسيان. الوحش. القدر. الجنون. الغضب. الدمار. العذاب.
النجوم السبع.
لم تكن مجرد أسماء، ولم يشعر بأنها تسميات أطلقها شخص على مجموعة من الأشياء. كان لكل اسم ثقل خاص، كأنه يشير إلى حقيقة أقدم من اللغة نفسها. وعندما حاول دارون التركيز على النجمة الأولى، شعر بأن أفكاره تنزلق بعيدًا عنها. لم يستطع الاحتفاظ بصورة واضحة لها، ولم يستطع تذكر السبب الذي دفعه إلى النظر إليها أصلًا.
أما الثانية، فقد شعر بضغط هائل قادم منها، ضغط يشبه وجود شيء حي قادر على تمزيق كل ما يقترب منه.
الثالثة بدت مختلفة؛ لم تتقدم ولم تتراجع، ولم يتغير ضوؤها، لكن دارون شعر بأن كل حركة يقوم بها كانت تحدث ضمن حدود رسمتها تلك النجمة مسبقًا.
وعندما نظر إلى الرابعة، سمع ضحكة بعيدة.
لم تكن ضحكة بشرية، ولم تحمل فرحًا أو سخرية يمكن فهمهما. كانت أقرب إلى صوت صادر عن شيء اكتشف للتو أن العالم كله لا يختلف عن لعبة لا يعرف اللاعبون أنهم يشاركون فيها.
الخامسة اشتعلت باللون الأحمر، فارتجف الفراغ.
السادسة لم تشتعل ولم تضطرب، بل انطفأ كل شيء حولها للحظة، حتى بدا أن الضوء نفسه فقد قدرته على الوجود.
أما السابعة…
فلم يستطع دارون وصف ما شعر به عند النظر إليها.
لم يكن ألمًا، ولا خوفًا، ولا اضطرابًا. كان إحساسًا بأن شيئًا ما قد انتُزع منه، وأنه لا يعرف كيف يدرك حجم ما فقده، لأنه لم يعد يتذكر أنه امتلكه في المقام الأول.
النسيان.
حاول أن يبتعد عنها، لكنه اكتشف أنه لا يملك جسدًا يتحرك به. حاول صرف نظره، فلم يستطع. كان وعيه عالقًا أمام النجوم السبع، وكأن ظهوره في ذلك المكان لم يكن مصادفة، بل جزءًا من ترتيب لم يعد قادرًا على فهمه.
ثم سمع صوتًا.
لم يأتِ من إحدى النجوم، ولم يأتِ من مكان محدد. بدا وكأنه انبعث من الفراغ كله.
«تحت راية الأصل.»
تحركت النجوم.
لم يكن تحركها عشوائيًا؛ فقد اتخذت مسارات دقيقة، ثم أخذت تدور حول مركز لم يكن موجودًا قبل لحظات. تشكلت بينها خطوط ضوئية متشابكة، وامتدت تلك الخطوط إلى مسافات لم يستطع دارون تقديرها، حتى بدا أن النجوم السبع لم تكن سوى نقاط صغيرة في شبكة أوسع بكثير.
عاد الصوت، وهذه المرة كان أشد وضوحًا.
«تخطى القدر…»
تحركت النجمة الثالثة، وانشق المسار الذي يربطها ببقية النجوم، كأن شيئًا ما كسر القيد الذي كان يحدد اتجاهها.
«وأطفئ الغضب…»
خفت الضوء الأحمر، ثم انكمش حتى صار نقطة ضئيلة وسط الظلام.
«ومحى الدمار…»
اختفى الضوء السادس، تاركًا وراءه فراغًا بدا أكثر كثافة مما كان قبله.
«وتجنب الجنون…»
انحرفت النجمة الرابعة عن مسارها، وبدأت تتلاشى خلف طبقات من الظلال، بينما ظلت الضحكة البعيدة تتردد حتى بعد اختفاء مصدرها.
«واصطاد الوحش…»
انطفأت النجمة الثانية.
لم يصدر عن اختفائها أي صوت، لكن دارون شعر بارتجاج هائل يمر عبر الشبكة كلها. كانت الخيوط التي تصل بين النجوم تتقلص وتتمدد، وكأنها تستجيب لتغيرات لا يستطيع فهمها.
ثم ساد الصمت.
لم يبقَ سوى نجمين.
النسيان والعذاب.
كان الضوء الأخير يرتجف في مكانه، بينما بقي النسيان ساكنًا، لا يتغير ولا يتراجع. لم يشعر دارون بأن النجمة السابعة قد أصبحت أقوى من البقية، لكنه أدرك أن وجودها لم يكن يشبه وجود أي شيء آخر. لم تكن تحتاج إلى التحرك كي تفرض حضورها، ولم تكن بحاجة إلى إشعال ضوئها كي يلاحظها.
قال الصوت:
«وبقي النسيان.»
ثم انحنى الضوء الآخر، كما لو أن قوة لا تُرى قد أجبرته على التراجع.
«وتقبّل العذاب.»
لم يعرف دارون ما الذي يعنيه ذلك. لم يعرف من الذي تخطى القدر، أو أطفأ الغضب، أو محا الدمار. ولم يعرف إن كانت الكلمات تتحدث عن أشخاص، أم قوى، أم أحداث وقعت في زمن لم يعد موجودًا.
لكنه شعر أن كل جملة كانت تصف شيئًا حدث بالفعل، وأن النجوم التي اختفت لم تكن مجرد أضواء انطفأت، بل حقائق جرى تجاوزها أو القضاء عليها.
بقي النسيان.
وحده.
ثم جاء الصوت الأخير، هادئًا على نحو أثار في دارون خوفًا لم يستطع تفسيره.
«ولم يعد هناك من رادع عدا النسيان.»
في تلك اللحظة، شعر دارون بأن النجمة السابعة تنظر إليه.
لم يكن ذلك ممكنًا، فليس للنجوم عيون، ولا كان يملك دليلًا على أن الضوء الذي يراه يمتلك وعيًا. ومع ذلك، كان الإحساس واضحًا إلى حد لم يستطع إنكاره. لم تعد النجمة مجرد نقطة بعيدة في شبكة هائلة؛ لقد أصبحت شيئًا حاضرًا، شيئًا يعرف بوجوده، وربما يعرف عنه أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.
حاول دارون أن يتراجع.
هذه المرة، تحرك.
لكن الفراغ انقلب رأسًا على عقب.
تلاشت النجوم، وانفتحت خلفها مساحة شاسعة لم يرَ فيها سوى خيوط الإرادة. كانت الخيوط تمتد من كل اتجاه، تتشابك في أنماط أعقد من أي شيء استطاع العقل الفعّال إدراكه من قبل. بعض الخيوط كان يحمل آثارًا واضحة لوجودات مختلفة، وبعضها بدا خاليًا من أي علامة يمكن التعرف عليها، بينما اختفت خيوط أخرى في أعماق لا يمكن الوصول إليها.
وفي مركز تلك الشبكة، ظهر شخص يرتدي الأسود.
كان واقفًا وظهره إلى دارون، محاطًا بمئات الآلاف من الخيوط التي امتدت نحوه من مسافات لا نهائية. لم يكن الشخص يتحرك، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. كانت الشبكة كلها تبدو وكأنها تدور حوله، أو ربما كانت مجرد جزء صغير من شيء يتجاوزها.
لم يستطع دارون رؤية وجهه.
لكنه شعر، للمرة الأولى منذ بداية تلك الرؤى، بأنه لا ينظر إلى ذكرى.
كان ينظر إلى شيء حقيقي.
شيء موجود الآن، أو كان موجودًا في وقت ما، أو ربما لم يخضع للحدود التي تفصل بين الماضي والحاضر أصلًا.
ثم سمع صوت الفتاة البيضاء.
«لا يمكنك فعل ذلك مرة أخرى.»
لم يتحرك الشخص ذو الثياب السوداء.
«لقد وعدتنا.»
ارتجفت الخيوط المحيطة به، وامتد بعضها نحو الفراغ، بينما انكمش بعضها الآخر حتى اختفى.
«قلت إنك ستتذكر.»
لم يرد.
وبدأت الأصوات تتعالى من كل مكان، متداخلة ومضطربة، حتى لم يعد دارون قادرًا على تمييز مصدر أي منها.
«لقد نسي اسمه.»
«لقد نسي وعده.»
«لقد نسي لماذا بدأ كل شيء.»
شعر دارون بأن شيئًا ما ينهار داخله. لم يكن الانهيار صادرًا عن إرادته، ولم يكن قادرًا على إيقافه. كان كل صوت ينتزع منه جزءًا من قدرته على الفهم، وكل كلمة تجعل المسافة بينه وبين الشخص ذي الثياب السوداء أكبر، رغم أنه لم يتحرك من مكانه.
ثم اختفت الأصوات فجأة.
وبقيت الفتاة البيضاء وحدها.
كانت تقف أمام الشخص ذي الثياب السوداء، أصغر منه بكثير، لكنها لم تبدُ خائفة. رفعت رأسها إليه، وقالت بصوت لم يحمل هذه المرة عتابًا أو غضبًا، بل شيئًا أقرب إلى الحزن.
«لقد وعدتنا.»
لم يتحرك الشخص.
مدت يدها نحوه، ثم توقفت قبل أن تلمسه، تمامًا كما فعلت في الحديقة.
«تجاوز النسيان.»
انفجر الضوء.
لم تكن هناك ألوان يمكن وصفها، ولا صوت يشبه أي شيء عرفه دارون. شعر بأن الشبكة بأكملها تنطوي على نفسها، وأن كل خيط فيها يعود إلى نقطة واحدة، بينما تتفكك المسافات التي تفصل بين الوجودات والأزمنة والذكريات.
وللحظة واحدة، رأى شيئًا لم يستطع عقله الاحتفاظ به.
لم يرَ وجه الشخص ذي الثياب السوداء، لكنه شعر بأنه يعرفه.
لم يسمع اسمه، لكنه شعر بأنه كان يعرفه يومًا.
ولم يفهم الوعد الذي نسيه، لكنه شعر بثقله كما لو أنه قضى عمرًا كاملًا يحمله.
ثم عاد الفراغ.
لم تبقَ النجوم السبع، ولا المدينة الأرجوانية، ولا البوابة السوداء. اختفت الفتاة البيضاء، وتلاشت شبكة الإرادة الهائلة، ولم يبقَ سوى صوت بعيد يتردد في أعماق وعيه.
كان الصوت أهدأ من أن يكون تهديدًا، وأثقل من أن يكون مجرد كلمات.
«عبر حيوات لا تنتهي…»
بدأ دارون يشعر بوجود جسده مجددًا، لكن الإحساس كان بعيدًا، كأنه يحاول استعادة السيطرة على شيء لم يعد ملكه بالكامل.
«سيتجاوز النسيان…»
تراجعت المسافة بين وعيه والعالم الذي ينتمي إليه.
«ليبلغ رتبة السيادة.»
وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن تنغلق تلك المساحة الهائلة، رأى النجم السابع مرة أخرى.
لم يكن يضيء.
كان معتمًا تمامًا، ومع ذلك استطاع رؤيته بوضوح، كأن الظلام نفسه قد اتخذ شكل نجمة.
ثم انطفأ كل شيء.
فتح دارون عينيه.
كان جالسًا على الكرسي أمام مكتبه، ويده لا تزال قريبة من شعره الأسود، بينما انعكس ضوء الغروب على زجاج النافذة. بقيت المدينة المقدسة في مكانها، بأبراجها وشوارعها الممتدة، ولم يتغير شيء في الغرفة سوى أن الهواء بدا أثقل مما كان عليه قبل لحظات.
لم يستطع التحرك فورًا.
كان يتنفس، لكنه لم يشعر بأن التنفس يعيده إلى طبيعته. قلبه ينبض بإيقاع مضطرب، وصداع حاد أخذ يتجمع خلف عينيه، بينما بقيت آثار ما رآه عالقة في ذهنه على هيئة شظايا لا تتصل ببعضها.
سهل أبيض.
بوابة سوداء.
مدينة تحت سماء أرجوانية.
كتاب يحمل اسم إدوارد نيلسون.
فتاة ذات شعر أبيض.
النجوم السبع.
النسيان… الوحش… القدر… الجنون… الغضب… الدمار… العذاب.
أغمض عينيه بقوة، محاولًا ترتيب الصور قبل أن تتلاشى. لم يكن متأكدًا إن كانت تلك المشاهد ذكريات من ماضيه، أم رؤى أوجدها العقل الفعّال حين تعمق في إرادته، أم شيئًا آخر لم يمتلك حتى الآن المفاهيم اللازمة لفهمه.
لكن بعض الأشياء كانت مختلفة.
لم تكن كل المشاهد متساوية في وضوحها. فبينما اختفت تفاصيل المدينة والحديقة تدريجيًا، بقيت الكلمات الأخيرة ثابتة في ذهنه، كأنها نُقشت على شيء أعمق من الذاكرة العادية.
تحت راية الأصل.
ولم يعد هناك من رادع عدا النسيان.
عبر حيوات لا تنتهي سيتجاوز النسيان ليبلغ رتبة السيادة.
فتح عينيه مجددًا، ونظر إلى انعكاس وجهه في النافذة.
لم يرَ شيئًا غريبًا. عيناه السوداوان، شعره، ملامحه الشابة التي اعتادها منذ استيقاظه، كلها بقيت كما هي. ومع ذلك، شعر بأن النظر إلى صورته لم يعد كافيًا ليؤكد له أنه يعرف الشخص الذي يراه.
كان قد بدأ هذه المحاولة بحثًا عن نفسه.
أراد أن يفهم إرادته، أن يكتشف ما الذي يجعلها مختلفة عن إرادات الآخرين، وأن يضع حدًا لذلك الفراغ الذي تركه غياب ماضيه في حياته. لكنه وجد نفسه أمام شيء لا يشبه أي قدرة عرفها، ولا يشبه أي تفسير استطاع بناءه من خلال مراقبة العالم.
لم يكن الأمر مجرد شبكة ضخمة من خيوط الإرادة.
كان هناك شيء خلفها.
شيء يرتبط باسم لم يستطع تذكره، وسبعة أبطال أو نجوم، ووعد بدا أنه قطعه ثم نسيه، وحياة لم يعد يعرف إن كانت حياته الأولى أم مجرد واحدة من حيوات كثيرة.
رفع دارون يده إلى صدغه، وضغط عليه محاولًا تخفيف الألم.
«إدوارد نيلسون…»
خرج الاسم من فمه بصوت خافت.
لم يشعر بأنه تذكره، بل بأنه استعاد شيئًا كان ينتظره منذ وقت طويل. ومع ذلك، لم يكن الاسم كافيًا ليمنحه إجابة واحدة. لم يعرف من يكون إدوارد، ولا لماذا ظهر في رؤيته، ولا ما علاقته بالشخص الذي وقف وسط شبكة الإرادة.
أما عبارة «رتبة السيادة»، فقد بقيت أكثر ما أثار قلقه.
لم تكن مجرد وصف للقوة، أو مرتبة في نظام الإرادة الذي يعرفه. لقد ارتبطت في الرؤية بحيوات لا تنتهي، وبالنجوم السبع، وبالنسيان الذي بدا أنه بقي بعد تجاوز القوى الأخرى.
هل كان ذلك مستقبلًا؟
أم ماضيًا؟
أم احتمالًا لم يتحقق بعد؟
لم يكن يملك إجابة.
وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، لم يحاول إجبار نفسه على الوصول إليها.
استند إلى ظهر الكرسي، وأطلق زفيرًا بطيئًا، ثم نظر إلى الغروب الذي بدأ ضوؤه الذهبي يتلاشى خلف المباني.
قبل دقائق، كان يشعر بأن حياته فراغ لا يعرف كيف يملؤه. كان يبحث عن هدف يختاره بنفسه، وعن طريق لا تقرره الظروف نيابة عنه. أراد العودة إلى فيرون، وزيارة سكارليت، وربما البدء أخيرًا في البحث عن ماضيه.
لكن الآن، لم يعد الماضي مجرد سؤال ينتظر منه أن يجد بداية مناسبة.
لقد بدأ الماضي ينظر إليه أيضًا.
وكان أكثر ما أخافه أنه لم يشعر بأن تلك الرؤى كانت تحاول إخباره بما حدث فحسب.
بل بدت وكأنها تذكره بشيء لم يكن ينبغي له أن ينساه.
شيء وعد بأنه لن يسمح بحدوثه مجددًا.
شيء قد يكون مرتبطًا بالنجوم السبع، وبالاسم الذي لم يستطع استعادته، وبالسبب الذي جعله يستيقظ في عالم لا يتذكر عنه شيئًا.
أغمض دارون عينيه للحظة أخيرة.
هذه المرة، لم يحاول الغوص أعمق.
لم يكن مستعدًا لذلك، ولم يكن يعرف ما الذي قد يحدث إن عاد إلى تلك الشبكة قبل أن يفهم ما رآه. كان العقل الفعّال قادرًا على تفكيك ما يعجز الآخرون عن إدراكه، لكنه لم يعد يثق بأن الفهم وحده سيحميه من عواقب المعرفة.
وحين فتح عينيه، كان الغروب قد انتهى تقريبًا.
ظل دارون جالسًا في مكانه، بينما استقرت في ذهنه فكرة واحدة لم يستطع التخلص منها.
إذا كان النسيان هو آخر ما بقي… فما الذي حدث للأشياء الستة الأخرى؟
ولماذا شعر، رغم كل ما رآه، بأن النسيان لم يكن شيئًا ينبغي تجاوزه فحسب، بل ربما كان الشيء الوحيد الذي أبقاه حيًا حتى الآن؟