الفصل 342 - حين يطمح الثاني إلى القمة
في الجهة الأخرى من الحدود الغربية للإمبراطورية، جرى تعبيد الطرق المنظمة في وقت قياسي، ثم شُيّدت خلال فترة وجيزة أخرى ما يشبه مدينة كاملة. غير أن هذه المدينة لم تتكون من المنازل والمباني المعتادة، بل من خيام مختلفة الأشكال والأحجام، اصطفّت في صفوف منتظمة وفق تخطيط هندسي بالغ الدقة.
كانت تلك جبهة قتالية جديدة، لكنها لم تكن تابعة للإمبراطورية، بل لاتحاد الدول المعادي لها، الذي بدأ بالفعل تنظيم قواته استعدادًا للحرب المرتقبة. وقد تجاوز تعداد الجيش الذي جمعه الاتحاد من إحدى عشرة دولة خمسمئة وخمسين ألف مقاتل، ليصبح قوة عسكرية هائلة لم يسبق لتلك الدول أن امتلكت مثلها حين كانت تقاتل منفردة.
في قلب الجبهة، انتصبت خيمة ضخمة يصعب تجاهلها، حتى إن وصفها بالخيمة بدا تقليلًا من شأنها، فقد صُنعت أجزاؤها الخشبية على نحو جعلها أقرب إلى مبنى عسكري مؤقت منها إلى خيمة تقليدية.
داخلها، جلس رجل ذو شعر ذهبي طويل، يرتدي درعًا فضيًا لامعًا، خلف مكتب عريض. كان حضوره مهيبًا، وزادته وسامته اللافتة هيبةً وجاذبية.
كان ذلك الرجل يوليوس، أحد أقوى رجال الاتحاد، ومتجليًا كاملًا، كما كان يشغل ثاني أعلى منصب في القيادة العسكرية بصفته المستشار الأعلى للجيش، بعد المشير الأعلى، القائد العام للقوات.
لكن نفوذ يوليوس لم يكن مستمدًا من منصبه وحده، بل من دوره المحوري في بناء الهيكل العسكري للاتحاد وإعادة تنظيم جيشه بالكامل.
فقد وضع نظامًا قياديًا متكاملًا، وحدد صلاحيات القادة ومسؤولياتهم، وقسّم القوات إلى تشكيلات واضحة تتيح إدارة هذا العدد الهائل من المقاتلين بكفاءة.
جاء قادة الجيش في المرتبة التالية للمستشار الأعلى، وكانوا ثلاثة، يتولى كل واحد منهم قيادة مئة ألف من المشاة ضمن قوات الطليعة.
وإلى جانبهم، وُجد ثلاثة قادة آخرين يتولون مسؤوليات استراتيجية مختلفة. كان الأول قائد سلاح الفرسان، وتحت إمرته ثمانون ألفًا من الفرسان وفرسان النخبة المتدربين. أما الثاني، فكان قائد القوات النخبوية، التي ضمت عشرين ألف مقاتل اختيروا بعناية من بين أفضل عناصر الجيش.
وأما الثالث، فكان قائد المؤخرة، المسؤول عن حاميات الحدود والمدن، والدعم الطبي، والإمدادات، وحماية خطوط الإمداد. وقد وُضعت تحت إمرته مئة وخمسة وأربعون ألف مقاتل.
وبذلك، توزّع الجيش على ثلاثة محاور رئيسية: قوات الطليعة، والقوات النخبوية، وقوات المؤخرة، إلى جانب سلاح الفرسان الذي احتفظ بقيادته المستقلة، مع خضوع جميع هذه التشكيلات للقيادة العليا للاتحاد.
تحت قيادة قادة الجيش، جاء الجنرالات، الذين تولوا إدارة العمليات العسكرية الميدانية والإشراف المباشر على القوات.
وضمت القيادة الميدانية ثمانية جنرالات رئيسيين، يتولون قيادة القتال في الطليعة، وثلاثة جنرالات احتياطيين يتمركزون ضمن قوات المؤخرة، ويظلون على أهبة الاستعداد لتولي المسؤولية إذا سقط أحد الجنرالات الرئيسيين أو تعذّر عليه مواصلة القيادة.
أما المستوى التالي، فكان يضم قادة الفرق، إذ تراوح عدد أفراد الفرقة الواحدة بين اثني عشر ألفًا وعشرين ألف مقاتل، بحسب طبيعة المهمة الموكلة إليها.
وضمت الطليعة ثلاثين فرقة، بينما ضمت المؤخرة اثنتي عشرة فرقة. وكان قادة الفرق يتمتعون بقدر واسع من الاستقلالية في تنظيم قواتهم وتوزيعها، بما يتناسب مع طبيعة الأرض والمهام المطلوبة.
وتحت قادة الفرق، جاء قادة الألوية، ثم قادة الأفواج، فقادة الكتائب، وأخيرًا قادة السرايا.
تراوح عدد أفراد اللواء الواحد بين خمسة آلاف وثمانية آلاف مقاتل، والفوج بين ألفين وأربعة آلاف، والكتائب بين خمسمئة وألف مقاتل، بينما تراوح تعداد السرية الواحدة بين مئة ومئتين وخمسين مقاتلًا.
ومُنح قادة الألوية والأفواج والكتائب والسرايا حرية تنظيم وحداتهم وتقسيمها وفقًا لما يرونه مناسبًا، تمامًا كما مُنح قادة الفرق حرية إدارة تشكيلاتهم، ما دام ذلك لا يتعارض مع الخطط العامة وأوامر القيادة العليا.
لم يكن بناء جبهة قتالية بهذا الحجم مجرد مسألة جمع مئات الآلاف من الرجال خلف الأسوار، بل كان مشروعًا يتطلب عقلًا قادرًا على تحويل الفوضى إلى نظام، وتحويل جيش منحدر من إحدى عشرة دولة إلى قوة تستطيع التحرك وكأنها جسد واحد.
ولهذا السبب تحديدًا، لم يكن وجود يوليوس في منصب المستشار الأعلى للجيش أمرًا شكليًا، ولم يكن نفوذه مستمدًا من رتبته وحدها.
كان الرجل قد أعاد تنظيم الجيش من أساسه، وفرض تسلسلًا قياديًا يسمح له بمعرفة ما يحدث في كل جزء من الجبهة دون الحاجة إلى انتظار التقارير المتأخرة. لكل قائد صلاحيات محددة، ولكل وحدة مساحة من المسؤولية لا تتداخل مع غيرها إلا بأمر واضح، أما قادة الفرق والألوية والأفواج، فقد مُنحوا حرية التصرف في تقسيم قواتهم بما يتناسب مع طبيعة الأرض والمهام الموكلة إليهم.
لم يكن يوليوس يرغب في جيش ضخم فحسب، بل أراد جيشًا لا ينهار إذا سقط أحد قادته، ولا يتوقف إذا انقطعت عنه الأوامر، ولا يفقد قدرته على القتال إذا وجد نفسه أمام خصم يفوقه خبرة.
كان ذلك هو الفارق بين جيش جُمِع من أجل الحرب وجيش صُمِّم ليخوضها.
في منتصف الخيمة الخشبية، جلس يوليوس خلف مكتبه العريض، يراجع مجموعة من التقارير التي وصلته خلال الساعات الماضية. امتدت أمامه خرائط الحدود الغربية للإمبراطورية، وقد وُضعت فوقها علامات صغيرة تشير إلى الطرق التي جرى تعبيدها، ومواقع المعسكرات، ونقاط تجمع القوات، والمناطق التي يمكن استخدامها لإخفاء التحركات العسكرية.
كان ضوء المصابيح ينعكس على درعه الفضي، بينما انساب شعره الذهبي الطويل فوق كتفيه. بدا هادئًا إلى درجة يصعب معها تخيل أن الرجل الجالس هناك كان مسؤولًا عن تنظيم قوة تجاوز عددها نصف مليون مقاتل.
رفع عينيه عن إحدى الخرائط وقال:
“أريد تقريرًا عن الطريق الشمالي.”
كان يقف أمامه رجل في منتصف العمر، يرتدي زي أحد ضباط الإمداد. انحنى قليلًا قبل أن يجيب:
“تم الانتهاء من تسوية الطريق حتى نقطة التجمع الثالثة، سيدي. بقيت بعض الأجزاء التي تحتاج إلى تدعيم قبل أن تتمكن العربات الثقيلة من عبورها، لكن المهندسين يؤكدون أنهم سينتهون منها خلال يومين.”
“يومان؟”
لم يرفع يوليوس صوته، ومع ذلك بدا السؤال كأنه يحمل اعتراضًا واضحًا.
“كان الموعد المحدد غدًا.”
“الأرض في تلك المنطقة أكثر صلابة مما توقعنا، وقد اضطر العمال إلى تغيير طريقة الحفر…”
“لا يهمني ما اضطروا إلى تغييره. أريد الطريق جاهزًا في الموعد المحدد.”
تردد الضابط للحظة، ثم انحنى مجددًا.
“مفهوم، سيدي.”
“وإذا احتجتم إلى المزيد من العمال، فاطلبوهم من الوحدات التي لم تبدأ مهامها بعد. لا أريد أن تتأخر حركة الجيش بأكمله بسبب طريق واحد.”
“أمرك، سيدي.”
خرج الضابط من الخيمة، وعاد الصمت إلى المكان.
وضع يوليوس التقرير جانبًا، ثم أسند ظهره إلى مقعده. لم تكن الطرق والخيام وتوزيع القوات سوى البداية. كان يعرف أن تنظيم جيش بهذا الحجم سيجعل الاتحاد قادرًا على تهديد الإمبراطورية بطريقة لم تستطع الدول الإحدى عشرة تحقيقها حين كانت تقاتل بصورة منفصلة، لكن ذلك لم يكن السبب الحقيقي الذي دفعه إلى قبول هذا المنصب.
كانت الحرب فرصة.
فرصة نادرة، وربما لن تتكرر.
ففي زمن السلم، كانت المناصب محاطة بالتقاليد والقيود، وكانت السلطة تنتقل وفقًا لقواعد يصعب تجاوزها دون إثارة الشكوك. أما في الحرب، فإن القادة الذين يحققون الانتصارات يستطيعون تغيير تلك القواعد بأيديهم، وقد يتحول الرجل الذي كان يقف في الصف الثاني إلى الرجل الذي يقرر مصير الجميع.
وكان يوليوس يكره الوقوف في الصف الثاني.
لم تكن تلك كراهية عابرة ولدتها الغيرة، بل قناعة راسخة بأن المكان الذي يشغله لا يتناسب مع قدراته. لقد كان متجليًا كاملًا، وبلغ من القوة والخبرة ما جعله يرى نفسه أهلًا لقيادة جيوش بأكملها. ومع ذلك، ظل هناك رجل واحد يقف فوقه، رجل لم يكن يوليوس مضطرًا إلى طاعته لو كان العالم أكثر عدلًا، على حد تعبيره.
المشير الأعلى للجيش.
الرجل الذي سيقود هذه الحرب رسميًا، والذي ستُرفع إليه تقارير الانتصارات والهزائم، والذي ستُنسب إليه النتائج التي عمل يوليوس على تحقيقها.
والأهم من ذلك كله، أنه كان مجسدًا.
تحركت أصابع يوليوس فوق حافة المكتب، ثم توقفت عند خاتم فضي في يده اليمنى.
لم يكن يفكر في عصيان أوامر المشير فحسب، بل في إزاحته نهائيًا.
كان يدرك أن منصبه الحالي يمنحه نفوذًا هائلًا على الجيش، وأن معظم القادة يدينون له بالفضل في النظام الذي جعل من الاتحاد قوة عسكرية متماسكة. لكنه كان يدرك أيضًا أن كل ذلك قد يصبح بلا قيمة في اللحظة التي يقرر فيها المشير الأعلى استخدام سلطته لإقصائه.
لم يكن بوسعه انتظار تلك اللحظة.
كان عليه أن يصنعها بنفسه.
طُرق الباب الخشبي مرتين، ثم دخل رجل طويل يرتدي درعًا داكنًا تتخلله خطوط معدنية باهتة. كانت ملامحه صارمة، وعلى وجهه آثار التعب الذي خلّفته الأيام الماضية من العمل المتواصل. لم يتقدم إلى المكتب مباشرة، بل أغلق الباب خلفه أولًا، ثم سار حتى توقف على مسافة مناسبة.
كان ذلك جاسبر، أحد الجنرالات الثمانية المسؤولين مباشرة عن قيادة القتال في الطليعة.
“طلبت حضوري، سيدي؟”
أشار يوليوس إلى المقعد المقابل له.
“اجلس يا جاسبر.”
جلس الجنرال، لكنه لم يبدُ مسترخيًا. كان يعرف يوليوس منذ مدة كافية ليدرك أن استدعاءه في هذا الوقت، بعد انتهاء اجتماعات تنظيم الجيش، لا بد أن يتعلق بأمر يتجاوز التقارير المعتادة.
دفع يوليوس خريطة صغيرة نحوه.
“أخبرني، ما رأيك في توزيع القيادة الحالي؟”
تأمل جاسبر الخريطة للحظات قبل أن يجيب:
“إنه أكثر تنظيمًا مما توقعت. تقسيم الجيش إلى طليعة ومؤخرة، مع الفصل بين المشاة والفرسان والقوات النخبوية، سيمنحنا مرونة كبيرة. كما أن منح قادة الفرق حرية تنظيم وحداتهم سيختصر الوقت اللازم للاستجابة للظروف المتغيرة.”
“لكن؟”
رفع جاسبر عينيه إليه.
“لكن نجاح هذا النظام يعتمد على بقاء القيادة العليا مستقرة. لدينا جيش ضخم، ومعظم قادته جاءوا من دول مختلفة، ولكل منهم ولاءات قديمة. إذا حدث خلاف بين المشير الأعلى والمستشار الأعلى، فقد ينتقل ذلك الخلاف إلى الجيش بأكمله.”
ابتسم يوليوس ابتسامة خفيفة.
“أنت رجل حذر.”
“الحذر أفضل من الندم، سيدي.”
“إذن دعني أسألك سؤالًا آخر. من برأيك الشخص الذي يعتمد عليه هذا الجيش أكثر من غيره؟”
لم يُجب جاسبر فورًا.
كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكن الإجابة عنه لم تكن كذلك. فالمشير الأعلى هو القائد العام وصاحب السلطة الرسمية على جميع القوات، بينما كان يوليوس الرجل الذي صاغ البنية التي ستتحرك هذه القوات وفقًا لها.
قال جاسبر أخيرًا:
“المشير الأعلى هو القائد العام، لكنك صاحب التأثير الأكبر في تنظيم الجيش.”
“وهل تعتقد أن هذا الترتيب سيظل كما هو بعد انتهاء الحرب؟”
تغيرت نظرة جاسبر قليلًا.
“لا أعرف ما الذي تقصده.”
نهض يوليوس من مقعده، وسار ببطء نحو الخريطة الكبيرة المثبتة على الجدار. وضع إصبعه على موضع المعسكر الرئيسي، ثم مرره على امتداد الطرق المؤدية إلى الحدود.
“انظر إلى هذا الجيش يا جاسبر. أكثر من خمسمئة وخمسين ألف مقاتل، جاؤوا من إحدى عشرة دولة، وأصبحوا الآن جزءًا من منظومة واحدة. من الذي جعل ذلك ممكنًا؟ من الذي حدد مسؤوليات القادة، ووضع نظام الإمدادات، وأعاد توزيع القوات بحيث لا تضطر الطليعة إلى انتظار المؤخرة في كل مرة تحتاج فيها إلى اتخاذ قرار؟”
صمت لحظة، ثم تابع:
“أنا.”
لم يكن في صوته تفاخر صاخب، بل يقين بارد جعل الكلمة أكثر وقعًا.
“ومع ذلك، عندما تبدأ الحرب، سيجلس المشير الأعلى في مكانه، وسيتلقى تقارير الانتصارات، ثم يصدر الأوامر التي يفترض أن الجميع ينتظرها. إذا انتصرنا، فسيقولون إن قيادته كانت السبب. وإذا خسرنا، فسيبحثون عن المسؤولين بيننا، وقد أكون أول من يُلقى عليه اللوم.”
قال جاسبر بحذر:
“يمكن معالجة ذلك بتوضيح صلاحيات المستشار الأعلى، أو بطلب تفويض أوسع قبل بدء العمليات.”
استدار يوليوس نحوه.
“تفويض؟”
ظهرت في عينيه لمعة ساخرة.
“هل تعتقد أن رجلًا وصل إلى منصب المشير الأعلى سيمنحني السلطة التي أحتاج إليها لمجرد أنني طلبتها بأدب؟”
“إذا كان ذلك في مصلحة الاتحاد…”
“المصلحة ليست هي ما يحكم الرجال دائمًا.”
عاد يوليوس إلى مكتبه، لكنه لم يجلس. وضع كفيه على سطحه، وانحنى قليلًا إلى الأمام.
“هناك رجال يستطيعون قبول أن يكونوا الثاني في القيادة. يقضون أعمارهم في تنفيذ أوامر الآخرين، ثم يقنعون أنفسهم بأنهم أدوا واجبهم. أما أنا، فلا أرى سببًا يدفعني إلى قضاء ما تبقى من حياتي تحت سلطة رجل لا يتفوق عليّ في كل شيء، لمجرد أنه يمتلك لقبًا أعلى.”
ساد الصمت داخل الخيمة.
كان جاسبر يراقبه بعناية، وقد بدأ يفهم الاتجاه الذي تسير إليه هذه المحادثة. لم يعد الأمر متعلقًا بتوزيع الصلاحيات أو الخلافات الإدارية. كان يوليوس يتحدث عن المشير الأعلى كما لو أنه عقبة ينبغي التخلص منها، لا قائدًا ينبغي التعاون معه.
قال جاسبر ببطء:
“أنت تفكر في الانقلاب عليه.”
لم ينكر يوليوس ذلك.
بل جلس أخيرًا، وشبك أصابعه فوق المكتب.
“أنا أفكر في ضمان ألا أضطر إلى الانحناء له بعد الآن.”
“هذا يعني الشيء نفسه.”
“إذن لا داعي إلى تكرار الكلام.”
نهض جاسبر من مقعده، ولم يحاول إخفاء التوتر الذي ظهر على وجهه.
“يوليوس، فكّر جيدًا فيما تقوله. نحن على وشك خوض حرب ضد إمبراطورية تملك جبهات عسكرية متعددة، ويقود كل جبهة منها مجسد. إذا بدأنا الحرب بانقسام داخل قيادتنا، فسنعطيهم أفضل فرصة يمكن أن يحلموا بها.”
“لن يكون هناك انقسام.”
“كيف يمكنك ضمان ذلك؟”
“لأنني لن أترك له فرصة لقيادة الجيش ضدي.”
حدق جاسبر فيه لثوانٍ، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:
“أنت تتحدث عن قتل المشير الأعلى.”
لم يجب يوليوس، لكن الصمت الذي تلا السؤال كان كافيًا.
مرر جاسبر يده على وجهه، محاولًا ترتيب أفكاره.
“هل فقدت صوابك؟ إنه مجسد، يا يوليوس. مجسد حقيقي، وليس مجرد متجلٍ كامل مثلك. أنت تعرف الفارق بين المستويين أفضل مني. حتى لو كنت أقوى من معظم المتجلين الكاملين، فهذا لا يعني أنك قادر على مواجهة مجسد والانتصار عليه.”
لم يكن تحذير جاسبر نابعًا من الجبن، بل من معرفة حقيقية بطبيعة القوة التي يتحدثان عنها. فالمجسدون لم يكونوا مجرد مقاتلين أقوى من المتجلين الكاملين بدرجة أو درجتين؛ كان بلوغ ذلك المستوى يعني أن الإرادة نفسها قد تغيرت، وأن صاحبها بات قادرًا على ممارسة قوة تتجاوز الحدود التي يستطيع معظم المتجلين إدراكها.
وكان المشير الأعلى قد أثبت، في أكثر من مناسبة، أنه يستحق منصبه.
قال جاسبر:
“إذا اكتشف أنك تخطط ضده، فلن تحتاج حتى إلى إعلان التمرد. قد يقتلك قبل أن تتمكن من إصدار أمر واحد. وحتى لو افترضنا أنك وجدت طريقة لمفاجأته، فما الذي سيمنع بقية القادة من الانقلاب عليك؟ لن يقبلوا أن يستيقظوا ذات صباح ليجدوا أن المستشار الأعلى قتل المشير واستولى على الجيش.”
استمع يوليوس إليه دون مقاطعة.
وحين انتهى جاسبر، لم يرَ على وجهه غضبًا أو ترددًا، بل ابتسامة صغيرة بدأت عند زاوية فمه واتسعت ببطء.
“أنت تفترض أنني لم أفكر في كل ذلك.”
“إذن أنت تعرف مدى خطورة ما تنوي فعله.”
“بالطبع.”
“ومع ذلك ستستمر؟”
رفع يوليوس رأسه، وانعكس ضوء المصباح على عينيه.
“سأقتله.”
خرجت الكلمات هادئة وواضحة، كأنهما يتحدثان عن مهمة عسكرية عادية.
“لا يهمني إن كان مجسدًا، ولا يهمني عدد السنوات التي قضاها في ذلك المستوى، ولا يهمني ما الذي يعتقده الآخرون عن الفارق بيننا. لن أسمح له بأن يقف فوقي إلى الأبد.”
اقترب جاسبر من المكتب خطوة.
“القوة وحدها لا تكفي دائمًا. أنت تعلم ذلك. المشير الأعلى ليس رجلًا تستطيع التخلص منه بمجرد أن تقرر أنك تريد منصبه. لديه خبرته، وقوته، وولاء قادة الجيش. وإذا أخفقت…”
“لن أخفق.”
“وإذا حدث العكس؟”
ساد صمت قصير.
للمرة الأولى، اختفت الابتسامة عن وجه يوليوس، لكن ذلك لم يكن تراجعًا. لقد أصبح تعبيره أكثر جدية، كأن تحذير جاسبر قد دفعه إلى التوقف عن التعامل مع الأمر بوصفه فكرة بعيدة، وإلى الاعتراف بأنه يتحدث عن مخاطرة حقيقية قد تكلفه حياته.
ثم عادت الابتسامة.
“سأقتله حتمًا، جاسبر. ربما لن يحدث ذلك اليوم، وربما لن يحدث غدًا، لكنني سأجد الطريقة المناسبة. لن أسمح للفارق بين المتجلي الكامل والمجسد بأن يقرر مصيري نيابة عني.”
قال جاسبر:
“وإذا اضطررت إلى الانتظار سنوات؟”
“فسأنتظر.”
“وإذا لم تجد فرصة؟”
“فسأصنعها.”
لم يجد جاسبر جوابًا مناسبًا. كان يعرف أن يوليوس ليس رجلًا متهورًا يندفع وراء رغبة عابرة، بل رجل يستطيع الصبر والتخطيط والتظاهر بالطاعة حتى يضمن أن اللحظة التي يختارها ستكون في صالحه. وهذا ما جعل اعترافه أكثر خطورة من أي تهديد صريح.
فالرجل الذي يعلن تمرده يمكن الاستعداد لمواجهته، أما الرجل الذي يبتسم بينما يواصل أداء واجباته، فقد يكون قد بدأ الحرب داخل صفوفك قبل أن تدرك وجودها.
قال جاسبر أخيرًا:
“لماذا تخبرني بهذا؟”
نظر إليه يوليوس طويلًا، ثم أشار إلى المقعد مرة أخرى.
“لأنني لا أريد أن أكتشف، عندما يحين الوقت، أن أحد الجنرالات الذين أعتمد عليهم قد قرر الوقوف في الطريق الخطأ.”
“وهل تتوقع مني أن أشاركك؟”
“أتوقع منك أن تفكر.”
“وإذا رفضت؟”
لم تتغير ابتسامة يوليوس.
“فستظل جنرالًا في جيشي، ما دمت تؤدي واجبك. لن أطلب منك أن تتخذ قرارًا الليلة.”
كان ذلك مطمئنًا في ظاهره، لكنه لم يخفف من ثقل التهديد الكامن خلف الكلمات. لم يكن يوليوس يطلب ولاء جاسبر بالقوة؛ لقد كان يمنحه الوقت ليختار، وفي الوقت نفسه يذكّره بأن معرفته بهذا السر جعلته جزءًا من معادلة لم يعد يستطيع تجاهلها.
وقف جاسبر صامتًا، ثم انحنى انحناءة مقتضبة.
“سأفكر فيما قلته.”
“هذا كل ما أطلبه.”
اتجه الجنرال نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه.
“يوليوس.”
“نعم؟”
“إذا كنت تريد حقًا قيادة هذا الجيش، فلا تجعل رغبتك في الوصول إلى القمة هي السبب الذي يدمر كل شيء بنيته.”
لم يجب يوليوس.
خرج جاسبر وأغلق الباب خلفه، تاركًا المستشار الأعلى وحيدًا في خيمته الواسعة.
بقي يوليوس ينظر إلى الباب لبضع لحظات، ثم عاد ببصره إلى الخرائط. كانت الجبهة قد بدأت تأخذ شكلها النهائي، والطرق الجديدة تمتد عبر الأراضي الحدودية، والخيام تنتظم في صفوف محسوبة، ومئات الآلاف من الرجال يستعدون للحرب دون أن يدرك معظمهم أن مستقبل قيادتهم قد يصبح معركة أخرى لا تقل خطورة عن المعركة التي تنتظرهم خلف الحدود.
مد يده إلى إحدى العلامات التي تمثل موقع القيادة العامة، ثم نقلها قليلًا عن موضعها.
لم يكن المشير الأعلى مجرد خصم يقف بينه وبين السلطة. كان رجلًا يجب أن يختفي في الوقت المناسب، وبطريقة تجعل الجيش يخرج من موته أكثر تماسكًا، لا أكثر انقسامًا.
وهذه كانت المشكلة الحقيقية.
لم يكن يكفي أن يقتل المجسد.
كان عليه أن يضمن أن الجيش سيقبل النتيجة.
ابتسم يوليوس من جديد، ثم أعاد العلامة إلى مكانها.
“استمتع بمنصبك ما دمت تملكه، أيها المشير.”
رفع عينيه نحو مدخل الخيمة، حيث كانت أصوات الجنود والعمال تصل إليه من الخارج، متداخلة مع وقع المطارق وصيحات الضباط.
“عندما تبدأ الحرب، سأجعل هذا الجيش يعرف من الذي يقوده حقًا.”
ثم عاد إلى تقاريره، وكأن شيئًا لم يحدث.
……
ملاحظة المؤلف:
سأعتمد فصل واحد الفترة هذه بسبب بعض الصعوبات