الفصل 346 - بداية الإنهيار
كان دارون يقف أمام نافذة غرفته واضعا يده على حافتها و هو يراقب الإمتداد الهائل للمدينة و من خلفهت الإمتداد الهائل للسماء التي تنتهي بنور ذهبي يعكس الغروب الجداب.
تنهد دارون بعمق و هو يراقب الغروب الجميل و لكنه لم يستطع أن يهدأ أخبرته أوغستا أنها تحب مشاهدة الغروب لتشعر بالراحة و الهدوء و لكن الأمر لم ينطبق عليه.
المشكلة ليس في كثرة العمل الذي تراكم عليه أو المسؤولية التي وضعت على كتفيه بل العكس تماما كان يعاني من فراغ هائل لدرجة أنه شعر بالإضطراب منه.
لطالما كان دارون مركز كل شيء لطالما وجد هدف يجبره على التحرك أو شخص يرغب في لقاءه أو حتى إضطراب يوجب تدخله لم يملك قط لحظات من الراحة في حياته على الأقل بعد إستيقاظه لذلك لم يسأل نفسه أبدا عن رغبته.
عندما ترك دارون في لحظات من الراحة و الفراغ أصبح لديه هواية الغرق في تفكير و التأمل لذلك إستطاع التوصل المعلومة مهمة و هي أنه منذ إستيقاظه لم يتخد قرارا واحدا نابعا من نفسه أة ذاته لطالما تم جره لكل شيء.
تم جره في البداية لصراع فيرون و سبارك و بعدها تم جره من قبل إيمي ليصبح مرتزق مبتدأ تم جره في مختلف المهمات التي لم يختر ولا واحدة منها تم جره لإبرام عقد من جنية دون حتى أن يعلم ماهي الجنيات تم جره لحرب العصابات و نول تم جره للساحة الأبدية كعبد و أخيرا تم جره للإمبراطورية لتوصيل وصية رجل عجوز و التي تدخلت فيها عدة مسارات أوسترين فيلمونت أوغستا و الآن أزمة الإمبراطورية.
لطالما أدرك دارون أن هدفه الأول و الأسمى من المجيء للإمبراطورية هو لقاء كاستر و أن باقي التدخلات كانت مجرد مسارات جانبية تخدم هدفه الأول.
يكن يهتم بمصير الإمبراطورية إلى الحد الذي يجعل إنقاذها غاية في ذاته. ولم يكن يكرهها بما يكفي ليتمنى سقوطها. أما الناس الذين يعيشون داخلها، فقد كان من الصعب عليه أن ينظر إليهم باعتبارهم كتلة واحدة تستحق الإنقاذ أو التضحية. كان لكل واحد منهم حياته الخاصة، ومصالحه، وأسبابه التي قد لا يفهمها أحد غيره.
وهو لم يكن مسؤولًا عنهم جميعًا.
كانت تلك حقيقة بسيطة، ومع ذلك شعر بأنه يحتاج إلى تذكير نفسه بها كلما وجد نفسه أمام مشكلة كبيرة بما يكفي لتجعله ينسى السؤال الأهم: لماذا ينبغي له أن يتدخل أصلًا؟
جلس على الكرسي أمام المكتب، وأسند ظهره إليه. مرر أصابعه بين شعره الأسود، ثم أغمض عينيه قليلًا.
لم يكن يبحث عن الراحة.
بل كان يحاول ترتيب أفكاره لقد حقق هدفه من الإمبراطورية بالفعل و الآن هو نفسه لم يعد يعلم خطوته القادمة.
تذكر فيرون و أصدقائه كانوا أول من قابلهم بل و حتى إعتبر فيرون موطنه و أصدقائه عائلته أراد لقائهم مر وقت طويل عليهم أكثر من ثلاث سنوات من الغياب
هل سيتعرفون عليه؟ هل سيفرحون بعودته؟ هل مازالوا يتذكرونه؟
و مع ذلك سمع أن الجبهة الغربية كانت في حرب من إتحاد الدول التابع لها فيرون لابط أنهم حاليا في موقف محرج أو أسوء ربما حتى لا يملكون الوقت لمقابلته
شعر دارون بضيق في صدره كان هذا أول قرار يتخده بنفسه بقرارته و ذاته المستقبلية العودة لمنزله سيكون طريق طويل و شاق ومع ذلك لم يختلف عن رغبته العميقة في العودة
تذكر أيضا سكارليت هي الآن تدير مدينة البخار بعد سقوط فيلمونت لقد مر عدة أسابيع بالفعل لابد أنها لا تحتاج لتدخل مباشر هل يمر عليها ليأخدها معه.
تذكر ذكرى حدثت خلال سنوات رحلتهم الثلاثة كانت سكارليت في أوج يأسها لفقدان أخيها لذلك حاول دارون التقرب منها كثيرا بالكلام تذكر يوما محددا عندما سألها دارون عن موطنها.
لازال يتذكر ظلمة وجهها مع السؤال و إجابتها المقتطبة بأنه إختفى منذ زمن بعيد بسبب مرض إنتشر فيها تذكر أيضا أنه وعدها بأخدها لموطنه عندما تنتهي رحتلهم لطالما كان دارون يفي بوعوده و خاصتا هذا الوعد بالذات فقد كان سببا في إبتسام سكارليت بعد جهد كبير في طمئنتها.
و مع ذلك لم يهدأ دارون رغم أفكاره حينها ذكر رغبتا لطالما حملها في داخله و هي إكتشاف ماضيه.
كانت هذه الرغبة فوق كل شيء و مع ذلك كان عاجزا عنها فبعد كل شيء لم يعرف حتى من أين يبدأ بالضبط مما جعل رغبته هذه مجرد فكرة سخيفة في بحر أفكاره.
كم مرة وجد نفسه أمام شيء لا يفهمه، فحاول تفكيكه إلى أجزاء، ودراسة كل جزء على حدة، حتى يتمكن من بناء صورة متماسكة لما يراه؟ لم تكن تلك عادة اكتسبها مؤخرًا. كانت أقرب إلى الطريقة التي يعمل بها عقله بصورة طبيعية، حتى إنه لم يعد يلاحظها إلا عندما تتجاوز الأمور حدود قدرته على التحليل.
وكان هناك اسم لهذه القدرة.
العقل الفعّال.
لم يكن الاسم هو ما يهمه. لم يكن يعرف من أين جاء هذا المفهوم في الأصل، ولا ما إذا كان الاسم الذي يطلقه عليه يعبر فعلًا عن طبيعته. لكنه كان يعرف ما يفعله، أو ظن أنه يعرفه. كان يمنحه قدرة على إدراك أشياء تتجاوز الملاحظة العادية، وربط معلومات لم يكن من الممكن أن تبدو مترابطة لولا أنه استطاع رؤية العلاقة بينها. وفي بعض الأحيان، كان الأمر يتجاوز الفهم إلى شيء أقرب إلى لمس البنية التي تقوم عليها الظواهر نفسها.
كانت الإرادة أبرز مثال على ذلك.
لم تكن الإرادة في نظره مجرد قوة يطلقها أصحاب القدرات، ولا مجرد وسيلة يستطيع المرء من خلالها تجاوز حدود جسده. كانت شيئًا يمكن الإحساس بتغيراته، وملاحظة اضطراباته، وأحيانًا إدراك ما يختبئ خلف مظاهرها. ومع تطور فهمه، بدأ يرى خيوطًا لم يكن قادرًا على ملاحظتها من قبل، خيوطًا تتصل بعضها ببعض، وتتغير وفق طبيعة الشخص الذي تنتمي إليه.
لم يكن يفهمها تمامًا، لكنه تعلم كيف يقرأ بعض آثارها.
وكان ذلك كافيًا في كثير من الأحيان.
كافيًا لفهم ما يحدث أمامه، أو لتوقع حركة، أو لإدراك أن شيئًا ما لا يسير على النحو الذي يبدو عليه. كافيًا ليعرف متى ينبغي له الحذر، ومتى يمكنه المخاطرة، ومتى يكون الشخص الذي يقف أمامه أخطر مما يوحي به مظهره.
ومع ذلك، كلما حاول أن يتذكر المرات التي استخدم فيها العقل الفعّال بوعي، وجد نفسه يعود إلى النتيجة نفسها.
كان ينظر إلى الآخرين
إرادة شخص آخر، قدرة شخص آخر، اضطراب شخص آخر، علاقة بين شخصين آخرين. حتى عندما حاول فهم طبيعة القوة التي يمتلكها، كان يفعل ذلك من خلال مقارنتها بما يراه خارج نفسه. كان يراقب، ويحلل، ويستنتج، ثم يبني فهمه على ما استطاع استخلاصه من العالم المحيط به.
لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الاعتراض. فكيف يمكن لشخص أن يفهم شيئًا لا يستطيع ملاحظته؟ كانت مراقبة الآخرين وسيلة منطقية لاكتساب المعرفة، وربما الوسيلة الوحيدة المتاحة له في البداية.
لكن لماذا لم يحاول تطبيق الطريقة نفسها على نفسه؟
توقفت أصابعه عن الحركة.
فعل دارون العقل الفعال بأقصى فعاليته و لكن هذه المرة وجهه إلى داخله إلى إرادته إلى ذاته تعمق كثيرا في إرادته و كان أول ما لاحظه إستقرارها المرعب حتى إرادة المتجلين كان فيها بعض التدبدب و مع ذلك إرادته كامت مستقرتا لدرجة تدعوا للرعب كانت أشبه بالمثالية.
و مع ذلك لم يتوقف بل غاص أكثر في إرادته و في تلك اللحظة إنفصل وعيه عن ذاته أصبح ذاته مستقلتا و وجد وعيه أمام فراغ هائل لا حدود لها كان الشعر أقرب للغرق في الفضاء عجز عقله عن تفسير الإمتداد اللامتناهي للفراغ و لكن قبل أن يدرك مكانه تفتح وعيه على وجود لا مثيل له شبكة معقدة من الإرادة خيوط متنوعة بعضها أكبر من الجبال و بعضها أصغر من الشعرة إمتدت لتشكلة شبكة هندسية متقنة الصنع إمتدت من نقطة واحدة و مع ذلك لم يكن هناك نهاية للشبكة العظيمة
أمام هول المنظر إرتجف وعي دارون و بدأ يتمزق خينها لاحظ خيطا واحدا ممتدا من تلك الشبكة و كان يتجه نحوه تماما حاول دارون الهروب و مع ذلك بقي عاجزا عن التحرك إتسع وعيه و تمدد مع كل لحظة إقترب فيها ذلك الخيط.
تقدم الخيط بوتيرة ثابتة ثابتة نحوه و كلما إقترب أكثر إزداد ارتعاش وعيه و امتداده حتى إلتقى الإثنان لم يكن إصطدام هائلا بل كان أقرب إلى إندماج جوهري عميق تمزق وعي دارون و ذاب في الفضاء الهائل و حينها وقعت الصدمة.