الفصل 337 - الرعب خلف الحقيقة
عندما ظهر دارون عند الطريق المؤدي إلى البوابة الغربية، لم يثر وصوله ضجة كبيرة. كان بعض الحراس يعرفونه، وآخرون سمعوا اسمه من رفاقهم، لكن قليلين منهم امتلكوا تصورًا واضحًا عن طبيعة الرجل الذي عاد إلى المدينة المقدسة برفقة امرأة بدت وكأنها خرجت لتوها من مرض طويل.
كانت جينيفير تسير بجانبه، تستند أحيانًا إلى عصا قصيرة أخذها لها من إحدى القرى التي مرا بها. لم تكن مصابة بجروح ظاهرة، ولم يكن في مظهرها ما يفسر التعب الشديد الذي يثقل خطواتها. غير أن دارون لاحظ منذ اليوم الثاني لرحلتهما أن إرادتها بدأت تستعيد شيئًا من انتظامها، وأن الخيوط التي تمزقت خلال محاولته الأخيرة لم تعد ساكنة كما كانت.
كانت تعيد بناء نفسها.
لم يحدث ذلك دفعة واحدة، بل على هيئة تغيرات صغيرة. في البداية، عادت بعض الخيوط إلى مساراتها القديمة، ثم ظهرت بينها روابط جديدة لم يستطع تحديد وظيفتها. وبعدها بدأت الذكريات التي فقدت جينيفير القدرة على الوصول إلى مشاعرها المرتبطة بها تستعيد شيئًا من معناها. لم تكن العملية مستقرة تمامًا، لكنها كانت تتقدم ببطء، كأن إرادتها تحاول ترميم شبكة تضررت في أعماقها.
أخبرته جينيفير في صباح ذلك اليوم أنها تذكرت رائحة حديقة منزلها القديم، وأنها استطاعت للمرة الأولى منذ الحادثة أن تشعر بالحنين إليها دون أن يتحول ذلك الشعور إلى رغبة في البحث عن دارون أو التأكد من وجوده بجانبها.
كان ذلك خبرًا جيدًا، لكنه لم يطمئنه بالكامل.
فحين استخدم العقل الفعّال لفحصها، وجد أن بعض الروابط لا تزال ضعيفة، وأن إرادتها تحتاج إلى عدة أيام أخرى حتى تستعيد قدرًا كافيًا من التوازن. لم يكن يريد المخاطرة بمحاولة تسريع العملية، خصوصًا بعدما أدرك أن تدخله السابق كاد يدمر قدرتها على الإحساس بذاتها.
«هل سنبقى هنا طويلًا؟» سألته جينيفير بينما اقتربا من البوابة.
نظر إليها دارون. «حتى تستعيدي قوتك على الأقل.»
«وماذا بعد ذلك؟»
«سنقرر عندما تصبحين قادرة على اتخاذ القرار دون أن يختلط عليك ما تريدينه بما تشعرين أنك مضطرة إليه.»
لم تعترض. ظلت تنظر إلى الطريق أمامها، ثم قالت: «أعتقد أنني أريد البقاء هنا بضعة أيام.»
لم يسألها إن كانت تقول ذلك من أجله. لم يكن يريد تحويل كل كلمة تصدر عنها إلى اختبار، ولا أن يجعلها تشعر بأنها مطالبة بإثبات استقلالها في كل لحظة.
اكتفى بالإجابة: «إذن سنبقى.»
وللمرة الأولى منذ مدة، لم يتبع جوابه طلب آخر منها، ولم تحاول هي انتزاع وعد إضافي. واصلا السير حتى تجاوزا البوابة، بينما كانت المدينة المقدسة تستقبلهما بضجيج الحياة التي تحاول النهوض من بين أنقاض الحرب.
لكن دارون لم يكن يفكر في المدينة.
كان يفكر في الرجل الذي أصبحه خلال الأيام الماضية، وفي القدرة التي اكتشفها داخل نفسه، وفي حقيقة لم يعد قادرًا على تجاهلها: لقد استطاع التدخل في إرادة إنسان آخر إلى حد كاد معه أن يمحو إحساس ذلك الإنسان بنفسه، دون أن يحتاج إلى سيف أو تعويذة أو مواجهة مباشرة.
وكان يخشى أن ما فعله بجينيفير لم يكن سوى البداية.
لم يستطع لقاء أوغستا في اليوم نفسه. كانت القديسة منشغلة باجتماع مع عدد من أعضاء بيت العدالة، ثم أمضت بقية النهار في استقبال وفد من المدن التي أرسلت طلبات للمساعدة في إعادة البناء.
لم يبدُ دارون منزعجًا من الانتظار. فقد كان هو نفسه بحاجة إلى الراحة، وكانت جينيفير تحتاج إلى مكان هادئ تستطيع فيه النوم دون أن يزعجها أحد. وبعد أن وفر لهما أحد الخدم غرفتين متجاورتين، طلب دارون من المعالجين في بيت العدالة فحصها.
لم يجدوا في جسدها ما يفسر حالتها بالكامل. كانت مرهقة، ونومها غير منتظم، لكنها لم تكن تعاني من مرض معروف. أما حين حاول أحدهم فحص إرادتها، فقد وصف ما شعر به بأنه اضطراب عميق يشبه محاولة قراءة كتاب أعيد ترتيب صفحاته أثناء قراءته.
لم يشرح له دارون ما حدث. لم يكن مستعدًا لأن يسمح لشخص آخر بالتدخل في إرادتها، خصوصًا أن المعالج لم يكن يعرف ما الذي ينبغي أن يلمسه وما الذي يجب أن يتركه وشأنه.
في صباح اليوم التالي، وصلته رسالة من أوغستا تدعوه إلى قاعة العدالة.
ذهب وحده.
كانت أوغستا تقف أمام نافذة طويلة تطل على إحدى ساحات المدينة حين دخل دارون. لم تكن ترتدي ثياب المراسم التي تظهر بها أمام الجمهور، بل ثوبًا أبيض بسيطًا، وقد رفعت شعرها عن وجهها بطريقة كشفت عن التعب الذي حاولت إخفاءه خلال الأيام الماضية.
التفتت إليه فور سماع خطواته.
«عدت أخيرًا.»
«تأخرت الرحلة أكثر مما توقعت.»
«هل وجدت كاستر؟»
«نعم. وتوصلنا إلى اتفاق.»
تغيرت ملامحها قليلًا، ثم أشارت إليه بالجلوس.
«أخبرني.»
جلس دارون، وشرح لها اللقاء منذ بدايته. تحدث عن ظهور كاستر، وعن قلادة أرين، وعن اعتراف المجيد بأنه يرى في نفوذ أوغستا خطرًا على الإمبراطورية. ثم أخبرها بالصفقة التي عقدها معه، وبأن كاستر وافق على عدم ملاحقتهم أو جرّهم إلى الحرب ما دامو ملتزمين بالحياد.
استمعت أوغستا دون مقاطعة. وحين انتهى، شبكت أصابعها أمامها، وظلت صامتة لبعض الوقت.
«لم أتوقع أن يوافق بهذه السهولة.»
«لم تكن موافقته اعترافًا بأنني أقنعته بصواب موقفي. لقد رأى أن تركنا خارج الصراع يخدم أهدافه في الوقت الحالي.»
«هذا أكثر من كافٍ.» تنهدت أوغستا. «إذا كان كاستر مستعدًا للتراجع عن مطاردتنا، فذلك يخفف ضغطًا لا أستطيع تجاهله الآن.»
ثم رفعت عينيها إليه.
«لكنني أظن أن هذا ليس كل ما جئت لتخبرني به.»
لم يجب دارون مباشرة. كانت جينيفير هي السبب الحقيقي الذي دفعه إلى طلب اللقاء، لكنه لم يعرف كيف يبدأ الحديث دون أن يجعل الأمر يبدو وكأنه يتحدث عن شخص غائب لا يملك حق الاعتراض على ما يقال عنه.
اختار أن يكون مباشرًا.
«جينيفير ليست بخير.»
تبدلت ملامح أوغستا فورًا. «هل أصيبت خلال الرحلة؟»
«ليس جسديًا. المشكلة في إرادتها.»
استقامت في وقفتها، ثم اقتربت من الطاولة.
«اشرح لي.»
أخذ دارون لحظة لترتيب أفكاره، ثم بدأ يروي ما حدث منذ بدأت جينيفير تتغير بعد استخدام قدرتها على قراءة روحه. لم يخفِ عنها تصاعد تعلقها به، ولا محاولتها تجاوز الحدود التي وضعها، ولا اكتشافه أن خيوط إرادتها كانت تتجه نحوه على نحو غير طبيعي.
ثم شرح لها محاولته فصل بعض تلك الخيوط، وكيف اكتشف أن تأثيرها لا يقتصر على أفكار جينيفير ومشاعرها، بل يمتد إلى الروابط التي تمنح تجاربها معناها، وإلى الطريقة التي تتعرف بها إلى نفسها.
لم تقاطعه أوغستا، لكنها أصبحت أكثر سكونًا مع كل تفصيل.
وعندما وصل إلى المحاولة الأخيرة، أخبرها أنه استطاع إدراك النمط الذي جعل معظم مسارات إرادة جينيفير تعود إليه، وأنه تدخل في ذلك النمط بدلًا من قطع الخيوط منفردة.
«وماذا حدث؟» سألت أوغستا.
«تحررت بعض الروابط من تأثيره، لكنني لم أفهم تمامًا كيف ترتبط ببقية إرادتها. عندما مزقت النمط، بدأت أجزاء من شبكتها تنهار. لم تفقد ذاكرتها، لكنها فقدت القدرة على فهم الصلة بين ما تعرفه وما تشعر به. للحظات، لم تعد قادرة على الإجابة عن سؤال بسيط مثل: من أنا؟»
لم تتحرك أوغستا.
تابع دارون بصوت منخفض: «اضطررت إلى تثبيت ما بقي من إرادتها، ومنع الانهيار من الاستمرار. لم أعدها إلى حالتها السابقة، ولم أستطع إصلاح كل شيء. لكنها بدأت تتعافى منذ ذلك الحين. أعتقد أنها تحتاج إلى عدة أيام من الراحة، وربما أكثر، حتى تستعيد نفسها بالكامل.»
كان يتوقع أن تسأله أوغستا عن تفاصيل التقنية، أو عن الطريقة التي تمكن بها من التأثير في إرادة شخص آخر. لكنه لم يتوقع ما حدث بعد ذلك.
ارتجفت يدها.
كانت حركة صغيرة في البداية، بالكاد لاحظها، لكنها ازدادت وضوحًا عندما حاولت أوغستا أن تضع يدها على حافة الطاولة. انزلقت أصابعها قليلًا فوق الخشب، فتوقفت، وأطبقت كفها عليه حتى استقرت.
نظر إليها دارون باستغراب.
«أوغستا؟»
لم تجبه فورًا. كانت تحدق فيه، وقد اختفى من وجهها الهدوء الذي اعتاد رؤيته كلما واجهت مشكلة سياسية أو عسكرية. لم يكن هذا خوفًا من خصم تعرف قدراته، بل خوفًا من احتمال لم تدرك وجوده حتى تلك اللحظة.
قالت أخيرًا: «أنت تقول إنك لم تكن تعرف ما تفعله بالكامل.»
«نعم.»
«ومع ذلك، استطعت تغيير بنية إرادة إنسان آخر.»
«لم أستطع التحكم بها كما أردت. لقد كدت أتسبب في تدميرها.»
«لكنّك أوقفت الانهيار.»
«بالكاد.»
أغمضت أوغستا عينيها لحظة، ثم فتحتهما.
«دارون، هل تفهم ما الذي يعنيه هذا؟»
«أفهم أن قدرتي تطورت، وأنني لا أعرف حدودها بعد.»
«لا. أنت تفهم جزءًا صغيرًا فقط.»
ابتعدت عن الطاولة، ثم سارت ببطء نحو النافذة. بدت وكأنها تحتاج إلى مسافة بينها وبينه كي تتمكن من التفكير.
«لقد رأيت أصحاب قدرات كثيرة خلال حياتي. رأيت من يستطيع تدمير الجدران، ومن يستطيع قتل عشرات الجنود في لحظات، ومن يستطيع التأثير في إرادة الآخرين حتى يطيعوا أوامره. هذه قدرات مخيفة، لكنها مفهومة. يستطيع الإنسان أن يرى ما تفعله، ويعرف متى يبدأ الخطر ومتى ينتهي.»
التفتت إليه.
«أما أنت، فلا يبدو أنك تحتاج إلى السيطرة على إرادة أحد كي تتحكم بما يفعله. أنت تستطيع فهم العلاقات التي تشكل قراراته، ثم تغيير تلك العلاقات نفسها.»
ظل دارون صامتًا.
تابعت أوغستا: «إذا أردت من رجل أن يطيعك، فلست مضطرًا إلى إجباره على الركوع. يمكنك أن تغير العلاقة بينه وبين خوفه، أو بينه وبين طموحه، أو بينه وبين الأشخاص الذين يحبهم. تستطيع أن تجعل قراره يبدو له نابعًا من نفسه، بينما تكون قد غيرت ما يجعله يتخذ ذلك القرار.»
قال دارون: «لم أفعل شيئًا كهذا.»
«أعرف.»
كانت إجابة أوغستا سريعة على نحو فاجأه.
«أعرف أنك لم تفعل ذلك عمدًا. وأعرف أنك حاولت مساعدة جينيفير، لا تحويلها إلى أداة. لكن هذا لا يغير ما كشفته التجربة عن إمكانات قدرتك.»
عادت إلى الطاولة، لكنها لم تجلس.
«دعني أعطيك مثالًا.»
كان صوتها قد استعاد شيئًا من ثباته، إلا أن ارتجاف أصابعها لم يتوقف تمامًا.
«تخيل أنني طلبت منك أن تجعل جميع من في قصر العدالة يطيعونني. شخص يمتلك قدرة عادية على التأثير في الإرادة قد يزرع أمرًا في عقولهم، أو يكسر مقاومتهم بالقوة، أو يجعلهم عاجزين عن عصيان أوامره. لكن تأثيره سيظل بحاجة إلى الاستمرار، وقد يترك أثرًا يستطيع الآخرون اكتشافه أو مقاومته.»
توقفت، ونظرت إليه مباشرة.
«أما أنت، فماذا لو لم تكن بحاجة إلى إصدار أي أمر؟ ماذا لو استطعت تغيير العلاقات التي تربط كل شخص بأهدافه، وبكرامته، وبأسرته، وبمستقبله؟»
شعر دارون بأن الجو في الغرفة أصبح أثقل.
تابعت أوغستا: «يمكنك أن تجعل قائد الحرس يرى أن رضاه عن نفسه لا يتحقق إلا بخدمتك. وتجعل الكاتب يعتقد أن أعظم إنجاز في حياته هو أن تنظر إلى عمله باستحسان. وتجعل الحارس الذي أمضى عشرين عامًا يحلم بالترقي يقتنع بأن الوقوف عند قدميك أعظم من أي منصب يمكن أن يناله.»
توقفت للحظة، ثم أكملت بصوت خافت:
«وبعد ذلك، لن يحتاج أي منهم إلى أن تأمره بشيء. سيبحثون عن رضاك من تلقاء أنفسهم. سيتنافسون فيما بينهم ليخدموك، وسيشعرون بالسعادة عندما تمدح أحدهم، وباليأس عندما تتجاهله. قد يحولون قصر العدالة بأكمله إلى مكان يعيش فيه الجميع من أجل رضاك، ويتعاملون مع كل رغبة تصدر عنك باعتبارها أعظم من رغباتهم الخاصة.»
ساد الصمت.
لم يكن في كلام أوغستا وصف لمشهد خيالي فحسب. كانت تتحدث عن احتمال يستند إلى ما أخبرها به دارون للتو: قدرة لا تتدخل في القرار النهائي وحده، بل في الروابط التي تجعل الإنسان يختار، وفي المعاني التي تمنح اختياراته قيمتها.
قال دارون ببطء: «هذا يتطلب أن أستطيع الوصول إلى تلك الروابط وفهمها.»
«وقد فعلت ذلك مع جينيفير.»
«لم أغير إرادتها بالطريقة التي وصفتِها. كنت أحاول فصل شيء غير طبيعي عنها.»
«وهذا ما يجعل الأمر مرعبًا.» اقتربت أوغستا خطوة، ثم توقفت. «أنت لم تكن تحاول إخضاعها، ومع ذلك امتد تأثيرك إلى إحساسها بذاتها. لم تكن تعرف ما الذي ستفعله، ولم تكن تملك فهمًا كاملًا للعواقب، لكنك وصلت إلى طبقات لم أسمع عن قدرة عادية أنها تستطيع بلوغها.»
نظر دارون إلى يديه.
لم يكن يريد أن يتخيل ما قد يحدث لو استخدم تلك القدرة عمدًا ضد شخص آخر. ومع ذلك، لم يستطع تجاهل منطق أوغستا. إذا كان بإمكانه تغيير العلاقات التي تشكل إرادة الإنسان، فقد لا يحتاج إلى فرض إرادته عليه بالطريقة التقليدية. وربما كان ذلك أخطر من أي شكل معروف من أشكال السيطرة.
قال: «أنا لا أستطيع فعل كل ما وصفته.»
«ربما لا تستطيع اليوم.»
كانت كلماتها أشد وقعًا من لو أنها اتهمته بالقدرة على فعل ذلك بالفعل.
«لكن ماذا ستستطيع غدًا؟ بعد شهر؟ بعد عام من فهم قدرتك؟ هل تعرف أين تنتهي حدود العقل الفعّال؟ هل تعرف إن كان ما فعلته بجينيفير أقصى ما يمكنه فعله، أم أنك لم تكتشف سوى جزء صغير من إمكاناته؟»
لم يجد جوابًا.
وكان صمته أكثر إخافة له من أي إجابة.
جلست أوغستا أخيرًا، لكنها لم تستعد هدوءها السابق. وضعت يديها على ركبتيها، ونظرت إلى الأرض للحظات قبل أن ترفع رأسها.
«هناك أمر آخر يقلقني.»
انتظر دارون.
«حين تحدثت عن جينيفير، قلت إنك رأيت روابط تتصل بطريقة تعرفها بها إلى نفسها. هل استطعت تمييز الفرق بين إرادتها الأصلية والروابط التي تأثرت بك؟»
«جزئيًا فقط.»
«وهل يمكنك فعل ذلك مع أي شخص؟»
تردد دارون.
«لا أعرف. أعتقد أن الأمر يتطلب فهمًا عميقًا للشبكة التي أراها. وكلما كانت الروابط أكثر تعقيدًا، ازدادت صعوبة التدخل دون التسبب في ضرر.»
أومأت أوغستا ببطء، ثم قالت: «إذن أنت لا تملك قوة واحدة فحسب. لديك قدرة تتغير بحسب مقدار ما تفهمه. وهذا يعني أن حدودها ليست ثابتة بالضرورة، بل قد تتسع كلما تعلمت المزيد.»
كانت تلك خلاصة ما بدأ دارون نفسه يدركه.
العقل الفعّال لم يكن سلاحًا بالمعنى المعتاد. لم يكن قادرًا على تدمير شيء محدد بقوة أكبر، أو على فرض أمر واضح على الآخرين. كانت خطورته في أنه يجعل الفهم نفسه مصدرًا للقوة. كلما أدرك دارون طبيعة علاقة ما، صار قادرًا على التأثير فيها، وكلما اتسع فهمه، ازدادت الأشياء التي قد يستطيع تغييرها.
وهذا يفتح بابًا لم يكن يعرف إن كان مستعدًا لعبوره.
قالت أوغستا: «أريد منك أن تعدني بشيء.»
رفع نظره إليها.
«لن أطلب منك أن تتخلى عن قدرتك، ولن أطلب منك أن تكف عن تطويرها. سيكون ذلك غير منطقي، وقد يكون مستحيلًا أصلًا. لكنني أريدك أن تعدني بألا تتدخل في إرادة أحد لمجرد أنك تستطيع ذلك، وألا تعتبر قدرتك على فهم شخص ما دليلًا على أنك تعرف ما هو الأفضل له.»
ظل دارون صامتًا لحظة.
ثم قال: «أستطيع أن أعدك بأنني لن أستخدمها لإخضاع أحد أو سلبه اختياره. لكنني لا أستطيع أن أعدك بأنني لن أتدخل أبدًا. إذا كان هناك شخص على وشك الموت، أو إذا كان التدخل هو السبيل الوحيد لمنع كارثة، فقد أضطر إلى المخاطرة.»
لم تبدُ أوغستا راضية تمامًا، لكنها لم تعترض.
«هذا جواب صادق، وإن لم يكن مطمئنًا.»
«لن أكذب عليك لأجعلك تشعرين بالأمان.»
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم أطلقت زفيرًا طويلًا.
«ربما لهذا السبب أخاف منك أكثر مما أخاف من أولئك الذين يعلنون أنهم يريدون السيطرة على العالم. أعرف ما الذي يريده الطاغية عادةً، وأعرف كيف يمكن مقاومته. لكن كيف أقاوم رجلًا قد لا يعرف بنفسه ما الذي يمكن أن تفعله قدرته؟»
لم يكن السؤال اتهامًا، ولم يكن تهديدًا مبطنًا. كان خوفًا حقيقيًا من إمكانات لم يستطع أي منهما تحديدها.
وللمرة الأولى، شعر دارون أنه لا يخيف الآخرين بسبب ما فعله، بل بسبب ما قد يصبح قادرًا على فعله دون أن يدرك حجم التغيير الذي أحدثه.
بعد انتهاء الحديث، طلب دارون الإذن بالعودة إلى غرفته. لم تحاول أوغستا إيقافه، لكنها نادته قبل أن يبلغ الباب.
«دارون.»
التفت إليها.
«جينيفير ليست تجربة ينبغي لك أن تكررها حتى تفهم قدرتك. إنها إنسانة تحاول استعادة نفسها. لا تجعل رغبتك في معرفة الحقيقة أهم من حقها في أن تبقى كما هي.»
لم يجب فورًا. ثم أومأ.
«أعرف.»
خرج من قاعة العدالة، ومشى في الممر الطويل حتى وصل إلى الغرف المخصصة لهما. وجد جينيفير مستيقظة قرب النافذة، وقد بدا عليها تحسن طفيف. كانت تقرأ رسالة قديمة، وحين دخل لم تتركها فورًا كما اعتادت أن تفعل، بل أكملت السطر الذي كانت تقرؤه قبل أن ترفع رأسها إليه.
كانت حركة صغيرة، لكنها جعلته يتوقف لحظة.
لم يكن اهتمامها به قد اختفى، ولم يكن من المنطقي أن يتوقع ذلك بعد أيام قليلة من حادثة بهذه الخطورة. إلا أن قدرتها على توجيه انتباهها إلى شيء آخر، ولو لفترة قصيرة، كانت علامة على أن إرادتها بدأت تستعيد بعض استقلالها.
«كيف تشعرين اليوم؟» سألها.
فكرت قليلًا قبل أن تجيب.
«أفضل. لا يزال رأسي يؤلمني أحيانًا، وأشعر بأن بعض ذكرياتي بعيدة عني، لكنني أستطيع التفكير دون أن أضطر إلى التأكد من أنك هنا في كل لحظة.»
جلس على كرسي قريب.
«هذا جيد.»
نظرت إليه، ثم عادت إلى الرسالة.
«إنها رسالة من صديقة قديمة. كنت قد نسيت أنني احتفظت بها.»
لم يسألها عما كتب فيها، ولم يطلب منها أن تخبره بكل ما تتذكره. ترك لها الخيار في أن تتحدث أو تصمت.
وبعد عدة دقائق، قالت من تلقاء نفسها: «أعتقد أنني أريد أن أراها عندما أتعافى.»
ابتسم دارون ابتسامة خفيفة.
«إذن يمكنك التفكير في كيفية الوصول إليها عندما تصبحين مستعدة.»
لم تقل شيئًا آخر، لكنها عادت إلى القراءة.
راقبها للحظة، ثم أدار وجهه نحو النافذة. كان في إمكانه الآن أن يختبر قدرته مجددًا، وأن يحاول اكتشاف المزيد من القواعد التي تحكم خيوط الإرادة. وكان يستطيع أن يقنع نفسه بأن كل ما يحتاج إليه هو مزيد من المعرفة حتى يصبح قادرًا على إصلاح ما حدث لجينيفير بصورة كاملة.
لكنه لم يفعل.
للمرة الأولى منذ اكتشف تطور العقل الفعّال، اختار أن يتوقف عن البحث.
لم يكن ذلك خوفًا من قدرته وحدها، بل اعترافًا بأن فهمه لها لا يمنحه الحق في التعامل مع كل شيء يستطيع الوصول إليه.
ومع ذلك، لم يستطع نسيان كلمات أوغستا.
يمكنك أن تجعل قصر العدالة بأكمله يبحث عن رضاك، دون أن تصدر أمرًا واحدًا.
أغمض عينيه، واستعاد في ذاكرته اللحظة التي انهارت فيها إرادة جينيفير، وكيف نظرت إليه وهي عاجزة عن الإجابة عن سؤال بسيط يتعلق بهويتها.
لقد كاد يحول رغبة في مساعدتها إلى كارثة، رغم أنه لم يرد السيطرة عليها لحظة واحدة.
فماذا سيحدث عندما يصبح قادرًا على فهم شبكة إنسان آخر فهمًا كاملًا؟ ماذا سيحدث إذا استطاع فصل الخوف عن الرفض، أو الطموح عن الطاعة، أو الحب عن القدرة على الابتعاد؟
هل سيظل قادرًا على التمييز بين المساعدة والتلاعب حين يصبح قادرًا على تغيير الأسباب التي تجعل الآخرين يتخذون قراراتهم؟
لم يكن يعرف.
لكنه أدرك أن الرعب الحقيقي للعقل الفعّال لم يكن في قدرته على إجبار الناس على الطاعة.
بل في احتمال أن يصل يوم يصبح فيه قادرًا على تغيير ما يجعلهم يرغبون في الطاعة، ثم يتركهم يعيشون حياتهم مقتنعين بأنهم اختاروا ذلك بأنفسهم.
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال الذي يخيف دارون هو إلى أي مدى يمكن أن تتطور قدرته، بل ما الذي سيبقى من حريته هو، إذا أصبح قادرًا على إعادة تشكيل حرية الآخرين.