الفصل 341 - الإمبراطور
في أقصى غرب الإمبراطورية على الحدود الداخلية يتمركز جبهة رئيسية للإمبراطورية تمتلك الإمبراطورية أكثر من عشرين جبهة قتالية و تتمثل في أربع جبهات رئيسية الجبهة الشمالية و الجبهة الشرقية و الجبهة الجنوبية و الجبهة الغربية
في كل جبهة من الجبهات الأربعة يقف مجسد واحد كقائد أعلى و الخط الدفاعي الأعظم للإمبراطورية و كان الهدف منه هو تقسم القوة العسكرية الخاصة بالإمبراطورية لأربعة أقسام و منع إتحادهم و بالطبع هذا لحماية سلطة الإمبراطور
لكن كل شيء تم كسره قبل عدة عقود بسبب حادثة عرفت بسقوط المبجل العظيم للإمبراطورية أرين كان سقوطه سببا في حدوث أحد أكبر الأزمات في وقته و التي عرفت سابقا بأزمة إنحذار الإمبراطورية
أولا و قبل كل شيء يعرف القادة الأربعة قائد الشمال و فارس الرحمة كاستر و قائد الغرب و الجبل الصامت فالور و قائد الجنوب و العرش المتحرك درافن و قائدة الشرق و نصل الإمبراطورية سيريوس كل واحد منهم بلغ مستوى التجسيد ليكونو قوى جبارة تتحرك
خلال أزمة الإنحذار إستغل كاستر فارس الرحمة و تلميذ المبجل خطوة جريئة لم يتخيلها أحد لقد أخضع الجبهات الأربعة و هزم القادة الثلاثة ليوحد الجبهة تحت رايته
ارتعب النبلاء و الإمبراطور عندما أدركوا الفاجعة التي حلت بهم و سارعوا في جمع القوة و الإستعداد و لكن ما كان متوقعا لم يحدث بل إستمر كاستر و باقي القادة في القيام بواجباتهم و حماية الإمبراطورية.
مضت السنوات و نست الإمبراطورية أزمتها و تعايشت مع واقعها و مع ذلك لم ينل الإمبراطور نوما هانئا أبدا خوفًا من التمرد في البداية إرتجف خوفا على حياته و بعدها رفض النوم أبدا لدرجة لجوئه للأدوية في البداية حاول مساعدوه طمئته و لكن حالته إزدادت سوءا رفض الأكل بعدها فجعل هذا من صحته موضوعًا رائجا في مجتمع النبلاء
في النهاية و رغم كونه متجسد قهره المرض و الخوف و سوء التغذية فأصبح يبدو كعجوز على مقتبل الموت لم يعد يظهر أمام الناس و أصبحت الرعشة جزءا من حياته و الخوف خليله الأعظم.
كانت زوجته أجمل إمرأة عرفتها الإمبراطورية بطبيعة الحال كانت متجلية كان جمالها رمزا للإمبراطورية المجيدة بأكملها يضرب بها المثل على أفواه النبلاء و العامة على حد سواء
أنجبت الإمبراطورة أربعة أبناء و لكن القدر كان ضدها فماتوا جميعا أو هذا ما كان منتشرا و لكن الحقيقة لها وجه ثاني انقسم النبلاء بين الأبناء الأربعة فكانت حياتهم ثمنا للجشع المتأصل في القصر الإمبراطوري
في البداية ظن الجميع أن الإنبراطورة ستنهار من موت أبناءها و لكن على عكس توقعاتهم رافعت رأسها شامخا لا تعرف التردد ولا الذل حينها بدأ الناس يمنحها رمزا آخر إلى جانب الجمال كانت رمزا للرزانة و الكبرياء
في البداية كان إرتباطها زواجا مدبرا سياسيا حاولت أن تكون إمرأة تستحق المكانة التي حصلت عليها أنجبت الورثة بإعتبارها واجبها الأسمى كإمبراطورة و لكن لم يسر أي شيء كما أرادت حاولت إنجاب ورثة لكنها تأخرت حاولت دعم زوجها لكنه لم يحتج إليها حاولت التغطية على عجزه لكنها فشلت
في البداية حاولت طمئنة زوجها أن كل شيء بخير و لكن مع كل يوم يمر عليها أمام زوجها الذي يعاني جعلها أسوء أرادت مساعدته لكنها لم تعرف كيف أرادت تخليصه من معاناته لكنها عاجزة كل ما إستطاعت فعله هو المشاهدة فقط زوجها و هو يتحطم قطعتا قطعة
مع مرور الوقت تحول الواجب إلى شيء آخر لم تستطع الإمبراطورة تسميته في البداية. لم تعد تنظر إلى زوجها باعتباره الرجل الذي ارتبطت به بموجب اتفاق سياسي، ولا الإمبراطور الذي أقسمت على الوقوف إلى جانبه، بل إنسانًا بائسًا ينهش الخوف روحه ببطء، عاجزًا عن النوم أو الأكل أو حتى الجلوس في قاعة دون أن تفضحه رعشة أطرافه. كانت تراه يستيقظ مذعورًا في منتصف الليل، يحدق في الأبواب المغلقة وكأن قادة الجبهات الأربعة سيقتحمونها في أية لحظة، ثم يلتفت إليها بعينين غائرتين ويسألها إن كانت قد سمعت شيئًا. وفي كل مرة كانت تجيبه بالنفي، كان يطلب منها أن تتأكد، ثم يأمر الحراس بتفتيش القصر، ويستدعي مساعديه ليسألهم عن تحركات كاستر وفالور ودرافن وسيريوس، وكأن أولئك الرجال الذين أمضوا سنوات في حماية إمبراطوريته ينتظرون اللحظة المناسبة لانتزاع رأسه.
في البداية، كانت تشفق عليه. كانت تجلس إلى جواره حتى الفجر، تمسك يده المرتجفة وتخبره بأن أحدًا لن يؤذيه، وأن الإمبراطورية لا تزال تحت حكمه، وأن القادة الأربعة لم يخونوا العهد الذي يربطهم بالتاج. وحين يرفض الطعام، كانت تطلب من الطهاة إعداد أطباق جديدة، ثم تجلس أمامه وتناشده أن يأكل ولو لقيمات قليلة. وحين يرفض النوم، كانت تبقى مستيقظة معه، تتظاهر بالهدوء بينما تراقب وجهه الشاحب وعينيه المحمرتين، وتخشى أن يموت بين ذراعيها قبل أن تتمكن من إقناعه بأن العالم لم ينتهِ بعد.
لكن الشفقة، مهما كانت صادقة، لا تستطيع أن تبقى على حالها إلى الأبد حين تتحول إلى عبء لا نهاية له.
بدأ الأمر بتعب صغير، بنفاد صبر لم تعهده في نفسها، ثم بنفور كانت تخجل حتى من الاعتراف بوجوده. صارت تكره استدعاءه لها في ساعات الليل المتأخرة، وتكره الطريقة التي يضغط بها على أصابعها كلما سمع وقع أقدام في الممرات، وتكره تلك النظرات التي يرمقها بها حين تغيب عنه قليلًا، وكأنه يشك في أنها تخلت عنه أو تآمرت عليه. لم يعد يراها زوجته، بل آخر جدار يفصله عن الهاوية، وكلما ازداد خوفه تشبث بها أكثر، حتى شعرت أحيانًا أنها لم تعد تملك جسدها أو وقتها أو حتى الحق في إغماض عينيها دون إذنه.
ومع ذلك، لم يكن خوفه وحده ما أثار كراهيتها.
كان الأمر أعمق من ذلك بكثير.
لقد كان إمبراطورًا، رجلًا بلغ مرتبة التجسيد، واحدًا من أولئك الذين يفترض أن إرادتهم قادرة على إخضاع العالم، ومع ذلك سمح للخوف بأن يلتهمه حتى لم يبقَ منه سوى ظل مرتجف. لم تستطع فهم كيف أمكن لرجل امتلك كل شيء أن يصبح عبدًا لشيء لم يحدث أصلًا. لقد كان كاستر يحمي الحدود، وفالور يقف في أقصى الغرب، ودرافن يحرس الجنوب، وسيريوس تصون الشرق، بينما ظل زوجها محاصرًا داخل قصره، يحكم إمبراطورية كاملة من وراء أبواب مغلقة، ثم يرتجف من احتمال أن ينقلب عليه أولئك الذين لم يرفعوا سيوفهم ضده قط.
كانت تراه يهمل شؤون الحكم، ويشك في أقرب مساعديه، ويعاقب خدمًا لمجرد أنهم تأخروا في تنفيذ أوامره، ثم يعود في المساء ليجلس أمامها باكيًا، يطلب منها أن تخبره بأنه لا يزال إمبراطورًا عظيمًا، وأن أحدًا لن يجرؤ على المساس به.
وفي كل مرة كان يفعل ذلك، كانت تشعر بشيء ينكسر داخلها.
كيف لرجل كهذا أن يكون زوجها؟
كيف يمكنها أن تحترم رجلًا لم يعد قادرًا على احترام نفسه؟
وكيف يمكنها أن تظل إلى جانبه بينما أصبح وجوده يستنزف منها كل ما تبقى من صبرها؟
كانت الأسئلة تثير اشمئزازها من نفسها أكثر مما تثيره من زوجها. فهي لم تتزوج رجلًا لتحبه، ولم تقطع على نفسها عهدًا بأن تكون رفيقة روحه في السراء والضراء؛ لقد تزوجت الإمبراطور، وقبلت مكانتها، وأنجبت أبناءها، وأدت كل ما طُلب منها. ومع ذلك، وجدت نفسها بعد سنوات تقف أمام رجل محطم لا تعرف كيف تساعده، ولا كيف تبتعد عنه، ولا حتى كيف تنظر إليه دون أن تشعر بالذنب.
ثم مات أبناؤها الأربعة.
أو هكذا قيل لها، وهكذا عرف العالم.
لم يكن هناك وقت كافٍ للحزن، ولا مساحة آمنة للانهيار. فالقصر الذي كان ينبغي أن يكون موطنًا لعائلتها تحول إلى ساحة صامتة للصراعات، والوجوه التي ابتسمت لها يومًا بدأت تتبادل النظرات خلف ظهرها، وكلما أُغلق باب خلف أحد أبنائها، فُتح باب آخر أمام نبيل يطمح إلى توسيع نفوذه. لم تعد خسارتها مجرد مأساة شخصية؛ لقد أصبحت دليلًا على أن الدم الملكي نفسه لم يعد كافيًا لحماية صاحبه.
وفي تلك الأيام، لم يكن زوجها إلى جانبها.
كان غارقًا في أوهامه، منشغلًا بما إذا كان كاستر سيزحف يومًا نحو العاصمة، وبما إذا كان فالور قد عقد اتفاقًا سريًا مع الجنوب، وبما إذا كان أحد الخدم قد دس السم في طعامه. حتى حين وصلته أخبار موت أبنائه، لم يستطع أن يمنحها ما كانت تحتاج إليه؛ بضع كلمات صادقة، أو لحظة ينسى فيها خوفه ويقف إلى جانبها بوصفه أبًا فقد أبناءه، لا إمبراطورًا يخشى أن يفقد عرشه.
وللمرة الأولى، أدركت الإمبراطورة أنها كانت وحيدة منذ زمن طويل.
لم تكن تكره زوجها لأنه ضعيف فحسب، بل لأنها اضطرت إلى مشاهدة ضعفه بينما كانت هي نفسها تتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى، ولأنه، حتى في اللحظات التي احتاجت فيها إليه، لم يستطع أن يرفع عينيه عن ظلال أعدائه المتخيلين ليرى المرأة التي تقف أمامه.
ومع مرور السنوات، لم تعد تشفق عليه كما كانت تفعل. صار صوته يثير في نفسها الضيق، ووجهه الشاحب يذكرها بكل ما فقدته، ورجفتاه تذكرانها بأن الرجل الذي كان يفترض أن يكون سندها لم يعد يملك القوة حتى ليسند نفسه. وفي بعض الليالي، حين تسمعه يصرخ من نومه أو ينادي حراسه مذعورًا، كانت تغمض عينيها بقوة وتتمنى لو استطاعت الهرب إلى مكان لا يصل إليه صوته، مكان لا تعرف فيه أحدًا ولا يعرفها أحد، مكان تستطيع فيه أن تعيش يومًا واحدًا دون أن تكون الإمبراطورة التي ينبغي عليها أن تتحمل كل شيء.
ثم حدث ما لم تكن تتوقعه.
في إحدى الليالي، دخلت جناحه بعد أن استدعاها مرارًا. وجدته جالسًا على حافة السرير، يحدق في يديه المرتجفتين، وقد تناثرت حوله قوارير الأدوية التي صار يعتمد عليها ليحصل على ساعات قليلة من النوم. كان جسده قد هزل إلى حد مخيف، ووجهه غائرًا، وشعره قد شاب على نحو لا يليق بعمره. وحين رآها، رفع رأسه ببطء، وبدا للحظة كأنه يحاول تذكر من تكون.
ثم قال بصوت خافت:
«هل تعتقدين أنهم سيقتلونني؟»
لم تجبه.
كرر السؤال، وهذه المرة كان صوته أشبه بصوت طفل يسأل أمه إن كان الوحش المختبئ تحت سريره سيخرج ليلتهمه.
«هل تعتقدين أن كاستر سيأتي من أجلي؟»
نظرت إليه طويلًا. لم ترَ الإمبراطور الذي ارتعدت له العواصم يومًا، ولا الرجل الذي تزوجته لتؤدي واجبها تجاه التاج، ولا حتى الزوج الذي كرهته في السنوات الأخيرة. رأت إنسانًا استنفد الخوف كل ما يملكه، ولم يعد قادرًا على التمييز بين الخطر والنجاة، أو بين الحاضر وكوابيسه.
ولسبب لم تفهمه، شعرت بالشفقة عليه مرة أخرى.
اقتربت منه وجلست إلى جواره، فقبض على يدها بسرعة، وكأنه يخشى أن تختفي إن تركها. كانت أصابعه باردة، وقبضته ضعيفة على نحو مؤلم. حدق فيها طويلًا، ثم انهمرت الدموع من عينيه، وراح يعتذر لها عن شيء لم يستطع حتى أن يسميه.
«أنا خائف»، همس. «لا أريد أن أموت.»
لم تقل له إن الجميع سيموتون يومًا، ولا إن الإمبراطور الذي يخشى الموت أكثر من أي شيء قد بدأ بالفعل يفقد حياته قطعة بعد أخرى. اكتفت بالنظر إليه، بينما كان ينهار أمامها، عاجزًا عن إخفاء شيء لم يعد لديه ما يخفيه.
وفي تلك اللحظة، فهمت أخيرًا ما كانت ترفض فهمه طوال هذه السنوات.
لم يعد زوجها يعيش من أجل شيء. لم يعد يحكم لأنه يريد أن يحكم، ولم يعد يتمسك بالعرش طمعًا في مجده أو حبًا في سلطته. لقد أصبح كل ما يفعله محاولة يائسة لتأجيل اللحظة التي يخشاها، حتى غدت حياته بأكملها عقوبة لا تنتهي، وكان هو نفسه سجينها وسجّانها.
وللمرة الأولى، لم تتمنَّ أن يستعيد قوته، أو أن يعود الرجل الذي كان عليه، أو أن ينهض من سريره ويواجه العالم كما ينبغي لإمبراطور أن يفعل.
تمنت فقط أن يرتاح.
أن ينام ليلة واحدة دون أن يطارده كاستر في أحلامه، أو يرى أبناءه الأربعة يموتون أمام عينيه، أو يستيقظ مذعورًا متوقعًا أن يجد سكينًا عند عنقه. تمنت أن يتوقف عقله عن تعذيبه، وأن تنطفئ تلك الرعشة التي لم تفارق جسده، وأن يجد أخيرًا ما عجزت هي عن منحه إياه طوال هذه السنوات.
الرحمة.
لكنها حين أدركت ما الذي تعنيه هذه الأمنية حقًا، سحبت يدها من يده ببطء.
لم تكن تتمنى له الشفاء بعد الآن.
ولم تعد تتمنى أن يعود زوجها الذي لم تحبه يومًا، ولا الإمبراطور الذي لم تستطع الاعتماد عليه.
لقد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على تخيل مستقبل يمكن أن يتحسن فيه حاله، ولم تعد تملك القوة لتظل إلى جواره حتى النهاية. كان بقاؤه حيًا يعني استمرار هذه المعاناة، ومعاناته تعني استمرار عذابها، ولم يبقَ في قلبها ما يكفي من الحب أو الواجب ليمنحها سببًا آخر لتحمل ذلك كله.
ومع ذلك، لم تستطع أن تكرهه كما كرهته من قبل.
فالكراهية تحتاج إلى شخص ما زال قادرًا على إيذائك، أما الرجل الجالس أمامها فلم يعد قادرًا حتى على حماية نفسه من أفكاره.
وهكذا، في أعماق تلك الليلة، وللمرة الأولى منذ سنوات، تمنت الإمبراطورة أن يموت زوجها.
لم تتمنَّ موته انتقامًا، ولا رغبة في الاستيلاء على شيء يملكه، ولا حتى لأنها أرادت التحرر من القيود التي فرضها عليها. لقد تمنته لأن الموت، الذي قضى الإمبراطور حياته كلها يهرب منه، بدا لها أخيرًا أرحم من الحياة التي تركته يعيشها.
وحين نهضت لتغادر، سمعت صوته خلفها.
«لا تتركيني وحدي.»
توقفت يدها فوق مقبض الباب.
لم تلتفت إليه.
ظلت واقفة للحظات، وعيناها مثبتتان على الأرض، بينما تنازعت داخلها المرأة التي كانت تشفق عليه، والزوجة التي كرهته، والإمبراطورة التي لم يعد أمامها سوى أداء آخر واجباتها.
ثم فتحت الباب وغادرت.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد تخشى اليوم الذي يموت فيه زوجها.
بل بدأت تخشى أن يطول انتظاره أكثر مما تستطيع احتماله.
……
ملاحظة المؤلف:
سيكون هناك فصل واحد فقط اليوم