الفصل 344 - الفوضى
أقل ما يمكن وصفه في ما يحدث في القارة هو فوضى حقيقية لم يكتفي الوضع على الإمبراطورية فقط بل إمتد إلى كافة ربوع القارة بأكملها.
كان إتحاد الدول غرب الإمبراطورية و رغم التنظيم الذي حصل عليه الجيش بفضل يوليوس أسوء مما يمكن وصفه بعد كل شيء فهذه الحرب التي بدأت بسبب جشعهم بدأت تلتهمهم ببطء ربما لم يعرف الجنود و المقاتلين الذين بدأو يتمركزون في الجبهة عن الوضع الداخلي و لعل هذا أفضل لهم لأن صراعا لا يمكن التغاضي عنه بدأ يتشكل خلف الكواليس
الحرب لم تكن قتالا فقط بل لها عدت جوانب إجتماعية و إقتصادية لم يقتصر الأمر حول صعوبة تقاسم التمويل بين الحكام الأحد عشر بل إمتد إلى أنهم بدأو يتصارعون على تقسيم الغنائم قبل بداية الحرب حتى بعد كل شيء فهؤلاء الحكام لم يبدأو الحرب إلا لملء جيوبهم
من الناحية الإجتماعية فمقاطعات الحكام التي تقم على التماس مباشر مع الجبهة ستكون الأكثر تضررا في الحرب و رغم أنهم أسكتوهم بوعود شفهية بنصيب أعلى نسبيا إلا أن هذا لم يمنع الشعب من إضهار مقاومة للفكرة.
من ناحية أخرى شمال الإمبراطورية تقف قوتان متعاديتان كانتا مملكة الصقيع و البرابرة هذان الكتلتين إتحدتا و إستغلتا مؤخرا لإسقاط الجبهة الشمالية و توغلوا بشكل لا يمكن التغاضي عنه و مع ذلك هذا لم ينفي صراعهما في الماضي و الاكثر من هذا ظهر سبب جديد و السبب الأفضل لبروز صراع أكبر و هو تقاسم الغنائم ليبدأ فوضى أخرى
من ناحية الجنوب و رغم أن سيف الإمبراطورية وقف شامخا إلا أن القبائل الجنوبية التى تسعى للمجد و إحياء إمبراطوريتهم المنهارة بدأو في شن هجمات لا يمكن تحتها بل و حتى يمكن وصفها بالهجمات الإنتحارية.
في شرق الإمبراطورية حيث يتواجد إلتماس مع الجزر التجارية أو ما يوصف بإتحاد التجار كان نوع آخر من الفوضى تتشكل هناك و هو مع تزايد أزمات الإمبراطورية بدأت تفرض رسوما أعلى على تجار الإتحاد و الذين ضاق عليهم الوضع ليبدأوا في تمويل حركات قتالية و التي إستخدمت الكر و الفر على سفن الإمبراطورية.
سقوط فيلمونت لم يزد الوضع إلا سوءا كانت سلطته هائلة و كان الممول الأساسي للجبهات الأربعة و بلغ تمويله عشرين بالمئة و مع سقوطه أجبر الإمبراطورية للبحث عن بدائل أكثر تطرفا و بدأت تفرض رسوما أكبر على حكام المدن و بالتالي فرض ضرائب أكبر على الشعوب و التجارة
يمكن وصف حالة الإقتصادية للإمبراطورية الحالية بالتضخم و سرعان ما سيتحول لكساد و هذا وضع قوتان متواضعتان كقصر العدالة و إتحاد التجارة الخاص بفولك في خطر الزوال في أحسن الأحوال.
لم تكن الإمبراطورية غافلة عن هذا التدهور، لكن معرفة الخطر لم تكن تعني امتلاك القدرة على إيقافه. فقد أصبحت كل خطوة تتخذها القيادة محاولة للموازنة بين جبهات تحتاج إلى الرجال والمال، ومدن تحتاج إلى الحماية، وحكام يخشون خسارة ما يملكون أكثر مما يخشون خسارة الحرب نفسها.
وفي قلب هذا الوضع، بدأ قصر العدالة يواجه مشكلة لم يكن قادرًا على حلها بالقوة وحدها. فكلما ارتفعت الضرائب، ازداد عدد العائلات التي فقدت قدرتها على إعالة نفسها، وازدادت المناطق التي تحتاج إلى تدخل أوغستا ورجالها. لم تعد المسألة مقتصرة على حماية المدنيين المتضررين من انهيار الجبهة الشمالية، بل امتدت إلى مدن كاملة بدأت تعاني نقصًا في الغذاء وارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية. أما الأموال التي تصل إلى القصر، فلم تعد تكفي لتغطية جميع الاحتياجات مهما حاولوا تقليل النفقات.
كان الاتفاق الذي عقدته أوغستا مع فولك يمنحها منفذًا مهمًا للحصول على التمويل والإمدادات، لكنه لم يكن حلًا دائمًا. فإتحاد التجارة نفسه بدأ يتعرض لضغوط متزايدة، ومع تراجع حركة التجارة وارتفاع المخاطر على الطرق، أصبحت بعض الصفقات أقل ربحية مما كانت عليه. لم يكن فولك رجلًا يتخلى عن مصالحه بسهولة، لكنه كان يعرف أن استمرار الوضع الحالي قد يجعله يخسر أكثر مما يستطيع تعويضه.
وفي أحد الاجتماعات، وضع تقريرًا ماليًا أمامه، ثم بقي يتأمله بصمت قبل أن يقول لأحد مساعديه:
«إذا استمر هذا الوضع لعدة أشهر أخرى، فلن تكون المشكلة في مقدار ما ننفقه، بل في قدرتنا على استعادة ما أنفقناه أصلًا.»
لم يكن يحتاج إلى شرح أكثر من ذلك. فحين تتراجع التجارة، لا تتأثر الأرباح وحدها، بل تتراجع معها فرص العمل، وتقل السيولة في الأسواق، ويصبح التجار أكثر حذرًا في استثماراتهم. ومع تزايد الضرائب والمخاطر، قد يصل الأمر إلى توقف بعض الأنشطة بالكامل، وعندها لن تجد الإمبراطورية ما يكفي من الأموال حتى لو ضاعفت الرسوم مرة أخرى.
أما في قصر العدالة، فقد أدركت أوغستا أن الأزمة قد تتحول إلى اختبار حقيقي لمبادئها. كان بإمكانها تقليص المساعدات، والاكتفاء بحماية المناطق التي تستطيع الوصول إليها، لكنها كانت تعرف أن ذلك سيترك آلاف المدنيين لمصير مجهول. ولم تكن مستعدة للتخلي عنهم لمجرد أن الإمبراطورية قررت أن الحرب أهم من حياتهم.
ومع ذلك، لم يكن الإصرار وحده كافيًا.
ففي الوقت الذي كانت فيه أوغستا تحاول الحفاظ على ما تبقى من استقرار المدن، كان خصومها السياسيون يراقبون تحركاتها، وبعضهم بدأ ينظر إلى شعبيتها المتزايدة بوصفها تهديدًا مباشرًا لمصالحه. وكلما نجحت في مساعدة منطقة جديدة، ازداد عدد من يرون فيها بديلًا عن سلطة لم تعد قادرة على توفير أبسط متطلبات الحياة.
وهكذا، بدأت الأزمة الاقتصادية تتحول تدريجيًا إلى أزمة شرعية.
لم يعد السؤال الذي يطرحه الناس هو متى ستنتصر الإمبراطورية في الحرب، بل لماذا ينبغي لهم تحمل كل هذه المعاناة من أجل حكام لا يبدو أنهم يدفعون الثمن نفسه.
وفي مكان ما خلف هذه الفوضى، كانت الحرب تقترب من مرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة لن يكون فيها سقوط الجبهات وحده ما يهدد الإمبراطورية، بل احتمال أن تبدأ القوى التي يُفترض أنها تحارب تحت رايتها في البحث عن طرق أخرى لضمان بقائها.
فحين يصبح البقاء مكلفًا أكثر من التمرد، لن يحتاج العالم إلى عدو جديد كي يشتعل.
لقد كانت النار قد وصلت بالفعل إلى الداخل.