الفصل 345 - مفترق الطرق
وقف فولك في مكتبه الإحتياطي الذي جهزه في المدينة المقدسة كان مكتبا متواضعا يتناسب مع وضعه الحالي لأنه صمم لأسبوع فقط من الأساس و هذا مدة المفاوضات مع قصر العدالة.
سمح له عقد شراكة مع قصر العدالة إمكانية بلوغ مدن الجنوب و هو إمتياز هائل في حالته شمل امتداد سلطة فولك شرق الإمبراطورية و الوسط و الآن وضع يديه على الجنوب بمعنى آخر فقد بلغت إمبراطوريته التجارية نصف الإمبراطورية و لم يفصله الكثير ليبتلع كامل الإمبراطورية و الإنتشار في الخارج.
ردد فولك بعيون متعبة و هالات سوداء تحت عينيه
“الطموح الكبير يرافقه مسؤولية أكبر…”
تمكن فولك من إستغلال سقوط فيلمونت و مع ذلك تعرض أيضا لآثار سقوطه أكثر من أي شخص كانت السلطة الفاسدة كطاعون قد إنتشر بالفعل إلى مختلف المدن و الإدارات و الحكام
سقط أصل الفساد و رأسه و مع ذلك لم يستطيعو استئصال جسده بالكامل. كان فولك أمام خيارين بالفعل و هما التخلص من كل شخص كان له إرتباط بفيلمونت أو محاولة تصحيح فسادهم.
كلا الخيارين لهما مخاطرهما فإستئصالهم يعني خسارة موارد ثمينة لها سنوات في مجالها و تعرفه أكثر من غيرهم حتى إن كان هناك بعض المواهب التي ستساعد فإن إعدادهم سيستغرق وقتا و جهدا و الوقت كان المورد الأقل حاليا مع تزايد الأزمات
لعن فولك في سره و هو يذكر الخيار الثاني في تصحيحهم و مع ذلك لا يمكن للبشر نسيان ذواتهم بسهولة سيكون عملهم متقنا و ماهرا و لكن سيكونون جراثيم بل و الجراثيم السامة منها و التي لا يمكن علاجها سيحاولون البحث عن ثغرات و التهرب من المسؤوليات
جلس فولك على كرسيه كان قد مر بالفعل ستة أيام منذ وجوده في المدينة و المقدسة و تم الوصول لعقد نهائي غدا سيغادر و أيضا سيعني أنه سيختار خياره النهائي أي الخيارين سيقبل
في تلك الليلة خرج فولك من مكتبه يستنشق بعض الهواء و هو يتجول لم يكن مكتبه بعيدا عن القصر الذي يقيم فيه القديسة و باقي الفضائل و أيضا دارون لسبب ما إتجه فولك نحو ذلك القصر بالضبط نحو الساحة التي إلتقى فيها دارون بعد غياب.
بعد تحول بسيط سمع وقع أقدام تقترب منه بنصف إلتفاتة من فولك كانت كافية ليستبدل الوجه المتعب العبوس بإبتسامة متعبة و قال “هل كنت تتجول أيضا ”
رد دارون بإبتسامة أخرى “لا… لقد رأيتك من النافذة فقررت النزول إليك”
أطلق فولك ضحكة خافتة، ثم أعاد نظره إلى السماء المظلمة. كانت الساحة هادئة في تلك الساعة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تمر بين الأشجار المحيطة بالقصر. بدا المكان مختلفًا تمامًا عن الشوارع التي اجتازها فولك في طريقه إلى هنا؛ فلا أصوات التجار، ولا صراخ العمال، ولا وجوه الناس التي أنهكها القلق من ارتفاع الأسعار ونقص السلع. كان الهدوء مريحًا، لكنه لم يستطع منع أفكاره من العودة إلى ما ينتظره في اليوم التالي.
قال فولك بصوت أجش “أتعلم دارون أكثر ما أكرهه في التجارة؟”
مال دارون برأسه في حيرة “الخسارة؟ أم الفشل في صفقة تجارية؟”
ضحك فولك بسخرية و قال “نعم أكره هذه أيضا و لكن هذا ليس أكثر شيء أكرهه، أنا حقا حقا أكره النفاق الذي يتسم به التجار و مع ذلك فقد أجبرت على تقبله و التغاضي عنه أتعلم هذا”
قبل أن يتكلم دارون أكمل فولك بإستعجال “عندما تكون تاجرا فعليك بناء صورة و إسم يستحق فهما واجهة عملك و مع ذلك فستقابل مختلف المنافقين و بصفتك تاجرا فعليك مجاراتهم في نفاقهم القذر أنا إعتدت عليه و تقبلته حتى بدأت أرى نفسي جزءا منهم”
نضر فولك في عيني دارون لثانيتين و قال بصوت مرتجف “أحيانا أشعر أنني أكبر منافق يمكن مقابلته بين البشر”
أجاب دارون بصوت هادئ “هل تعتقد أن المنافق الحقيقي سيرى نفسه منافقا؟”
“المنافقون هم قذارة المجتمع حقا يبني تصورا زائفا بإعتباره الضحية الأكبر في جميع نزاعاته كلامه معسول لا يعرف حرف من الحقيقة لدرجة أصبح الكذب جزءا من ذاته إنه ليس شخصا سيهتم بمصلحة الجميع على حساب مصلحته”
ضحك فولك بقسوة و قال “ألا يشبهني هذا بنيت تصورا لكوني ضحية على رقعة فيلمونت و خدعتكم بكلام معسول لتسقطوه بدلا مني و أغرقتكم بالكذب حتى نلت ثقتكم و فوق كل هذا أكثر من حقق ربحا من سقوطه كان أنا الذي إستحوذت على مكانه”
تنهد دارون بعمق و قال “أنت محق…”
تجمد فولك في مكانه عند سماع كلمات دارون و لكن قبل أن يقول شيئا أكمل دارون بهدوء
“أنت كاذب بل و كاذب ماهر هل تخبرني أنك أكبر مستفيد و أنك خدعتنا لإسقاط فيلمونت حقا؟”
تقدم دارون عدة خطوات و أمسك فولك من ياقته بقوة و شده نحوه و قال بصوت يقطر غضبا “توقف عن الكذب على نفسك و كن صريحا، أكثر من عمل جاهدا لإسقاط فيلمونت كان أنت أول من بنى منصة الإنطلاق لحركة إسقاط فيلمونت كان أنت و أيضا الوحيد الذي أخد مكان فيلمونت لحماية المدن الضعيفة من الإنهيار من تبعات سقوط فيلمونت كان أنت…”
سخر دارون بغضب و أطلق ياقة فولك الذي لم يستطع إخفاء دهشته و قال “أنظر لنفسك أنت في أسوء حالاتك لا تستطيع حتى إدارة تبعات سقوط فيلمونت و لكنك قطعت كل الطريق للتفاوض مع أوغستا فقط لحماية الضعفاء في ظل الأزمة الحالية…”
نضر دارون إلى عيني فولك بنضرة تأثر عميقة و قال “هل تعتقد حقا أن هناك منافقا سيفعل كل هذا؟”
ضحك فولك بهستيرية و سقط أرضا و هو يضحك كالمجنون إستمرت نوبة ضحكه لدقيقتان بالكامل دون توقف حتى إمتزجت دموعه مع ضحكه فلم يعد يمكن التفريق بين البكاء و الضحك بالنسبة له
هفتت ضحكات فولك تدريجيا حتى توقف تماما إلتفت نحو دارون و قال بصوت منخفض”أنا حاليا أمام مفترق طريق حاد لدي خيارين إما إستئصال فساد فيلمونت بالكامل و سنقع في مشكلة صعوبة الإدارة أو نبقيه و نقع في مشكلة سوء إستغلال سلطة الإدارة”
أجاب دارون دون تفكير “إستئصله إذا..”
“أنت لا تعرف شيءا دارون لو إستئصلته فيعني هذا أن هناك أشخاصا جدد سيخلفونهم و سيكونون أقل خبرتا و أكثر عرضتا للأخطاء و إعدادهم يحتاج وقتا و جهدا و هو ما ينقصنا في ظل الأزمة الحالية”
أجاب دارون بهدوء “هذا لا يغير شيءا عليك التفكير في المستقبل فولك على الأقل بهؤلاء الأفراد الجدد ستمنع ولادة نظام آخر مثل فيلمونت ألم تقلها بنفسك أن الربح الدائم أفضل من الربح السريع”
اتسعت أعين فولك من كلمات دارون و قال بنبرة مليئة بالأمل “حسنا لقد خسرت هذه المرة حقا يبدو أنني أعرف خطوتي التالية شكرا لك”
“لا شكر على واجب ”
“بالمناسبة سأغادر غدا لذلك سيكون هذا لقائنا الأخير حتى أجل قادم…”
أجاب دارون بإندهاش “حقا! لا يمكنني الشكوى فأنت شخص كثير الإنشغال”
نظر فولك نحو دارون و بقي يتأمله لعدة ثواني لدرجة أزعجت دارون الذي قال متذمرا “هل تكره وجهي هكذا”
ابتسم فولك بعفوية و قال “لا فقط كنت أفكر في أنني لم أرى متحكمين شاملين بقدر ما رأيت بعد أن تعرفت عليك”
قال دارون بإستعجاب “هل المتحكمين الشاملين نادرون لهذه الدرجة”
أجاب فولك بنبرة ساخرة”حسنا هم نادرون نسبيا في العادة سترى واحدا أو إثنان في كل مدينة متوسطة أما المدن الصغيرة فستكون محظوظة لو وجدت واحدا فقط بينما المدن الكبيرة هي الإمتياز الوحيد”
بقي دارون ينظر نحو فولك بتعجب و قال “إذا لما أنت متعجب من الأمر”
أجاب فولك بعفوية “كل ما في الأمر أنك تبدو و كأنك تدفعوا الجميع للأمام دائما”
“أدفع الجميع للأمام؟..”
إبتسم فولك إبتسامتا دافئة و قال “هذا صحيح تبدو و كانك مبجل حقيقي…”
إعترض دارون مباشرتا “ما علاقة المبجل بهذا؟”
أجاب فولك و علامات الدهشة على وجهه “ألا تعلم لماذا الإمبراطورية تضم أكبر عدد من المجسدين في العالم؟”
قال دارون بتردد واضح”لا أعلم لماذا؟…”
انفرج فم فولك في دهشة حقيقية “أتمزح معي الكل يعلم هذا راجع للمبجل أرين، المبجلين وجدوا ليقودوا البشرية إلى الأمام و بالتالي يعني بلوغ أشخاص من حوله مستوى التجسيد…”
أجاب دارون بتلعثم “ح-حقا لم أكن أعلم بهذا”
ضحك فولك ساخرا من جهل دارون و قال “ماذا ألا تعرف أيضا عن الأبطال السبعة؟”
أجاب دارون بنفس التردد “أبطال سبعة؟”
هذه المرة كانت دهشة فولك مبالغا فيها حيث قال “بجدية سمعت أنك فقدت ذاكرتك و مع ذلك لهذا يتخطى محرد فقدان ذاكرة هذا أسوء”
رفع فولك قبضته و حرر إصبعا و قال “يقال أنه يولد مبجل كل فترة ليقود البشر إلى المجد و التقدم و يولد سبعة أبطال كل عصر ليكون ركيزة البشر في سعيهم”
أكمل فولك على إستعجال “على كل الأبطال السبعة كانوا المشاركين الأساسيين في الحرب العظيمة قبل خمسة قرون و هناك ماتوا جميعا”
“ماتوا جميعا …؟”
هز فولك رأسه و قال “لا أحد يعلم ما حدث في الحرب العظيمة و لكن بعدها لم يعد هناك أثر للأبطال و لم يولد بعد أبطال بعدهم و من المرجح أن لا يولدوا لوقت طويل”
تركت قصة الأبطال السبعة شعورا غريبا داخل دارون و لكنه إختار تجاهله بعد بعض الوقت عاد فولك إلى مكتبه بعد أن إشتد الظلام عليه بعد وداع قصير بينهما بينما بقي دارون في مكانه ؤتأمل السماء قبل أن يتوجه لغرفته