الفصل 343 - حين تنشغل العيون
لم يكن جاسبر من الرجال الذين ينسون ما يسمعونه بسهولة، ولم يكن من النوع الذي يسمح لمشاعره بأن تقوده إلى اتخاذ قرارات متسرعة. طوال السنوات التي قضاها في الجيش، تعلم أن الكلمات التي تُقال خلف الأبواب المغلقة قد تكون أخطر من السيوف التي تُشهر في ساحات القتال، وأن أخطر الأسرار ليست تلك التي يخشى أصحابها انكشافها فحسب، بل تلك التي يعتقدون أن لا أحد سواهم قادر على فهمها.
ولهذا، لم يعد إلى مقر الجنرالات بعد مغادرته خيمة يوليوس مباشرة.
سار بين صفوف الخيام بخطوات ثابتة، متجنبًا الطرق الرئيسية التي ازدحمت بالجنود وعربات الإمدادات. كان المعسكر قد استيقظ بالكامل تقريبًا؛ فرق من العمال تواصل تثبيت الدعامات الخشبية، ومجموعات من الفرسان تتدرب في المساحات المفتوحة، بينما كانت وحدات المشاة تصطف وفقًا للتشكيلات الجديدة التي فرضها تنظيم الجيش. وفي الأفق، ارتفعت أصوات المطارق من جهة الطريق الشمالي، حيث لم يتوقف المهندسون عن العمل رغم تأخرهم عن الموعد المحدد.
كل شيء كان يتحرك وفق خطة واضحة، وكل شيء بدا مستعدًا لحرب طويلة.
ومع ذلك، لم يستطع جاسبر التخلص من الشعور بأن الخطر الأكبر لم يكن ينتظره خلف الحدود.
لقد كان جنديًا قبل أن يصبح جنرالًا، وقاتل تحت رايات مختلفة قبل أن يجتمع قادة الدول الإحدى عشرة تحت راية الاتحاد. لم يكن مخلصًا لإحدى تلك الدول بالقدر الذي يجعله مستعدًا للموت من أجل مصالحها، كما أنه لم يكن يملك عداوة شخصية مع الإمبراطورية المقابلة. بالنسبة إليه، كانت الحرب حقيقة لا يمكن تجنبها بعد أن اختار الحكام طريق المواجهة، وكان واجبه أن يقود رجاله بأقل قدر ممكن من الخسائر.
أما يوليوس، فقد بدا له رجلًا مستعدًا للمخاطرة بمصير الجيش بأكمله من أجل الوصول إلى منصب واحد.
منصب المشير الأعلى.
توقف جاسبر قرب مجموعة من الصناديق المكدسة على جانب الطريق، وراقب الجنود الذين كانوا ينقلونها إلى مخزن الإمدادات. كانت الحركة منتظمة، وكل مجموعة تعرف ما عليها فعله، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الضباط الذين يتنقلون بين العمال لمراقبة سير العمل. لم يستطع إنكار أن يوليوس قد أنجز عملًا استثنائيًا خلال فترة قصيرة، وأن النظام الذي فرضه على الجيش سيجعل الاتحاد أكثر قدرة على خوض الحرب مما كان عليه قبل أسابيع.
وهذه تحديدًا كانت المشكلة.
إذا كان يوليوس قادرًا على بناء منظومة بهذا الحجم، فمن الذي يستطيع ضمان أنه لن يستخدمها لتحقيق أهدافه الخاصة؟
لم يكن جاسبر ساذجًا بما يكفي ليعتقد أن المشير الأعلى رجل صالح لا تشوبه شائبة. فقد كان الرجل الذي يقف على قمة الجيش طموحًا بدوره، ولم يصل إلى منصبه من دون أن يتجاوز خصومًا ويقصي آخرين. لكن الفرق بينه وبين يوليوس، في نظر جاسبر، أن الأول كان يسعى إلى الحفاظ على السلطة التي يمتلكها، بينما بدا الثاني مستعدًا لتحطيم كل شيء من أجل الحصول عليها.
وهناك فارق آخر لم يستطع تجاهله.
كان المشير الأعلى مجسدًا، بينما كان يوليوس متجليًا كاملًا.
لم تكن هذه حقيقة يمكن تجاوزها بمجرد امتلاك الذكاء أو النفوذ. قد ينجح يوليوس في بناء خطة محكمة، وقد يجد وسيلة لاستغلال ظروف المعركة، لكن قتل مجسد لم يكن كقتل قائد عادي يمكن استدراجه إلى كمين. حتى لو غفل خصمه للحظة، فإن الخطأ الواحد قد يكون كافيًا لإنهاء حياة من حاول استغلاله.
ومع ذلك، لم يكن جاسبر يعتقد أن يوليوس سيتراجع لمجرد سماع التحذيرات.
لقد رأى الابتسامة على وجهه حين تحدث عن قتل المشير، وكانت تلك الابتسامة أكثر ما أثار قلقه. لم تكن ابتسامة رجل يحاول إقناع نفسه بأنه قادر على فعل المستحيل، بل ابتسامة شخص بدأ بالفعل في التفكير في الطريقة التي سيحقق بها ما يريد.
أطلق جاسبر زفيرًا طويلًا، ثم تابع سيره.
لم يكن بوسعه إبلاغ المشير الأعلى بما سمعه، على الأقل ليس الآن. لم يكن لديه دليل سوى محادثة خاصة، وإذا واجه يوليوس مباشرة فقد ينتهي به الأمر إلى خسارة منصبه، وربما حياته، قبل أن يتمكن من إقناع أي شخص بخطورة الموقف.
كما أن إبلاغ المشير قد لا يحل المشكلة.
إذا قرر الرجل الأعلى رتبة التخلص من يوليوس قبل بدء الحرب، فسيكون الجيش أمام فراغ قيادي هائل. لم يكن هناك من يستطيع تولي تنظيم القوات بالطريقة نفسها في وقت قصير، وقد يتحول الخلاف بين الرجلين إلى صراع بين القادة الذين يدينون بالولاء لكل منهما.
أما إذا تجاهل المشير التحذير، فسيعرف يوليوس أن هناك من أفشى سره، وسيبدأ البحث عن الشخص الذي فعل ذلك.
كان جاسبر عالقًا بين احتمالين سيئين، ولم يكن مستعدًا للمقامرة بحياة رجاله اعتمادًا على أمل أن يختار الآخرون القرار الصحيح.
لذلك، قرر أن ينتظر.
ليس انتظارًا سلبيًا، بل انتظارًا يسمح له بمعرفة المزيد، وفهم ما يخطط له يوليوس، وتحديد اللحظة التي يصبح فيها التدخل ضروريًا.
فإذا كان المستشار الأعلى قد بدأ التفكير في قتل المشير، فإن جاسبر بدوره يحتاج إلى معرفة ما إذا كان الرجل الذي ينوي إزاحته يستحق الحماية، أم أن موته قد يفتح الطريق أمام فرصة أخرى.
لم يكن جاسبر يريد أن يصبح تابعًا ليوليوس، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لأن يقف في طريقه دون أن يعرف كيف ستنتهي المواجهة.
وفي النهاية، لم يكن ولاؤه الحقيقي لرجل بعينه.
كان ولاؤه للقوة التي تمنحه مكانًا في هذا العالم.
في خيمة المستشار الأعلى، كان يوليوس قد انتهى من مراجعة التقارير المتعلقة بالطليعة، وانتقل إلى خرائط توزيع القوات الاحتياطية. لم يكن بحاجة إلى وجود الجنرالات أمامه كي يعرف ما يجري في المعسكر؛ فالتقارير التي تصل إلى مكتبه كانت منظمة وفق تسلسل واضح، وكل تأخير في وصولها كان يُسجل ويُراجع.
رفع إحدى الأوراق، وقرأ أسماء الوحدات التي ستتمركز قرب الطريق الغربي. ثم وضعها جانبًا وأمسك تقريرًا آخر يتعلق بالفرسان.
كان جيش الاتحاد قد بلغ مرحلة لم يعد فيها من الممكن إخفاء حجمه عن الإمبراطورية. وربما كانت أخبار التحركات قد وصلت بالفعل إلى قادة الجبهة الغربية، لكن ذلك لم يزعجه كثيرًا. لم يكن هدفه أن يفاجئ خصمه بوجود الجيش، بل أن يجعله عاجزًا عن التعامل مع حجمه عندما تبدأ العمليات الحقيقية.
أغلق الملف، ثم نادى أحد الحراس.
«أرسل في طلب الجنرال جاسبر.»
تردد الحارس للحظة.
«لقد غادر قبل قليل، سيدي.»
«أعرف. أرسل إليه مجددًا.»
«أمرك.»
غادر الحارس، بينما أعاد يوليوس ترتيب الأوراق على مكتبه. لم يكن استدعاء جاسبر مرة أخرى أمرًا عشوائيًا. لقد أراد أن يعرف كيف سيتصرف الجنرال بعد المحادثة السابقة، وما إذا كان سيعود إليه بأسئلة جديدة، أو سيحاول الابتعاد عنه، أو ربما سيبحث عن وسيلة لإبلاغ المشير الأعلى.
لم يكن يوليوس يثق بالرجال بسهولة، لكنه لم يكن مضطرًا إلى الوثوق بهم كي يستفيد منهم.
جاسبر قائد جيد، ويتمتع بعقل عملي وقدرة على تقييم المخاطر. كما أنه ليس من الرجال الذين يتبعون الأوامر دون التفكير في عواقبها، وهي صفة قد تجعله خطرًا على من يتولى قيادته، لكنها قد تجعله أيضًا حليفًا ذا قيمة إذا وُضع أمام الخيارات المناسبة.
والأهم من ذلك كله، أن جاسبر يفهم معنى القوة.
لم يطل الانتظار هذه المرة. دخل الجنرال بعد دقائق، وأغلق الباب خلفه، ثم وقف أمام المكتب.
«طلبت حضوري مجددًا.»
أشار يوليوس إلى المقعد.
«اجلس. أريد أن أتحدث معك عن بداية الحرب.»
جلس جاسبر، محافظًا على هدوئه.
«هل هناك تغيير في الخطة؟»
«ليس في الخطة المعلنة.»
توقف يوليوس قليلًا، ثم سحب خريطة الحدود الغربية إلى منتصف المكتب.
«أريد رأيك في شيء. لنفترض أننا بدأنا الحرب، وتحركت الطليعة نحو مواقع الإمبراطورية، وانشغل قادة الجبهات بإدارة المعارك. ما الذي تعتقد أنه سيحدث داخل القيادة إذا تعرض المشير الأعلى لحادث مفاجئ؟»
لم يتغير وجه جاسبر، لكن عضلات فكه اشتدت للحظة.
«يعتمد ذلك على طبيعة الحادث.»
«حادث يؤدي إلى موته.»
ساد الصمت.
كان يوليوس يتحدث بنبرة عادية، كأنه يطرح احتمالًا عسكريًا لا أكثر، لكن جاسبر لم يعد قادرًا على فصل كلماته عن اعترافه السابق.
قال الجنرال: «سيكون ذلك كارثة إذا حدث في بداية الحرب. سيحتاج الجيش إلى وقت لإعادة ترتيب القيادة، وقد تستغل الإمبراطورية الفرصة لشن هجوم مضاد.»
«صحيح. ولهذا لن يحدث في بداية الحرب.»
رفع جاسبر نظره إليه.
كان يوليوس ينظر إلى الخريطة، وقد وضع إصبعه على المنطقة التي تفصل معسكر الاتحاد عن أولى المواقع العسكرية للإمبراطورية.
«أفضل وقت هو منتصف الحرب، عندما ينشغل الجميع.»
لم يقلها كفكرة عابرة، بل كأنه وصل إلى نتيجة بعد دراسة طويلة.
«في البداية، ستكون العيون كلها موجهة نحو القيادة. سيحتاج القادة إلى معرفة من يتولى إصدار الأوامر، وستكون كل حركة غير معتادة موضع شك. أما في منتصف الحرب، فستتغير الأمور. ستتوزع القوات على مساحات واسعة، وستصبح التقارير متأخرة، وستنشغل الطليعة بتحركات العدو، بينما تحاول المؤخرة الحفاظ على خطوط الإمداد وإرسال التعزيزات. سيكون الجميع مشغولًا بإنقاذ رجاله، ولن يتفرغ أحد لمراقبة ما يحدث داخل الخيمة العليا.»
تأمل جاسبر وجهه.
«أنت تخطط لاستغلال الفوضى.»
«الفوضى لا تُستغل إلا إذا كنت مستعدًا لها.»
حرّك يوليوس إحدى العلامات على الخريطة، ثم وضع علامة أخرى بالقرب منها.
«في منتصف الحرب، لن يكون غياب رجل واحد أمرًا يسهل تفسيره. قد يُقال إن المشير اضطر إلى الانتقال إلى موقع آخر، أو إنه أصيب أثناء هجوم، أو إن الاتصالات انقطعت معه. وفي الوقت الذي يبدأ فيه القادة بطرح الأسئلة، سيكون علينا أن نكون قد اتخذنا الخطوات الضرورية لضمان استمرار القيادة.»
«ومن سيكون المسؤول عن ذلك؟»
ابتسم يوليوس.
«من تعتقد؟»
لم يُجب جاسبر. كانت الإجابة واضحة، لكن سماعها صراحة سيحوّل ما بينهما من حديث عن احتمال إلى اعتراف كامل بخطة اغتيال.
تابع يوليوس: «أنا الرجل الذي يعرف بنية الجيش أكثر من أي شخص آخر. أعرف من يتولى قيادة كل وحدة، ومن يستطيع التحرك دون انتظار أوامر مباشرة، وأي القادة يمكن الاعتماد عليهم في لحظة اضطراب. إذا اختفى المشير، فلن يحتاج الجيش إلى بناء نظام جديد؛ سيحتاج فقط إلى الاستمرار في العمل وفق النظام الموجود بالفعل.»
«النظام الذي وضعته أنت.»
«بالضبط.»
أعاد جاسبر النظر إلى الخريطة. لم يكن من الصعب فهم منطق يوليوس. لقد صمم الجيش بحيث يستطيع الاستمرار حتى لو فقد أحد قادته، وكان ذلك في حد ذاته إنجازًا عسكريًا. لكن هذا النظام نفسه يمكن أن يصبح وسيلة للاستيلاء على السلطة، إذ يستطيع من يعرف تفاصيله أن يتحكم في مسار الأحداث دون أن يضطر إلى إصدار أوامر تبدو مريبة.
قال جاسبر: «وماذا عن القادة الثلاثة الذين يتولون قيادة المشاة؟ لكل واحد منهم مئة ألف مقاتل، ولن يقبلوا بالضرورة أن يصبح المستشار الأعلى مشيرًا أعلى لمجرد أن المشير السابق مات.»
«لن أطلب منهم القبول.»
«إذن ستجبرهم؟»
«سأمنحهم سببًا يجعلهم يختارون الاستمرار تحت قيادتي.»
بقيت ابتسامته هادئة.
«القادة لا يهتمون دائمًا بمن يجلس في أعلى الهرم. ما يهمهم هو أن تصلهم الأوامر بوضوح، وأن يحصلوا على الإمدادات التي يحتاجون إليها، وألا يُتركوا وحدهم في مواجهة جيش الإمبراطورية. إذا حافظت على ذلك، فسيكون من الصعب على أي منهم تبرير تمرد يهدد رجاله.»
«وماذا عن قائد الفرسان؟ وقائد القوات النخبوية؟»
«سيكون لكل منهما ما يخسره إذا انهار الجيش. لن أحتاج إلى إقناعهما بحبي أو كسب ولائهما الشخصي. يكفي أن أجعلهما يدركان أن استمرار الحرب تحت قيادتي أفضل من تركها تنهار.»
لم يعجب جاسبر هذا الجواب، لكنه لم يستطع إنكار واقعيته. كان يوليوس لا يفكر في كيفية جعل القادة يحبونه، بل في كيفية جعل مصالحهم مرتبطة ببقائه.
قال جاسبر: «أنت تفترض أن قتل المشير سيكون ممكنًا.»
«سيكون ممكنًا.»
«إنه مجسد، يوليوس. لقد حذرتك من ذلك.»
«وأنا سمعتك.»
«لكنك لم تأخذ كلامي على محمل الجد.»
رفع يوليوس عينيه إليه، ولم تختفِ ابتسامته.
«بل أخذته على محمل الجد أكثر مما تتصور. لهذا لن أهاجمه في بداية الحرب، ولن أختار وقتًا يستطيع فيه مراقبتي عن قرب، ولن أسمح له بأن يعرف أنني أستعد لمواجهته. سأنتظر حتى تتغير الظروف، وحتى يصبح وجوده عبئًا على الجيش بدلًا من أن يكون ضمانة لاستقراره.»
قال جاسبر: «وماذا لو أدرك ما تخطط له قبل أن تصل إلى منتصف الحرب؟»
«لن أدعه يدرك ذلك.»
«لا يمكنك التحكم في كل شيء.»
«لا، لكن يمكنني التحكم في أشياء أكثر مما يظن.»
ساد الصمت مجددًا.
لم يكن جاسبر يملك جوابًا بسيطًا. كان يعرف أن يوليوس يبالغ في تقدير قدرته أحيانًا، لكنه رأى أيضًا ما فعله خلال الأسابيع الماضية. لم يكن مجرد متجلي كامل قوي، بل رجل يمتلك قدرة نادرة على تنظيم الآخرين واستغلال مواطن ضعفهم. وإذا أضيفت تلك القدرة إلى طموحه، فإن مواجهته لن تكون سهلة حتى لو كان خصمه أقوى منه في الإرادة.
ومع ذلك، بقيت هناك حقيقة واحدة لا يستطيع يوليوس تغييرها.
«حتى لو نجحت في التخلص من المشير، فلن تصبح مجسدًا.»
توقفت أصابع يوليوس عن تحريك العلامات.
أكمل جاسبر: «قد تستولي على منصبه، وقد يجبر القادة أنفسهم على قبولك لأنهم يحتاجون إلى استمرار الجيش. لكنك ستظل متجليًا كاملًا، وسيظل هناك فارق بينك وبين أولئك الذين بلغوا المستوى الأعلى. لن تختفي هذه الحقيقة لمجرد أنك أصبحت صاحب أعلى منصب.»
نظر إليه يوليوس للحظات طويلة.
ثم ضحك ضحكة قصيرة، خالية من المرح تقريبًا.
«أتظن أنني لا أعرف ذلك؟»
«إذن لماذا تخاطر بكل شيء؟»
«لأن الفارق بيننا ليس حكمًا أبديًا.»
نهض يوليوس من مقعده، واتجه إلى النافذة الصغيرة في جانب الخيمة. من هناك، استطاع رؤية جزء من المعسكر؛ صفوف الخيام، والجنود الذين يتحركون بين الممرات، والرايات التي بدأت تُرفع فوق مواقع الوحدات المختلفة.
«المجسدون ليسوا آلهة، يا جاسبر. إنهم رجال بلغوا مستوى أعلى من القوة، وهذا يمنحهم أفضلية هائلة، لكنه لا يجعلهم محصنين من الخطأ. قد يكون المشير أقوى مني الآن، لكن القوة ليست الشيء الوحيد الذي يحدد نتيجة المواجهة. المكان، والتوقيت، والمعلومات، والظروف التي تحيط بالمعركة… كل ذلك يمكن أن يغير النتيجة.»
استدار نحوه.
«أنا لا أنوي هزيمته في مواجهة عادلة.»
فهم جاسبر عندها أن يوليوس لم يكن يتحدث عن التغلب على المشير في مبارزة، ولم يكن يبحث عن طريقة لمنافسة إرادته بإرادة أخرى. كان يريد أن يضعه في موقف لا يستطيع فيه استخدام قوته على النحو الذي اعتاد عليه، ثم يستغل تلك اللحظة لإنهاء الأمر.
لم يكن ذلك ضمانًا للنجاح، لكنه جعل الخطة أكثر واقعية مما أراد جاسبر أن يعترف به.
قال الجنرال: «وماذا تريد مني؟»
عاد يوليوس إلى مكتبه، وجلس خلفه.
«في الوقت الحالي؟ لا شيء سوى أن تستمر في عملك. قُد جنرالاتك كما ينبغي، وتأكد من أن وحدات الطليعة قادرة على تنفيذ أوامرها دون تأخير. أريدك أن تراقب نقاط الضعف في التسلسل القيادي، وأن تخبرني إذا لاحظت أن أحد القادة لا يستطيع التعامل مع المسؤوليات الموكلة إليه.»
«هل لهذا علاقة بخطتك؟»
«كل شيء يتعلق بخطتي، بطريقة أو بأخرى. نحن نستعد لحرب، وجميع المعلومات التي نحصل عليها ستكون مفيدة.»
تأمل جاسبر وجهه، محاولًا تحديد ما إذا كان ذلك تكليفًا عسكريًا عاديًا أم اختبارًا لولائه.
«وإذا طلبت مني لاحقًا المشاركة في التخلص من المشير؟»
أجاب يوليوس دون تردد:
«عندها ستقرر ما إذا كنت تريد الوقوف معي أم لا.»
«وإذا وقفت ضدك؟»
لم يتغير وجه يوليوس، لكنه لم يجب فورًا هذه المرة.
«لن أتخذ قرارًا بشأن ذلك الآن.»
كان الجواب أكثر صدقًا من أي تهديد مباشر، وربما لهذا السبب بدا أخطر. لم يكن يوليوس يريد خسارة جاسبر قبل أن يعرف ما إذا كان سيحتاج إليه، لكنه لن يسمح له أيضًا بأن يتحول إلى عقبة حقيقية أمام خطته.
وقف جاسبر، وعدّل حزام سيفه.
«سأواصل عملي. هذا ما أستطيع أن أعدك به في الوقت الحالي.»
«وهذا يكفي.»
اتجه الجنرال إلى الباب، ثم توقف قبل الخروج.
«هناك أمر واحد أريدك أن تفهمه، يوليوس. إذا تحولت خطتك إلى سبب لانهيار الجيش، فلن أساعدك على إنقاذ نفسك.»
نظر إليه يوليوس بهدوء.
«إذا كنت تعتقد أنني سأبدأ هذه الحرب من أجل تدمير الجيش، فأنت لا تفهمني جيدًا.»
«أتمنى أن يكون ذلك صحيحًا.»
خرج جاسبر، تاركًا الباب يُغلق خلفه ببطء.
ظل يوليوس جالسًا في مكانه، يتأمل المساحة التي وقف فيها الجنرال قبل قليل. لم يكن جاسبر خائنًا بالمعنى المعتاد للكلمة، ولم يكن تابعًا يمكن شراء ولائه بوعد أو تهديد. كان رجلًا يضع مصلحته فوق الولاء الشخصي، ويبحث عن الطريق الذي يمنحه أكبر فرصة للبقاء.
وهذا جعله خطرًا.
لكنه جعله أيضًا قابلًا للتوقع.
فجاسبر لن يندفع إلى إبلاغ المشير الأعلى ما لم يملك سببًا يدفعه إلى الاعتقاد بأن ذلك سيحميه، ولن يعرض نفسه للخطر من أجل الدفاع عن رجل لا يعرف إن كان سيظل في السلطة بعد بضعة أشهر. سيواصل مراقبة الوضع، وسيحاول معرفة من سينتصر قبل أن يختار الجانب الذي يقف فيه.
ابتسم يوليوس وهو يدرك ذلك.
«إذن، أنت تنتظر أيضًا.»
لم يكن بحاجة إلى إجابة كي يعرف أن جاسبر قد بدأ بالفعل في التفكير في مستقبله، وأنه لن يكون وفيًا له بصورة مطلقة مهما أظهر من انضباط.
لكن يوليوس لم يكن يحتاج إلى ولاء مطلق.
كان يحتاج فقط إلى أن يبقى جاسبر في مكانه حتى يحين الوقت المناسب.
أعاد ترتيب الخرائط فوق المكتب، ثم وضع علامة صغيرة على المنطقة التي ستشهد أولى المعارك الكبرى. لم يكن يعرف كم ستستمر الحرب، ولا أي الجبهات ستتعرض لضغط أكبر، لكنه كان يعرف أن منتصف الحرب سيكون مختلفًا عن بدايتها. بحلول ذلك الوقت، ستكون القوات قد ابتعدت عن قواعدها، وسيكون القادة قد انشغلوا بخسائرهم ومكاسبهم، وستصبح المحافظة على تماسك الجيش أولوية تفوق أي اعتبار آخر.
هناك، في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الخطر الحقيقي يأتي من خلف الحدود، سيبدأ يوليوس حربه الخاصة.
حرب لن تُرفع لها رايات، ولن تُعلن لها أوامر تعبئة، ولن يعرف معظم الجنود أنها بدأت إلا بعد أن يكون كل شيء قد انتهى.
رفع عينيه نحو سقف الخيمة، ثم قال بصوت خافت:
«منتصف الحرب… حين ينشغل الجميع بقتل أعدائهم، لن يجد أحد وقتًا لمراقبة يدي.»
وعادت الابتسامة إلى وجهه.
لم يكن يخطط لقتل المشير الأعلى فحسب.
كان يخطط لأن يجعل الجيش نفسه يواصل التقدم بعد موته، وأن يصبح غياب الرجل الذي قاده في بداية الحرب الخطوة التي تمنح يوليوس السلطة الكاملة على كل ما بناه.
أما جاسبر، فقد ترك له الباب مفتوحًا للاختيار.
لأن الرجل الذي لا يستطيع الوثوق بأحد، لا يحتاج إلى أن يجعل الجميع أعداءه منذ البداية.
يكفي أن يعرف متى سيضطر كل واحد منهم إلى اتخاذ قراره.