الفصل 339 - ثمن المساعدة
لم يكن وصول فولك إلى المدينة المقدسة مفاجئًا لأوغستا، فقد بدأ التواصل بينهما قبل أيام، حين وصلت إلى بيت العدالة رسالة تحمل اقتراحًا تجاريًا واضحًا، لا يخلو من الطموح ولا يتظاهر بالإحسان الخالص.
كان فولك مستعدًا لتقديم تمويل معتبر لعمليات المساعدة التي تقودها أوغستا في المناطق المتضررة من انهيار الجبهات الشمالية، على أن يمنح بيت العدالة تجارته تسهيلات رسمية في المدن الخاضعة لنفوذه أو التي تربطه بها علاقات تسمح له بالتفاوض نيابة عنه. أراد أن يتمكن تجاره من دخول تلك المدن ومزاولة أعمالهم بسهولة، وأن تُختصر الإجراءات التي تعطل حركة البضائع، وألا يضطر إلى إعادة التفاوض من الصفر مع كل مسؤول محلي يملك ختمًا وسلطة محدودة.
لم يطلب فولك أن يصبح مسؤولًا عن عمليات الإغاثة، ولم يشترط أن تحمل القوافل اسمه، ولم يحاول أن يربط التمويل بولاء سياسي لأوغستا. كان عرضه أبسط من ذلك، وربما لهذا السبب كان يستحق دراسة جادة: هو يوفر المال الذي تحتاج إليه عمليات المساعدة، وهي تفتح أمامه أبوابًا تجارية يصعب عليه الوصول إليها بالسرعة نفسها من دون تعاون بيت العدالة.
لم يكن ذلك عملًا خيريًا، ولم يدّعِ أحد أنه كذلك.
لكن أوغستا كانت تعرف أن الاتفاقات التي تبدأ بتبادل المصالح قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى روابط يصعب فكها. فالمال الذي ينقذ قرية اليوم قد يمنح صاحبه نفوذًا على سوقها غدًا، والتسهيلات التي تُمنح لتاجر مقابل تمويل المساعدات قد تصبح سابقة يطالب بها عشرات التجار الآخرين. لم يكن عليها أن ترفض الصفقة لمجرد أن فولك سيستفيد منها، بل أن تتأكد من أن استفادته لن تأتي على حساب الناس الذين تحاول حمايتهم.
لهذا لم تمنحه موافقة نهائية عبر الرسائل. أخبرته أنها مستعدة للتفاوض، وأنها تريد مناقشة تفاصيل الاتفاق وجهًا لوجه قبل اتخاذ أي قرار.
وفي صباح اليوم المحدد، كان مكتبها مزدحمًا بالتقارير.
وُضعت على الطاولة خرائط للمناطق الشمالية، وقوائم بالمؤن المتاحة، ورسائل من مسؤولين محليين يطلبون المساعدة. بعض المدن فقدت طرق إمدادها بعد تقدم الأعداء، وبعض القرى اضطرت إلى استقبال عائلات فرت من مناطق القتال، فيما بدأت أسعار الحبوب ترتفع في الأسواق التي لم تصل إليها الحرب مباشرة، بسبب خوف التجار من إرسال بضائعهم إلى المناطق غير المستقرة.
لم تصل الحرب إلى المدينة المقدسة، ولم يسمع سكانها أصوات المعارك إلا من روايات العائدين. ومع ذلك، كانت آثارها حاضرة في كل ملف على مكتب أوغستا.
كان تمرد الجبهة ضد الإمبراطور قد أدخل الإمبراطورية في صراع داخلي لم تتضح نهايته بعد، ثم استغل الأعداء انشغالها واضطرابها، مستفيدين من الثغرات التي خلفها الاتفاق الذي كان يفترض أن يضمن الاستقرار. وانهارت الجبهات الشمالية تباعًا، تاركة وراءها مناطق لا تعرف إن كانت القوات التي تحميها ستبقى في مواقعها حتى المساء.
لم تكن أوغستا تسعى إلى حسم التمرد، ولا إلى تقرير من يستحق العرش. كان هدفها أن تصل المساعدات إلى المتضررين، وأن تمنع الصراع على السلطة من تحويل المدنيين إلى ضحايا لا يلتفت إليهم أحد.
طرقت إحدى مساعداتها الباب ودخلت تحمل رسالة مختومة.
«وصل تأكيد فولك. سيصل قبل الظهيرة، ومعه النسخة المعدلة من اقتراحه.»
رفعت أوغستا رأسها عن الأوراق. «هل وافق على فصل التمويل عن القرارات المتعلقة بتوزيع المساعدات؟»
«لم يرفض ذلك، لكنه طلب أن تناقشوا آلية الرقابة على الأموال. يريد ضمانًا بأن التمويل سيُستخدم في الأغراض المتفق عليها.»
«هذا حقه. أموال المساعدات لا ينبغي أن تُصرف بلا حساب، سواء جاءت من متبرع أو تاجر.»
ترددت المساعدة قبل أن تضيف: «هناك أمر آخر. ممثلو بعض الشركات التجارية بدأوا يسألون عن الاتفاق. يبدو أن خبر المفاوضات وصل إليهم.»
لم تبدُ أوغستا متفاجئة. «من الطبيعي أن يهتموا. إذا حصل فولك على تسهيلات تجارية في مدننا، فسيريد آخرون معرفة ما إذا كان بإمكانهم الحصول على الشروط نفسها.»
«وهل سنمنحهم إياها؟»
أغلقت أوغستا الملف الذي أمامها.
«لن نمنح أحدًا امتيازًا لمجرد أنه يملك المال، ولن نرفض التعامل مع شخص لمجرد أنه يسعى إلى الربح. سننظر إلى كل اتفاق بحسب شروطه وما يترتب عليه. لكنني لن أسمح بأن تصبح مساعدة المتضررين مزادًا يتنافس فيه التجار على شراء النفوذ.»
غادرت المساعدة، وعادت أوغستا إلى عملها حتى وصل خبر حضور فولك.
استقبلته في إحدى قاعات بيت العدالة المخصصة للاجتماعات الرسمية. لم تكن القاعة كبيرة كقاعة الاحتفالات، لكنها كانت واسعة بما يكفي لوضع خريطة طويلة على الطاولة، تحيط بها مقاعد خشبية ورفوف تحمل سجلات الاتفاقات السابقة.
دخل فولك بصحبة اثنين من مساعديه، ثم طلب منهما الانتظار في الخارج. لم يكن بحاجة إلى جمهور يشهد المفاوضات، ولم يكن يريد أن تتحول المناقشة إلى استعراض للقوة المالية التي يستطيع حشدها.
صافح أوغستا وجلس قبالتها.
قالت: «وصلني اقتراحك المعدل.»
«وأتمنى أن يكون أقرب إلى ما تستطيعين قبوله.»
«هذا يعتمد على ما إذا كنت قد عدّلت الشروط أم أنك غيّرت طريقة عرضها فحسب.»
ابتسم فولك ابتسامة مقتضبة. «أفضّل أن نناقش الأرقام بدلًا من أن نناقش نواياي. الأرقام قد تخطئ، لكنها على الأقل لا تدّعي أنها فضيلة.»
لم تجبه أوغستا بابتسامة، لكنها فتحت الملف.
«لنبدأ بالتمويل. ما المبلغ الذي أنت مستعد لتقديمه؟»
ذكر فولك مبلغًا محددًا، ثم شرح كيفية تحويله على دفعات مرتبطة بمراحل تنفيذ عمليات الإغاثة. لن يسلّم كامل المبلغ دفعة واحدة، بل سيخصص جزءًا أوليًا لشراء المؤن والأدوية، ثم يواصل التمويل وفق تقارير توضح ما أُنفق وما وصل إلى المناطق المستهدفة.
استمعت أوغستا حتى انتهى، ثم سألت: «هل التمويل قرض؟»
«لا. لن أطالب بيت العدالة بإعادة الأموال.»
«إذن كيف تسترد استثمارك؟»
«من خلال النشاط التجاري الذي سيصبح ممكنًا إذا حصلت على التسهيلات المتفق عليها. أنا لا أمول المساعدات على أمل استرداد المبلغ من خزانتك، بل لأن الاتفاق التجاري يمنحني فرصة لتوسيع أعمالي.»
قالت أوغستا: «وهذا يعني أن نجاحك التجاري مرتبط بمدى نجاح عملياتنا في فتح الطرق واستقرار المدن.»
«جزئيًا، نعم. كلما أصبحت الطرق أكثر أمانًا، زادت فرص التجارة. لكنني لا أتوقع منك أن تضمن لي استقرار الإمبراطورية. لو كنت أبحث عن ضمان كهذا، لكان عليّ أن أنتظر حتى تنتهي الأزمة، وعندها لن تكون المساعدة التي أقدمها الآن ذات القيمة نفسها.»
قلبت أوغستا صفحة من الوثيقة. «أما التسهيلات التجارية، فأنت تريد أن يتمكن تجارك من دخول المدن التي نملك فيها نفوذًا بسهولة، وأن يتعاملوا مع إداراتها من دون المرور بالإجراءات الطويلة المعتادة.»
«بالضبط. لن أطلب إعفاءً من الضرائب، ولن أطالب بحقوق لا يحصل عليها التجار المحليون. ما أريده هو نظام واضح للتسجيل والتصاريح، واعتراف متبادل بالعقود التجارية، وإمكانية نقل البضائع بين المدن من دون أن يضطر كل تاجر إلى دفع رسوم جديدة أو الحصول على موافقة منفصلة عند كل حدود داخلية.»
«بعض تلك المدن لا تخضع لسلطتنا المباشرة.»
«أعرف ذلك. لهذا لا أطلب منك إصدار أوامر إلى حكامها. أريدك أن تساعديني في التفاوض معهم، وأن تمنحي الاتفاق صفة رسمية حين يوافقون عليه. أما المدن التي لا نستطيع الوصول إلى اتفاق معها، فلن أطالبك بإجبارها.»
بدت الإجابة منطقية. لم يكن فولك يطلب من أوغستا أن تتصرف كحاكمة لإمبراطورية لا تملكها، بل أن تستخدم مكانتها وعلاقات بيت العدالة لفتح الأبواب أمامه.
ومع ذلك، لم تكن المشكلة في حقه في التجارة، بل في طبيعة النفوذ الذي قد ينشأ عن ذلك الحق.
قالت أوغستا: «لنفترض أن تجارك دخلوا مدينة تعاني نقصًا في الطعام. لديهم المال والمخازن ووسائل النقل، بينما يفتقر السكان إلى القدرة على الشراء. هل ستسمح لشركاتك برفع الأسعار وفق العرض والطلب؟»
أجاب فولك دون تردد: «في الظروف الطبيعية، لن أتدخل في كل صفقة تجارية. لكن إذا كانت هناك أزمة غذائية حقيقية، فسأقبل بآلية طوارئ تحد من الاستغلال، شرط أن تكون محددة وواضحة.»
«ومن يحدد وجود الأزمة؟»
«لجنة مشتركة من ممثلي المدينة وبيت العدالة والتجار. إذا اتفقنا على أن الإمدادات غير كافية، يمكن تفعيل القيود لفترة محددة.»
«وماذا يحدث إذا اختلفنا؟»
«نحتاج إلى هيئة مستقلة تفصل في النزاع. لا أريد أن يستطيع مسؤول محلي تجميد أعمالي لمجرد أنه لا يحبني، ولا أريد أن يستطيع تاجر استخدام العقود ليمنع السلطات من حماية سكان مدينته.»
توقفت أوغستا عند الجملة الأخيرة. لم يكن فولك يطالب بحرية مطلقة لنفسه، بل كان يحاول بناء نظام يحمي الطرفين من تعسف الآخر. لكن كل نظام يعتمد على لجان وهيئات واتفاقات سيظل عرضة للتلاعب إذا كانت السلطة الفعلية موزعة بصورة غير متوازنة.
قالت: «أريد بندًا يمنح المدن حق شراء جزء من البضائع مباشرة في حالات الطوارئ، بسعر تحدده آلية متفق عليها مسبقًا. وأريد أن تُخصص نسبة من أرباح العمليات التجارية التي تستفيد من التسهيلات لدعم صندوق الإغاثة.»
فكر فولك في الأمر.
«يمكنني قبول مساهمة محددة من الأرباح، لكن يجب ألا تُحسب على الإيرادات الإجمالية. تكاليف النقل والحراسة والتخزين تختلف كثيرًا بين منطقة وأخرى، وإذا فرضنا النسبة قبل خصم التكاليف، فقد تتحول بعض الطرق إلى خسارة مستمرة.»
«لن أطلب منك تشغيل طرق تخسر فيها المال إلى الأبد. لكنني لن أقبل أن تُستخدم التكاليف المتغيرة لإخفاء الأرباح.»
«إذن نحتاج إلى تدقيق مستقل.»
«متفقون.»
مد فولك يده إلى الملف وأخرج ورقة أخرى. «أعددت تصورًا لصندوق الإغاثة. تُحوّل المساهمات إليه وفق جدول معلن، وتُنشر تقارير دورية عن الأموال التي دخلت إليه وكيفية إنفاقها. لا أريد أن يُقال إنني موّلت المساعدات ثم اختفت الأموال في مكاتب المسؤولين، ولا أريد أن تتهميني باستغلال الاتفاق دون دليل.»
قالت أوغستا: «هذا يصب في مصلحة الجميع.»
«ولهذا وضعته في الاقتراح.»
للمرة الأولى، خفّ التوتر بينهما قليلًا. لم يكن أي منهما يحاول إقناع الآخر بأنه أفضل أخلاقًا، ولم يكن ذلك مطلوبًا. كان كل طرف يعرف ما يريد، وكان التحدي أن يضعا قواعد تسمح بتحقيق المصالح المتبادلة دون أن تتحول الصفقة إلى عبء على الناس.
لكن أوغستا لم تكن قد انتهت.
«هناك شرط أخير. لن ترتبط المساعدات بأي التزام تجاري. لن يُطلب من مدينة تتلقى الطعام أو الدواء أن تمنح شركاتك امتيازات إضافية، ولن يُحرم سكان منطقة من المساعدة لأن حاكمها رفض توقيع اتفاق معك.»
أومأ فولك ببطء. «أوافق. لكن يجب أن نفصل بوضوح بين التمويل المخصص للإغاثة والعمليات التجارية. لا أريد أن يُعتبر كل تاجر يعمل ضمن الشبكة مسؤولًا عن تقديم مساعدات مجانية.»
«لن نطلب ذلك. مسؤولية الإغاثة تقع على عاتق بيت العدالة وصندوق المساعدات، أما التجار فيلتزمون بما يوقعون عليه فقط.»
«جيد.»
وضعت أوغستا القلم جانبًا. «إذن لدينا أساس يمكن العمل عليه، لكننا لم نصل إلى اتفاق نهائي بعد. سأطلب من مستشاري بيت العدالة مراجعة البنود، وأريد أن تقدم قائمة بالشركات التي ستشارك في التمويل والتجارة. لا أريد أن أوقع مع فولك اليوم، ثم أكتشف بعد شهر أنني وافقت على شروط عشر شركات لم أعرف بوجودها.»
ضحك فولك بهدوء. «هذا طلب عادل. وسأحتاج بدوري إلى قائمة بالمدن التي تستطيعين التفاوض معها، مع توضيح طبيعة نفوذك في كل منها. لن أضع أموالي في اتفاقات تعتمد على صلاحيات لا تملكينها.»
«إذن نحن متفقان على الأقل على ألا نتظاهر بأن لدينا سلطة أكثر مما نملك.»
«ربما يكون هذا أفضل ما أنجزناه اليوم.»
لم يوقعا العقد، لكنهما اتفقا على تشكيل فريق صغير من الطرفين لصياغة النسخة النهائية، على أن يبدأ فولك بتحويل الدفعة الأولى من التمويل بعد اعتماد الخطة الأولية لعمليات المساعدة، دون أن ينتظر انتهاء جميع المفاوضات التجارية في المدن المختلفة.
كان ذلك تنازلًا محسوبًا من فولك؛ فهو سيبدأ بتحمل جزء من التكلفة قبل أن يحصل على جميع التسهيلات التي يريدها. لكنه كان يعرف أن التأخير سيقلل من قيمة عرضه، وأن أوغستا لن تمنحه امتيازات تجارية واسعة لمجرد وعد بالتمويل.
وحين انتهى الاجتماع، نهض فولك وأعاد الأوراق إلى ملفه.
قالت أوغستا: «أنت تعرف أن بعض الناس سيصفون هذه الصفقة بأنها محاولة منك لشراء نفوذك داخل بيت العدالة.»
«وسيصفها آخرون بأنها صفقة بين طرفين يعرفان ما يريدانه. لا أستطيع التحكم فيما يقوله الناس.»
«لكنك تستطيع التحكم فيما تفعله.»
«وهذا ما سأحاسَب عليه.»
غادر فولك القاعة بعد أن تبادلا التحية، تاركًا وراءه مسودة اتفاق لم تصبح حقيقة بعد، لكنها كانت أقرب إلى ذلك من أي اقتراح وصل إلى بيت العدالة منذ بداية الأزمة.
كان دارون في الحديقة الداخلية حين وجد أوغستا بعد انتهاء الاجتماع. كانت تجلس إلى طاولة حجرية صغيرة، وقد وضعت أمامها فنجانًا من الشاي وأوراقًا لم تنتهِ من مراجعتها.
قال وهو يقترب: «يبدو أنك خرجتِ من المفاوضات دون أن تخسري رأسك.»
رفعت عينيها إليه. «كنت أتوقع سؤالًا أكثر اهتمامًا بمستقبل الإمبراطورية.»
«مستقبل الإمبراطورية لا يعتمد على ما إذا كان فولك قد جعلك تغضبين.»
«بل يعتمد أحيانًا على قدرة الناس على إتمام صفقة دون أن يجعلوا خلافاتهم الشخصية أهم من موضوعها.»
جلس دارون قبالتها. «إذن، هل وافقتِ؟»
«وافقنا على مواصلة التفاوض. سيقدم التمويل لعمليات المساعدة، وفي المقابل سنعمل على تسهيل التجارة لشركاته في المدن التي نستطيع التفاوض معها. لكن الاتفاق النهائي يحتاج إلى مراجعة، ولن يحصل على امتيازات تتجاوز ما تسمح به سلطتنا.»
«يبدو أن الأمر بسيط.»
«إنه بسيط ما دمت لا تحاول تنفيذه.»
ابتسم دارون، ثم نظر إلى الأوراق. «ما الذي يقلقك؟»
أجابت أوغستا بعد لحظة: «أننا نحتاج إلى المال، وأنه يعرف ذلك. وأنه يستطيع تقديم ما نحتاج إليه دون أن يكون مضطرًا إلى التضحية بمصالحه. هذا ليس عيبًا فيه، لكنه يعني أن علينا أن نكون دقيقين. كلما أصبحت عمليات المساعدة أكبر، زادت حاجتنا إلى التمويل، وكلما زادت حاجتنا إليه، أصبح من الأسهل أن نقبل شروطًا لم نكن لنقبلها في وقت آخر.»
«هل تعتقدين أنه سيحاول استغلال ذلك؟»
«أعتقد أنه سيحاول توسيع نفوذه، فهذا ما يفعله منذ سنوات. لكنه لا يحتاج إلى أن يكون شريرًا كي يصبح نفوذه مشكلة. يكفي أن تنجح أعماله، وأن تعتمد عليه المدن، وأن يجد المسؤولون أن التعامل معه أسهل من بناء بدائل خاصة بهم. بعد ذلك قد يصبح وجوده ضروريًا إلى درجة تجعل الاعتراض عليه مكلفًا.»
تأمل دارون كلامها. «إذن أنت لا تخشين الصفقة نفسها، بل ما قد تصبح عليه بعد سنوات.»
«بالضبط. لا يمكنني رفض كل اتفاق قد ينتج عنه نفوذ لشخص ما. لو فعلت ذلك، لما استطعت بناء أي شيء. لكن يجب أن أضمن أن المساعدة لا تتحول إلى وسيلة لاحتكار التجارة، وأن تبقى المدن قادرة على اختيار شركائها.»
سكت قليلًا، ثم قال: «يبدو أن فولك يفهم هذه المخاوف.»
«إنه يفهمها جيدًا، وهذا لا يعني أنه سيتصرف دائمًا وفق ما يطمئنني. الرجل الذي يعرف كيف تُبنى القوة يعرف أيضًا كيف يحافظ عليها.»
لم يجادل دارون. كان قد التقى فولك من قبل، ويعرف أن طموحه لا يقل عن طموح كثير من الحكام، لكنه مختلف في وسيلته. لم يكن يسعى إلى أرض يرفع فوقها راية، بل إلى شبكة من المصالح تجعل الحدود أقل أهمية، وتمنح المال والتجارة قدرة على التأثير في قرارات الدول.
قال دارون: «هل أستطيع مساعدتك في شيء؟»
«في الوقت الحالي، لا. لدي ما يكفي من العمل، وأنت لديك أمورك الخاصة.»
لم يكن صوتها قاطعًا، لكنه حمل تذكيرًا واضحًا بما تحدثا عنه سابقًا: ليس كل خطر يحتاج إلى أن يتدخل فيه دارون، وليس كل مشكلة ينبغي أن تتحول إلى مسؤوليته الشخصية.
أومأ ونهض، لكنه توقف عندما سمعها تضيف: «قد أطلب منك شيئًا قريبًا، لكن ليس في المفاوضات. هناك تقارير متضاربة عن المناطق التي انهارت فيها الجبهات الشمالية، وأحتاج إلى معرفة ما يجري على الأرض قبل أن نوسع عمليات الإغاثة.»
«أستطيع الذهاب.»
«سأحدد لك المهمة عندما تتضح المعلومات. لا أريدك أن تذهب إلى الشمال دون خطة، ولا أن تنجر إلى الصراع بين الجبهة والإمبراطور. نحن لا نحاول الانتصار في التمرد. نحاول أن نمنع الناس من دفع ثمنه وحدهم.»
أجاب دارون: «فهمت.»
ابتسمت أوغستا ابتسامة صغيرة. «آمل ذلك.»
غادر الحديقة، بينما عادت هي إلى أوراقها. لم يكن اتفاق فولك نهاية المشكلة، بل بداية مرحلة جديدة ستحتاج فيها أوغستا إلى الموازنة بين سرعة إيصال المساعدات وخطر الاعتماد على شبكة تجارية خاصة.
أما فولك، فكان قد بدأ بالفعل يرسل رسائل إلى شركائه، يطلب منهم إعداد قوائم بالمخازن والقوافل والطرق الممكن استخدامها فور اعتماد التمويل. لم يكن ينتظر توقيع العقد النهائي كي يستعد، لكنه لم يكن يغامر بإرسال الأموال كلها قبل أن تتضح الشروط.
كان يعرف أن كل يوم تأخير يعني خسارة فرصة، وربما خسارة أرواح في المناطق التي انقطعت عنها الإمدادات. وكان يعرف أيضًا أن المساعدة التي يقدمها اليوم قد تفتح أمامه أبوابًا ستظل مغلقة أمام منافسيه لسنوات.
لم يرَ تناقضًا في ذلك.
ففي نظر فولك، لم يكن بناء شبكة تجارية واسعة يتعارض مع مساعدة الناس؛ بل قد يكون أحد الأسباب التي تجعل المساعدة ممكنة على نطاق أكبر. لكن السؤال الذي لم يكن يملك إجابته بعد هو ما إذا كانت الشبكة التي يبنيها ستظل تخدم المدن حين تصبح مصالحها مختلفة عن مصالحه.
وفي المدينة المقدسة، بقيت أبواب بيت العدالة مفتوحة أمام رسائل جديدة، بينما استمرت الأخبار القادمة من الشمال في التراكم. لم تصل الحرب إلى الجنوب، لكن الزمن الذي كان يفصل المدينة عن عواقبها أخذ يضيق، ولم يعد أمام أوغستا رفاهية انتظار نهاية التمرد لتبدأ العمل.
كان عليها أن تساعد الناس الآن، وأن تحافظ في الوقت نفسه على قدرتها على مساعدتهم غدًا.
أما فولك، فقد وجد في تلك الحاجة فرصة لتوسيع تجارته، ووجدت أوغستا في طموحه موردًا قد ينقذ آلافًا من المتضررين.
ولم يكن أي منهما مضطرًا إلى الثقة بالآخر حتى يبدآ.
كان يكفي أن يعرف كل منهما ما الذي يريده الطرف الثاني، وأن يدرك أن الصفقة لن تكون ناجحة إلا إذا استطاع كلاهما الحصول على ما جاء من أجله، دون أن يتحول أحدهما إلى أسير للآخر.