الفصل 340 - عودة الغائبين
كانت المدينة المقدسة هادئة على نحو يصعب تصديقه لمن تابع أخبار الإمبراطورية خلال الأسابيع الماضية. لم تصل إليها المعارك، ولم تتعرض أسوارها لأي حصار، وظلت أسواقها تعمل كالمعتاد. ومع ذلك، لم تعد الحياة فيها كما كانت قبل سقوط فيلمونت وانهيار الجبهات الشمالية. فقد انشغلت أوغستا بتنظيم عمليات مساعدة المتضررين، بينما بدأت قوافل المؤن والدواء تغادر المدينة نحو المناطق التي فقدت طرق إمدادها، وصار بيت العدالة يستقبل يوميًا تقارير عن أوضاع القرى والمدن التي لم تعد تعرف ما الذي سيحدث لها في الأيام المقبلة.
وسط هذه الانشغالات، كان دارون يجلس في إحدى حدائق بيت العدالة، يتأمل تقريرًا عن الطرق التجارية التي بدأت تستعيد نشاطها بعد سقوط فيلمونت. لم يكن التقرير مثيرًا للاهتمام بحد ذاته، لكنه منحه عذرًا للبقاء في مكان هادئ بعيدًا عن قاعات الاجتماعات والرسائل المتراكمة.
سمع وقع خطوات تقترب منه، ثم جاءه صوت يعرفه جيدًا.
«كنت أتوقع أن أجدك في مكان أكثر إثارة من هذا.»
رفع دارون رأسه، فرأى فولك يقف على بعد خطوات منه، مرتديًا معطفًا داكنًا أنيقًا، وعلى وجهه ابتسامة مألوفة لم تتغير كثيرًا رغم مرور الوقت.
نهض دارون من مقعده.
«وكنت أتوقع أن أجدك محاطًا بعشرات التجار يتجادلون حول الأسعار و الأموال.»
ضحك فولك ومد يده إليه. «تركت لهم هذه المهمة. لدي ما يكفي من الجدال في اجتماعاتي.»
تصافح الاثنان، لكن فولك لم يبتعد فورًا. تأمل وجه دارون لحظة، وكأنما يتأكد من أن الرجل الذي أمامه هو نفسه الذي غاب عنه طوال هذه المدة.
«أخيرًا»، قالها بهدوء، ثم أضاف: «لقد طال غيابك يا رجل.»
«يبدو أنك لم تشتق إليّ كثيرًا، ما دمت انتظرت كل هذا الوقت قبل أن تأتي.»
«لو كنت أعلم أنك ستبقى في المدينة المقدسة، لجئت في اليوم نفسه. لكنني كنت مشغولًا بمحاولة منع تجار الإمبراطورية من قتل بعضهم بعضًا على أسعار النقل.»
جلس دارون وأشار إليه بالجلوس قبالته. «هل نجحت؟»
«نجحت في جعلهم يؤجلون قتل بعضهم حتى ينتهوا من التفاوض. أعتبر ذلك تقدمًا مقبولًا.»
ابتسم دارون. كانت هذه أول مرة منذ مدة يجلس فيها مع فولك دون أن يضطر أي منهما إلى التفكير في خطر وشيك أو قرار لا يحتمل التأجيل. لكن الابتسامة لم تدم طويلًا، إذ انتقل نظر دارون إلى وجه صديقه، ثم قال بجدية:
«أخبرني، ماذا حدث في حرب فيلمونت؟ سمعت الأخبار عن سقوطه، وعن انتصار قواتنا، لكنني لم أكن هناك، ولم تصلني إلا روايات متفرقة. أريد أن أعرف ما حدث فعلًا.»
اختفت ابتسامة فولك تدريجيًا، وأراح ظهره إلى المقعد.
«إذن تريد سماع القصة من شخص لم يخض المعارك بنفسه، أنت تعلم أنني بقيت في أوسترين.»
«أريد أن أسمع ما تعرفه، لا أكثر.»
«حسنًا. لكنني أظن أن إيفان يستطيع أن يمنحك صورة أدق عن بعض ما حدث. لقد عاد إلى أوسترين مؤخرًا، وأعتقد أنه في طريقه إلينا الآن.»
رفع دارون حاجبيه. «إيفان عاد؟»
«وصل قبل قليل. كنت أنوي إخبارك بذلك، لكنني أردت أن أراك أولًا.»
لم يمضِ وقت طويل قبل أن يظهر إيفان عند مدخل الحديقة. كان يرتدي ملابس سفر داكنة، وقد بدت عليه علامات الإرهاق التي لم تستطع محاولاته إخفاءها. توقف حين رأى الرجلين، ثم قال:
«كنت أعرف أنك ستجد مكانًا هادئًا تختبئ فيه يا دارون.»
التفت دارون نحوه ونهض.
«إيفان.»
تبادل الاثنان نظرة صامتة لثوانٍ، ثم اقترب دارون وصافحه، قبل أن يجذبه إلى عناق قصير. لم يكن أي منهما معتادًا على التعبير المطول عن مشاعره، لكن طول الغياب جعل تلك اللحظة أكثر أهمية مما كانا سيعترفان به.
قال دارون حين ابتعد عنه: «متى وصلت؟»
«قبل قليل. أخبرني أحد الحراس أنك هنا، فقررت أن أتحقق بنفسي.»
نظر إلى فولك وأضاف: «ويبدو أنني لم أكن الوحيد الذي أراد رؤيته.»
وقف فولك وصافحه بقوة، ثم أمسك بذراعه لحظة يتفحصه.
«أنت حي.»
رد إيفان: «كنت أتمنى أن يكون أول ما تقوله شيء مبشر.»
«كنت سأقول إنك تأخرت، لكنني قررت أن أبدأ بما هو أهم.»
«هذا تطور ملحوظ في أسلوبك لإغاضة الآخرين»
ضحك فولك، ثم أشار إلى المقعد. جلس إيفان أخيرًا، ولم يحاول إخفاء حاجته إلى الراحة. كانت آثار الحرب لا تزال واضحة عليه، ليس في الجروح التي لم تلتئم تمامًا فحسب، بل في الطريقة التي أخذ بها نفسًا عميقًا قبل أن يستقر في مكانه.
لاحظ دارون ذلك، لكنه لم يعلق. أراد أولًا أن يسمع منه ما حدث.
قال وهو ينظر إلى إيفان: «أخبرني عن الحرب. كيف سارت الأمور بعد أن بدأت المقاومة تتحرك ضد فيلمونت؟ وما الذي حدث في مدينة البخار؟»
تبادل إيفان وفولك نظرة قصيرة، ثم بدأ إيفان يتحدث.
«لم تكن الأمور تسير وفق خطة واحدة كما قد تتصور. كانت هناك جبهات متعددة، ولكل مجموعة أهدافها وحساباتها. بعض المدن انتفضت حين أدركت أن سلطة فيلمونت لم تعد قادرة على حمايتها، وبعضها انتظر حتى تتضح هوية المنتصر. أما القوات التي شاركت في القتال، فقد اضطرت إلى التعامل مع خصوم لم يكن من الممكن تجاهلهم، حتى عندما كان الهدف الأساسي هو إسقاط الدوق.»
سأل دارون: «وماذا عن هارالد؟»
تغيرت ملامح إيفان قليلًا. لم يكن اسم هارالد مجرد اسم لقائد واجهه في ساحة القتال؛ فقد ارتبط في ذاكرته بواحدة من أصعب المواجهات التي خاضها خلال الحرب.
«واجهته في مدينة البخار. لم يكن من النوع الذي يسمح لك بإنهاء المعركة بالطريقة التي تريدها. كلما ظننت أنك فهمت أسلوبه، أجبرك على التعامل مع شيء جديد. لم يكن الأمر مجرد تفوق في القوة؛ كان يعرف كيف يفرض إيقاع المعركة على خصمه، وكيف يستغل اللحظة التي يتردد فيها.»
«وكيف انتهى القتال؟»
«انتهى بانتصارنا، لكن ليس بسهولة. اضطررت إلى تجاوز حدود قدرتي أكثر مما كنت أريد، وكانت هناك لحظات لم أكن متأكدًا فيها من أنني سأخرج حيًا.»
ظل دارون ينظر إليه باهتمام. «هل تمكنت من قتله؟»
«نعم.»
ساد صمت قصير.
لم يحاول إيفان أن يروي المعركة بوصفها إنجازًا بطوليًا، ولم يتحدث عن لحظة سقوط خصمه كما لو كانت نهاية كل شيء. قالها ببساطة، ثم خفض نظره إلى يديه.
«كنت أظن أنني سأشعر براحة أكبر بعد موته. أردت هزيمته، وأردت أن أخرج من تلك المواجهة منتصرًا. لكن عندما انتهى الأمر، لم أجد الشعور الذي كنت أتوقعه. كنت متعبًا، ومصابًا، ولم أستطع التوقف عن التفكير في الذين لم يعودوا معنا.»
لم يقاطعه دارون. كان يعرف أن إيفان لا يتحدث بسهولة عن هذه الأمور، وأنه يحتاج إلى أن يجد كلماته بنفسه.
تابع إيفان: «بعد ذلك، بدأت أخبار سقوط فيلمونت تصلنا تباعًا. تحركت القوات التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة، واستسلم بعض المسؤولين، بينما حاول آخرون الفرار أو التفاوض لضمان بقائهم في مناصبهم. انتهت سلطة الدوق، لكن ذلك لم يعنِ أن كل ما بناه اختفى في اليوم نفسه.»
قال فولك: «وهذه هي المشكلة التي نواجهها الآن. سقوط فيلمونت أنهى حكم رجل، لكنه لم يمحُ العقود والديون والمصالح التي ربطت المدن به. بعض التجار استفادوا من نظامه، وبعض العائلات لا تزال تحاول استعادة ما فقدته. إذا لم ننتبه، فقد نسمح للأوضاع القديمة بالعودة تحت أسماء جديدة.»
التفت دارون إليه. «وهل تستطيع الرابطة التجارية تغيير ذلك؟»
«لا تستطيع إصلاح كل شيء، لكنها تستطيع منح المدن خيارات لم تكن متاحة لها من قبل. إذا بقيت كل مدينة معتمدة على طريق واحد أو تاجر واحد أو جهة واحدة، فستجد نفسها في المأزق نفسه عندما يتغير صاحب السلطة. أريد أن أبني شبكة تجعل التجارة أكثر مرونة، وتسمح للمدن بالتعامل مع شركاء متعددين.»
«وماذا عن غولدينفيلد؟»
أومأ فولك. «إنها من أولوياتي. أريد أن تتاح للعائلات التي فقدت أراضيها فرصة استعادتها، وأن نمنع القروض من التحول إلى قيود دائمة. لكن الأمر يحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ لا يمكننا إلغاء كل الديون دفعة واحدة دون معرفة من يملكها، ومن تضرر منها، وما الذي حدث للأصول التي كانت ضمانًا لها.»
قال إيفان: «المهم ألا تصبح إعادة البناء ذريعة لإجبار الناس على الاقتراض من جديد.»
«أتفق معك.»
ظل دارون يستمع إليهما، محاولًا جمع ما سمعه في صورة واحدة. لم يكن سقوط فيلمونت نهاية قصة بقدر ما كان بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. ففي ساحة القتال، كان العدو واضحًا، حتى لو كان قويًا. أما بعد انتهاء الحرب، فقد أصبح على الناجين التعامل مع آثار قرارات اتخذها أشخاص لم يعودوا موجودين، ومع مصالح لا تختفي لمجرد أن من أنشأها مات.
قال دارون: «وماذا حدث في اللحظات الأخيرة؟ أعني سقوط فيلمونت نفسه. هل كان هناك مجال للتفاوض، أم أن الأمور وصلت إلى نقطة لم يعد فيها التراجع ممكنًا؟»
أجاب إيفان بعد تفكير: «كانت هناك تدخل خارجي، لكنني لن أزعم أنني أعرف كل ما دار خلف الأبواب المغلقة. ما رأيته بنفسي هو أن المعركة تجاوزت في مراحلها الأخيرة حدود الصراع على الحكم. لم يعد الأمر متعلقًا بمن سيجلس في مكان فيلمونت، بل بما كان مستعدًا لفعله كي يمنع الآخرين من الوصول إليه.»
لم يضف تفاصيل لم يشهدها، ولم يحاول أن يملأ الفراغات بتخمينات. وكان ذلك كافيًا ليفهم دارون أن بعض ما حدث سيحتاج إلى وقت طويل قبل أن تتضح صورته كاملة.
تنهد دارون، ثم قال: «يبدو أنني فاتني الكثير.»
رد إيفان: «وأنت؟ ماذا حدث لك طوال هذه المدة؟ آخر ما عرفته أنك كنت متجهًا إلى كاستر، ثم اختفت أخبارك تقريبًا. لم أكن أعرف إن كنت ستعود إلى المدينة المقدسة أصلًا.»
نظر دارون إلى فولك، الذي كان ينتظر هذا السؤال منذ بداية اللقاء.
قال فولك: «في الواقع، هذا ما كنت أريد أن أسألك عنه أيضًا. سمعت أنك بقيت بجانب أوغستا، وأنك ساعدتها في بعض الأمور، لكن الأخبار التي وصلتني لم تشرح شيئًا. أين ذهبت بعد لقائك بكاستر؟ وماذا حدث خلال تلك الفترة؟»
لم يجب دارون فورًا. لم يكن يريد أن يحول اللقاء إلى سرد لكل ما مر به، ولا أن يخفي عن صديقيه أمورًا قد تؤثر في فهمهما لما حدث. كانت هناك تفاصيل لا يزال يحاول ترتيبها في ذهنه، وأخرى لم يكن متأكدًا من قدرته على شرحها دون أن يفتح أسئلة جديدة.
قال أخيرًا: «قابلت كاستر، وسلمته قلادة أرين. تحدثنا عن أوغستا وعن موقفه من التحركات التي تقودها. لم يكن مستعدًا للانضمام إلى أي طرف، لكنه وافق على ألا يجرنا أنا و أوغستا إلى الصراع ما دمنا نحافظ على الحياد.»
سأل إيفان: «وهل أخبرك بشيء عن أرين؟»
«ليس بالقدر الذي كنت أتمناه. قال إن أرين اتخذني خليفة له، وإنه أراد أن يصلني ذلك الخبر. أما ما كان يفكر فيه أرين فعلًا، وما الذي دفعه إلى اتخاذ قراراته الأخيرة، فلا تزال لدي أسئلة بلا إجابات.»
أومأ إيفان، ثم ترك له المجال للمتابعة.
«بعد ذلك عدت إلى المدينة المقدسة مع جينيفير. كانت هناك مشكلة تتعلق بقدرتها، واضطررت إلى التدخل لمحاولة مساعدتها.»
قطب فولك حاجبيه. «أي نوع من المشكلات؟»
تردد دارون لحظة، ثم قال: «قدرتها مرتبطة بقراءة الروح. استخدمتها عليّ، لكن ما رأته لم يكن شيئًا تستطيع فهمه، وبعد ذلك بدأت حالتها تتدهور. أصبحت مشاعرها ورغباتها متمحورة حولي بطريقة لم تستطع السيطرة عليها.»
لم يقاطعه فولك، بينما بدت علامات القلق على وجه إيفان.
تابع دارون: «حاولت مساعدتها باستخدام العقل الفعّال. كنت أرى خيوط إرادتها، ثم بدأت أفهم أشياء مختلفة لم أتطرق إليها من قبل. ظننت أنني أستطيع تغيير نمط جعل رغباتها تعود إليّ باستمرار، لكنني كدت أدمر قدرتها على فهم نفسها.»
«كدت تدمرها؟» سأل فولك، وقد اختفت كل خفة كانت في صوته.
«نعم. لم أكن أفهم ما الذي سأؤثر فيه بالكامل. استطعت إيقاف الانهيار، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تتعافى، ولا أستطيع أن أضمن أن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه.»
ظل فولك صامتًا لحظات، ثم سأل: «وهل تعرف سبب ما حدث لها؟»
«لا. أعرف أن ما فعلته أثّر في حالتها، لكنني لا أعرف إن كان هو السبب الأصلي. هناك أمور كثيرة لا أفهمها بعد.»
تبادل فولك وإيفان نظرة سريعة. لم يكن أي منهما يعرف ما يكفي عن طبيعة العقل الفعّال ليحكم على ما حدث، لكنهما أدركا أن الأمر لم يكن مجرد تجربة نجحت أو فشلت. لقد اقترب دارون من شيء لم يفهم حدوده، ودفع شخص آخر ثمن ذلك.
قال إيفان: «وهل هي أفضل الآن؟»
«بدأت تتحسن. تستطيع التركيز في أمور أخرى، وبدأت تستعيد قدرتها على اتخاذ قرارات معقولة. لكنني لا أريد أن أتعامل مع تحسنها كما لو كان دليلًا على أنها تعافت تمامًا.»
أومأ إيفان. «هذا أفضل ما يمكنك فعله في الوقت الحالي.»
أما فولك، فقد بقي ينظر إلى دارون بنظرة متفحصة، ثم قال: «وماذا عنك؟»
رفع دارون عينيه إليه.
«أخبرتنا بما حدث لها، وبما حاولت فعله، لكنك لم تخبرنا بما حدث لك أنت. هل اكتشفت شيئًا عن قدرتك؟ هل تغير شيء في فهمك لنفسك؟»
لم يكن السؤال اتهامًا، بل محاولة لفهم ما وراء الكلمات. كان فولك يعرف دارون بما يكفي ليدرك أنه لا يتحدث عن الأمور التي تشغله كلها، خصوصًا حين تكون الإجابات غير مكتملة.
قال دارون: «اكتشفت أن العقل الفعال له إمكانيات أكبر مما ظهر حتى الآن، وأن هذا لا يعني أنني أفهم ما أفعله. كنت أعتقد أن رؤية خيوط الإرادة وتحليلها ستمنحني القدرة على فهمها، لكنني وجدت أن هناك طبقات أعمق، وأن التدخل في الروابط قد يؤثر في أمور لم أكن أراها أصلًا.»
«وهل أخبرت أحدا آخر عما فعلته؟»
«أخبرت أوغستا فقط بما حدث حتى الآن»
«و ماذا أخبرتك عنها؟»
«حذرتني من أن القدرة على التأثير في إرادة الآخرين قد تصبح أخطر من فرض الأوامر عليهم. إذا استطعت تغيير ما يجعل الشخص يرغب في شيء، فقد يظن أنه اختاره بنفسه حتى لو لم يكن القرار نابعًا منه كما كان من قبل.»
سكت فولك قليلًا، ثم قال: «إنها محقة في الخوف من ذلك الاحتمال.»
«أعرف.»
تدخل إيفان قبل أن يصبح الحديث أكثر حدة. «المهم أنك أدركت الخطر قبل أن تتعامل معه باستخفاف. لا أعرف إن كان بإمكانك منع كل خطأ، لكنك على الأقل تعرف الآن أنك لا تستطيع فرض نفسك على الآخرين بسهولة.»
نظر إليه دارون، ثم أومأ. «هذا ما أحاول تعلمه.»
ساد الصمت للحظات. لم يكن الصمت محرجًا، بل كان أشبه باستراحة يحتاج إليها كل منهم بعد أن وضع جزءًا من الفترة الماضية أمام الآخرين.
ثم استند فولك إلى مقعده وقال: «حسنًا، يبدو أن كليكما عاد من تجربته الخاصة وهو يحمل هموما أكثر مما كان يحمل قبلها.»
قال إيفان: «على الأقل إنتهى حكم فيلمونت و الآن أنا متفرغ بشكل رائع»
«لا تقلق، لديّ ما يكفي من الأعمال لأمنحك فرصة لاكتشاف ذلك.»
«سأحتاج إلى بضعة أيام من الراحة أولًا.»
«ثلاثة أيام.»
«يومان.»
تدخل دارون: «أربعة.»
التفت إيفان إليه ببطء. «أنت تستمتع بهذا، أليس كذلك؟»
«قليلًا.»
ضحك فولك، وعادت إلى الجلسة بعض خفتها الأولى. لكن هذه المرة لم تكن الضحكات محاولة لتجنب الحديث عن الماضي، بل علامة على أن الحديث قد انتهى عند الحد الذي استطاعوا الوصول إليه.
نهض إيفان بعد قليل، وقد بدا التعب عليه أكثر من ذي قبل. أصر فولك على مرافقته إلى غرفته، بينما بقي دارون في الحديقة يجمع أوراقه.
وقبل أن يبتعدا، توقف إيفان والتفت إلى دارون.
«أنا سعيد لأنك بخير.»
أجابه دارون دون تردد: «وأنا سعيد لأنك عدت أنت أيضًا.»
ثم تابع السير لعدة أمتار.
بعد خطوات قليلة، قال إيفان: «لكنني لن أتركك تختبئ خلف عبارة أنك لا تفهم ما حدث إلى الأبد. عندما تكون مستعدًا، أريد أن أسمع بقية القصة.»
«ستسمعها.»
«سأذكّرك بذلك.»
ابتسم إيفان ابتسامة متعبة، ثم واصل طريقه.
أما دارون، فظل في الحديقة لبعض الوقت بعد مغادرتهما. كان لقاء اليوم قد منحه ما أراد معرفته بعد غيابه ، لكنه لم يمنحه إجابات كافية ليطمئن. لقد عاد صديقه، غير أن شيئًا في طريقته في الحديث يوحي بأنه دخل منطقة من المعرفة لا يستطيع الرجوع منها إلى جهله السابق.
وفي المدينة المقدسة، التي بقيت بعيدة عن ساحات القتال، بدأت حياة الرجال الثلاثة تتقاطع من جديد. عاد إيفان من الحرب وهو يحاول فهم ما تركته وراءه، وعاد دارون من رحلته وهو يحاول فهم ما اكتشفه عن نفسه، بينما واصل فولك بناء شبكة تجارية قد تصبح ذات يوم أكبر من الحدود التي تفصل مدن الإمبراطورية.
لم تكن أمام أي منهم إجابات نهائية، ولم يكن أحدهم يعرف ما الذي سيأتي بعد ذلك.