الفصل 336 - ما وراء خيوط الإرادة
لم يستطع دارون النوم تلك الليلة.
جلس عند مدخل الخيمة، يراقب النار الصغيرة التي أشعلها قبل ساعات، بينما بقيت جينيفير في الداخل. لم تكن قد تحدثت كثيرًا منذ الحادثة، ولم تحاول الاقتراب منه كما اعتادت. ومع ذلك، كان يشعر بوجودها خلفه، لا لأن حواسه تخبره بمكانها، بل لأن عقله الفعّال لم يعد قادرًا على تجاهل تلك الخيوط التي تمتد من إرادتها نحوه.
كانت هناك مشكلة لم يستطع التخلص منها: كلما حاول الابتعاد عن الشبكة، وجد أن إدراكه لا يزال متصلًا بها. لم تكن الخيوط مجرد شيء يراه، بل صارت شيئًا يستطيع الشعور به، كأن جزءًا من انتباهه قد امتد إلى خارج جسده واستقر بين خيوط إرادة شخص آخر.
أغمض عينيه، محاولًا استعادة ما رآه في وقت سابق.
حين استخدم قدرته للمرة الأولى، اعتقد أن العقل الفعّال يمنحه القدرة على فهم المعلومات الخفية وتحليلها، وأن رؤية خيوط الإرادة ليست سوى امتداد لذلك. كان يرى ما لا يراه الآخرون، ويستنتج ما لا يستطيعون استنتاجه، ثم يستخدم فهمه للوصول إلى نتائج يستحيل بلوغها بالطرق العادية.
لكن ما حدث مع جينيفير لم يتفق مع هذا التصور.
لم يكتفِ عقله برؤية الخيوط؛ لقد استطاع التأثير فيها. وعندما حاول فصل أحدها، لم يكن الأمر مجرد تغيير في شيء خارجي، بل امتد تأثيره إلى جينيفير نفسها.
هل كانت قدرته تتطور من الفهم إلى التأثير؟ أم أن هذا التأثير كان موجودًا منذ البداية، لكنه لم يعرف كيف يلاحظه؟
فتح عينيه ونظر إلى النار.
«أنا أفترض أنني أرى الخيوط لأنني أفهمها.»
توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت:
«لكن ماذا لو كان فهمي لها هو ما يسمح لي برؤيتها أصلًا؟»
كانت الفكرة بسيطة، لكنها قلبت تصوره عن قدرته.
ربما لم يكن العقل الفعّال عينًا خارقة تكشف طبقات العالم المخفية. ربما كان شيئًا أعمق، قدرة على إدراك الروابط التي تجعل الأشياء على ما هي عليه. خيوط الإرادة لم تكن معلومات منفصلة يستطيع تحليلها فحسب؛ كانت علاقات قائمة بين الأشخاص ورغباتهم وقراراتهم، وربما بين وجودهم نفسه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن فهمه لهذه العلاقات قد يسمح له بالتدخل فيها.
لكن التدخل لم يكن يعني بالضرورة أنه قادر على التحكم بكل شيء. فكلما تعمق في شبكة جينيفير، ازداد اقتناعه بأن ما يراه ليس إلا سطحًا لشيء أعقد بكثير.
نهض أخيرًا، واتجه إلى داخل الخيمة.
كانت جينيفير مستيقظة، جالسة قرب أحد الأعمدة، وقد رفعت رأسها فور دخوله. بدت متعبة، لكن عينيها استقرتا عليه فورًا، كما لو أنها كانت تنتظر ظهوره منذ وقت طويل.
«لم تنم؟» سألها.
هزت رأسها.
«وأنت أيضًا.»
لم يحاول إنكار ذلك. جلس قبالتها، تاركًا بينهما مسافة واضحة.
«أريد أن أحاول شيئًا آخر.»
تصلبت أصابعها فوق ركبتيها.
«هل ستفعل ما فعلته سابقًا؟»
«لا أعرف بعد. لكنني لن أخفي عنك ما أنوي فعله، ولن أستمر إذا شعرت بأنك تفقدين السيطرة على نفسك.»
نظرت إليه طويلًا. كان واضحًا أنها تخاف مما قد يحدث، لكن خوفها لم يمنعها من الموافقة.
«حسنًا.»
أخذ دارون نفسًا عميقًا، ثم استدعى العقل الفعّال.
عادت الخيوط إلى الظهور.
في البداية، لم يرَ سوى الشبكة المألوفة التي تحيط بجينيفير، إلا أن هذه المرة لم يركز على الخيوط المتجهة نحوه. بدلًا من ذلك، حاول فهم البنية الكاملة التي تنتظم فيها إرادتها.
كانت هناك خيوط تنشأ من رغبات واضحة: رغبتها في البقاء معه، وخوفها من فقده، وحاجتها إلى معرفة ما يفكر فيه. وأخرى تتصل بأشياء أبعد من ذلك، بذكريات طفولتها، وبخبراتها السابقة، وبالطريقة التي تعلمت بها التعامل مع الآخرين.
لم تكن جميعها فاسدة أو مشوهة. على العكس، وجد أن كثيرًا منها لا يزال يحتفظ بمساره الأصلي، وأن جينيفير لم تفقد شخصيتها كما خشي. كانت لا تزال قادرة على تذكر حياتها، وفهم ما يقال لها، وإدراك أن تعلقها به يتجاوز حدود ما تستطيع تفسيره.
لكن تلك الخيوط كانت جميعًا تتأثر بعلاقة واحدة أخذت تتضخم حتى طغت على غيرها.
علاقته به.
لم تكن المشكلة أن خيطًا واحدًا قد سيطر على بقية الخيوط، بل أن كل خيط تقريبًا صار يمر عبر تلك العلاقة قبل أن يصل إلى غايته. حتى الرغبات التي لا علاقة لها بدارون كانت تتأثر بها، كأن الشبكة كلها أُعيد تنظيمها حول مركز واحد.
وهنا أدرك خطأ محاولته السابقة.
لقد تعامل مع الخيط الذي يربط جينيفير به كما لو أنه سبب المشكلة الوحيد. لكنه لم يكن سوى أحد المسارات التي ظهرت فيها المشكلة. قطعه دون فهم البنية المحيطة به كان أشبه بنزع حجر من جدار يحمل وزنًا موزعًا على جميع أجزائه.
لم يكن المطلوب أن يقطع خيطًا واحدًا.
كان عليه أن يفصل ما اختلط، وأن يعيد لكل جزء من إرادتها القدرة على العمل دون أن يمر عبر ذلك الارتباط.
لكن كيف يمكنه فعل ذلك؟
أعاد النظر إلى الشبكة، محاولًا فهم ما الذي يجعل الخيط مرتبطًا بغيره. لم تكن الروابط مجرد نقاط اتصال؛ كان بعضها يشد الخيوط الأخرى، وبعضها يغير اتجاهها، وبعضها يبدو كأنه يمنحها معنى لم تكن تمتلكه منفردة.
ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
كلما ركز على خيط محدد، صار قادرًا على تمييز علاقته بالخيوط الأخرى. وحين فهم تلك العلاقة، لم يعد الخيط مجرد خط مرئي في إدراكه، بل صار لديه ما يشبه التعريف الدقيق لوظيفته داخل الشبكة.
لم يكن يقرأ الخيوط فحسب.
كان يفهم القواعد التي تجعلها مترابطة.
وللمرة الأولى، شعر أن العقل الفعّال لم يعد يزوده بمعلومات إضافية، بل يغير الطريقة التي يتعامل بها مع المعلومات ذاتها. لم تعد الشبكة شيئًا مغلقًا يقف أمامه؛ بدأت تظهر له بنيتها، كما لو أن كل رابط فيها يكشف عن قاعدة، وكل قاعدة تقوده إلى فهم أعمق.
لم يكن هذا فهمًا للإرادة بوصفها قوة يمكن قياسها أو مقارنتها فحسب.
كان فهمًا للعلاقات التي تجعل الإرادة قادرة على توجيه نفسها.
وعند تلك النقطة، أدرك دارون أن قدرته ربما لا تتوقف عند رؤية الخيوط أو تحليلها. إذا استطاع فهم العلاقة التي تربط خيطًا بآخر، فقد يستطيع فصل تلك العلاقة نفسها، دون أن يضطر إلى تدمير كل ما يتصل بها.
كانت تلك خطوة مختلفة تمامًا عن القوة المباشرة.
لم يكن بحاجة إلى أن يمتلك إرادة أقوى من إرادة جينيفير ليغير ما يحدث داخل شبكتها. كان عليه أن يفهمها على نحو يسمح له بالتدخل في بنيتها.
ومع ذلك، ظل هناك سؤال لم يجد له جوابًا: ما الذي يمنحه الحق في التدخل؟ وكيف يضمن أن ما يراه بوصفه خللًا ليس جزءًا من إرادة جينيفير لا يفهمه بعد؟
نظر إليها.
«جينيفير، أريدك أن تخبريني بما تشعرين به لحظة بلحظة. إذا شعرت بأنك تفقدين ذكرى، أو تعجزين عن فهم من أنت، أو لم تعودي قادرة على تمييز ما تريدينه، أخبريني فورًا.»
أومأت، ثم قالت بصوت متردد:
«وماذا لو لم أستطع الكلام؟»
«سأتوقف عند أول علامة على أن الأمر يتجاوز قدرتك على الاحتمال.»
لم يطلب منها أن تثق به ثقة عمياء. لم يعد يعتقد أن الثقة وحدها كافية لتبرير ما ينوي فعله.
ثم أعاد انتباهه إلى الشبكة.
بدأ التغيير من خيط صغير.
لم يحاول قطعه، بل أمسك بالعلاقة التي تربطه بمسار آخر، تلك العلاقة التي كانت تجعل رغبة جينيفير في الاطمئنان عليه تتحول إلى حاجة دائمة إلى مراقبته. كان الأمر أدق مما توقع؛ فالرغبة نفسها لم تكن شيئًا يمكن محوه دون أن يغير جزءًا من شخصيتها، لكن الاعتماد المستمر عليها لم يكن بالضرورة جزءًا أصيلًا من تلك الرغبة.
حاول فصل الاثنين.
لم يكن يعرف كيف يصف ما فعله. لم تتحرك يده في العالم المادي، ولم يصدر عن جسده أي أثر مرئي، لكن في إدراكه بدا الأمر كما لو أنه فك عقدة دقيقة كانت تشد خيطين معًا.
ارتجفت جينيفير.
«أشعر بشيء غريب.»
توقف دارون فورًا.
«ماذا تشعرين؟»
وضعت يدها على صدرها، وأخذت عدة أنفاس قبل أن تجيب.
«كنت أفكر فيك… ثم توقفت عن التفكير فيك للحظة.»
انتظر أن تكمل.
«لم أشعر بالخوف. لم أشعر بأنني فقدت شيئًا. كنت فقط… أفكر في شيء آخر.»
رفعت عينيها إليه، وفيهما دهشة حقيقية.
«كنت أفكر في أختي.»
لم يكن دارون يعرف ما إذا كانت تلك الذكرى مرتبطة بالخيط الذي تغير، لكنه أدرك أن ما حدث يختلف عما جرى في المحاولة السابقة. لم تفقد جينيفير معنى الذكرى، ولم تشعر بأنها لم تعد تعرف نفسها. لقد تمكنت من توجيه انتباهها إلى شيء آخر دون أن يتحول ذلك إلى ألم.
كان ذلك تقدمًا.
لكن سرعان ما ظهر أثر جانبي لم يتوقعه.
بعد لحظات، عادت عيناها إليه، وتبدلت ملامحها. لم تختفِ مشاعرها نحوه، بل اندفعت بقوة جعلتها تضع يدها على فمها.
«لماذا… لماذا أريد النظر إليك الآن أكثر من قبل؟»
تجمد دارون.
أعاد فحص الشبكة، فوجد أن الخيط الذي فصله لم يعد يشد المسار السابق، لكن التوتر الذي كان يحمله قد انتقل إلى روابط أخرى. لقد حرر مسارًا واحدًا، إلا أن الشبكة حاولت إعادة توزيع الضغط، وكأنها تسعى إلى الحفاظ على بنيتها الجديدة مهما كان الثمن.
لم تكن الإرادة نظامًا ساكنًا يستطيع تعديله مرة واحدة والانتهاء. كانت شبكة حية من العلاقات تتغير باستمرار، وكل تدخل فيها يدفع بقية أجزائها إلى الاستجابة.
أدرك أنه إذا استمر في الفصل دون أن يعالج البنية الأوسع، فقد يجعل تعلقها به أكثر اضطرابًا بدلًا من تخفيفه.
ومع ذلك، لم يتراجع.
هذه المرة، لم يحاول التعامل مع الخيوط واحدًا تلو الآخر. بدأ يراقب كيف تتفاعل مع بعضها، وكيف تتجمع حول العلاقة التي أصبحت مهيمنة. كان عليه أن يحدد موضع الخلل الذي يجعل كل تلك المسارات تعود إلى نقطة واحدة.
وبعد وقت بدا طويلًا، رآه.
لم يكن خيطًا أكبر من غيره، ولا عقدة مركزية يمكن اقتلاعها. كان نمطًا يتكرر في أنحاء الشبكة كلها: كلما ظهرت رغبة أو خوف أو ذكرى، اتجهت بعض الروابط إلى دارون، ثم عادت منه لتؤثر في بقية المسارات، كأن وجوده أصبح مرجعًا تتحدد وفقه استجابات جينيفير.
كان الخلل في العلاقة بين الإرادة ومرجعها.
لم يكن عليه أن يمزق كل خيط يصل إليها، بل أن يقطع ذلك النمط المتكرر الذي يجعل إرادتها تعود إليه مهما كان مصدرها.
وكان هذا أصعب بكثير.
استغرق دارون وقتًا طويلًا في فهم ما ينبغي فعله. لم يستطع الاعتماد على القوة وحدها؛ فكلما حاول فرض إرادته على الشبكة، وجدها تتصلب وتقاوم، لا لأن جينيفير تعارضه عمدًا، بل لأن الروابط المتشابكة كانت تحاول الحفاظ على النظام الذي اعتادت عليه.
لذلك فعل شيئًا لم يفعله من قبل.
بدلًا من توجيه إرادته نحو الخيوط، جعل العقل الفعّال يتتبع القواعد التي تربطها، ثم ركز على النمط نفسه.
لم يعد يرى آلاف الخيوط منفصلة، بل رأى شبكة من العلاقات تتكرر بأشكال مختلفة. كانت الرغبة في القرب والخوف من الفقد والحاجة إلى الرضا تبدو مشاعر مختلفة، لكنها في بعض المواضع كانت تؤدي الوظيفة نفسها: إعادة توجيه إرادة جينيفير نحوه، حتى عندما لا تختار ذلك بوعي.
استوعب الفكرة، ثم تحرك.
لم يقطع الخيوط.
مزق النمط الذي يجمعها.
وفي اللحظة التي فعل فيها ذلك، اهتزت الشبكة كلها.
انطلقت موجة صامتة عبر إدراكه، لا تشبه انفجار قوة أو اصطدام إرادتين، بل تشبه انهيار قاعدة كانت تستند إليها آلاف الروابط. بدأت الخيوط التي كانت تعود إلى دارون تنفصل عن المسارات التي تقود إليها، واحدة تلو الأخرى، بينما حاولت روابط أخرى التشبث بالنمط القديم.
لم يكن الأمر هادئًا كما توقع.
كلما تحرر جزء من الشبكة، ظهر ما كان مخفيًا تحته: خيوط ملتوية حول ذكريات بعينها، وأخرى متصلة بالخوف من الهجر، وثالثة تمتد إلى طبقات أعمق من شعور جينيفير بذاتها. كان النمط الذي مزقه قد امتد إلى كل تلك المستويات، حتى لم يعد ممكنًا الفصل بين ما أصابه من إرادتها وما تشكل حوله لاحقًا.
سمع صوتها تناديه.
«دارون!»
حاول التوقف، لكن الشبكة كانت قد دخلت مرحلة لم يعد قادرًا على إيقافها بمجرد سحب إرادته. لم يكن ما فعله ضربة واحدة يمكن التراجع عنها؛ لقد فكك قاعدة كانت تربط أجزاء كثيرة من الشبكة، وأصبحت تلك الأجزاء تعيد تنظيم نفسها في اللحظة ذاتها.
أدرك عندها أن تطور قدرته لم يمنحه سيطرة مطلقة.
لقد منحه القدرة على لمس البنية التي تستند إليها الإرادة، لكن فهم البنية لا يعني أن كل نتائج تغييرها ستصبح خاضعة له.
ومع ذلك، لم يستطع تركها تنهار.
أعاد تركيزه، محاولًا التمييز بين الروابط التي تحمل رغبات جينيفير الخاصة، وتلك التي أصبحت تعتمد على النمط الذي مزقه. كان عليه أن يمنع انهيار الأولى مع الثانية، وأن يترك لها ما يكفي من الروابط التي تسمح لإرادتها بالعمل بصورة مستقلة.
للمرة الأولى، لم يكن يستخدم العقل الفعّال لفهم ما يراه، بل لفصل القواعد التي اختلطت في شبكة واحدة.
وفي تلك اللحظة، شعر أن إدراكه تجاوز حدوده المعتادة.
لم يعد يرى إرادة جينيفير وحدها. بدأ يدرك كيف تتشكل العلاقات داخل الشبكة، وكيف يمكن لتغيير علاقة واحدة أن يعيد ترتيب علاقات أخرى، وكيف أن بعض الروابط لا تستمد قوتها من إرادة طرف واحد، بل من الطريقة التي يتداخل بها الطرفان.
كانت قدرته تتطور أمامه، لا إلى قوة تحطم ما يعترضها، بل إلى قدرة على إدراك بنية الأشياء والتدخل في علاقاتها.
لكن الثمن ظهر في اللحظة نفسها.
انحنت جينيفير فجأة، ثم سقطت على ركبتيها.
لم تصرخ من الألم. كان ذلك أكثر ما أخاف دارون.
ظلت تحدق في الأرض، ويداها ترتجفان. حاولت أن تتكلم، لكن الكلمات خرجت متقطعة، وكأنها لا تستطيع العثور على المسار الذي يربط الفكرة باللغة.
«أنا… كنت…»
رفعت رأسها نحوه، وعيناها تائهتان.
«من أنا؟»
توقف قلب دارون للحظة.
«جينيفير، انظري إليّ.»
نظرت إليه، لكن نظرتها لم تحمل التعرف المعتاد. لم تكن تنظر إلى شخص تكرهه أو تخشاه، بل إلى شيء لا تستطيع تحديد موقعه داخل العالم.
«أعرف اسمك»، قالت ببطء. «أعرف أنني أعرفك. لكنني لا أفهم لماذا يجب أن يعني ذلك شيئًا.»
كان هذا أسوأ مما حدث سابقًا.
لم تفقد ذاكرتها، لكنها فقدت مؤقتًا القدرة على ربط ما تعرفه بما تشعر به. لم تعد قادرة على فهم الصلة بين اسم دارون وبين المكانة التي احتلها في داخلها، ولا بين ذكرياتها عنه وبين إحساسها بذاتها.
حاولت الوقوف، لكنها ترنحت.
«هناك شيء ناقص.»
اندفع دارون نحوها وأمسك بذراعها قبل أن تسقط. لم تقاومه، ولم تحاول الاقتراب منه. بقيت تنظر إليه بارتباك متزايد، ثم بدأت تتنفس بسرعة.
«لا أستطيع العثور عليه. أحاول أن أتذكر ما الذي أريده، لكن كل شيء يبدو بعيدًا. حتى الأشياء التي كنت أخاف فقدانها… لا أعرف كيف أشعر تجاهها.»
كانت إرادتها تتفكك أمام عينيه.
لم يكن التمزق قد محاها، لكنه فصل بين أجزاء كانت تعتمد على بعضها لتمنحها شعورًا متماسكًا بذاتها. وما كان يبدو من الخارج تعلقًا مفرطًا بدارون، كان في أعماقه قد أصبح جزءًا من الطريقة التي تنظم بها جينيفير دوافعها وتفسر تجاربها.
حين مزق النمط الذي يربط تلك الدوافع به، حرر بعض خيوطها، لكنه أزال معها روابط كانت قد التصقت به حتى صارت جزءًا من نظامها الداخلي.
لقد اقترب من تحريرها، وكاد في اللحظة نفسها أن يحطم قدرتها على فهم نفسها.
«جينيفير، اسمعيني. أنت جينيفير. أنت هنا معي، في الخيمة، وقد جئنا من معسكر كاستر. أنت تعرفين هذه الأشياء، أليس كذلك؟»
أومأت ببطء.
«أعرفها.»
«إذن تمسكي بما تعرفينه. لا تحاولي إجبار نفسك على الشعور بشيء معين. أخبريني فقط بما تستطيعين تذكره.»
أغمضت عينيها، وحاولت تنظيم أنفاسها. مرت ثوانٍ طويلة قبل أن تقول:
«كنت أعيش… قبل أن ألتقي بك.»
«نعم.»
«وكانت لدي أشياء أريدها.»
«نعم.»
«لكنني لا أستطيع الوصول إليها.»
ارتجف صوتها، وظهرت الدموع في عينيها.
«أعدها إليّ.»
لم تكن تطلب منه أن يعيد إليها تعلقها به، ولا أن يمنحها مشاعرها السابقة. كانت تطلب استعادة نفسها، ولم يكن يعرف إن كان قادرًا على ذلك.
أعاد دارون إدراكه إلى الشبكة، وأوقف كل محاولة أخرى لتفكيكها. كان عليه الآن أن يفعل العكس: أن يثبت ما بقي من الروابط، وأن يمنع انهيارها، دون أن يعيد النمط الذي جعل إرادتها تدور حوله.
ولم يكن لديه وقت كافٍ للتردد.
استخدم العقل الفعّال لتمييز الخيوط التي لا تزال تحتفظ بمساراتها الأصلية، ثم ركز عليها، محاولًا تثبيتها بعيدًا عن الروابط التي مزقها. لم يفرض عليها اتجاهًا جديدًا، ولم يجبرها على العودة إليه. اكتفى بمنع الروابط المتبقية من الانهيار، تاركًا لها مساحة كي تعيد تنظيم نفسها.
كانت العملية أشبه بمحاولة إبقاء جسر قائمًا بعدما أزيلت منه دعامة أساسية. لم يستطع إعادة البناء في لحظات، لكنه استطاع منع ما تبقى من الانهيار.
بدأت أنفاس جينيفير تهدأ تدريجيًا.
لم تعد عيناها تائهتين بالقدر نفسه، لكنها ظلت شاحبة، منهكة، غير قادرة على فهم ما حدث بالكامل. استندت إلى ذراعه، ثم همست:
«هل انتهى؟»
نظر دارون إلى الشبكة.
لم تعد كما كانت.
اختفت بعض المسارات التي كانت تعود إليه بصورة قسرية، وانفصلت روابط أخرى عن ذلك النمط المهيمن. لكن الشبكة لم تستعد توازنها؛ بقيت فيها مناطق مضطربة، وخيوط لم يعرف إن كانت ستعود إلى مساراتها السابقة أم أنها ستتشكل من جديد بطريقة مختلفة.
قال: «توقفت عن التدخل.»
«هل عدت إلى طبيعتي؟»
لم يستطع أن يكذب.
«لا أعرف.»
أغمضت عينيها، ثم أومأت ببطء، كأنها لم تعد تملك القوة لطرح المزيد من الأسئلة.
حملها دارون إلى فراشها، ووضعها برفق، ثم جلس بالقرب منها دون أن يحاول الاقتراب أكثر مما تحتاج إليه. بقيت مستيقظة لبعض الوقت، تنظر إلى سقف الخيمة، قبل أن تسأله بصوت خافت:
«هل كنت أنا من اختارك؟»
لم يفهم السؤال في البداية.
«ماذا تقصدين؟»
«قبل أن يحدث كل هذا. هل كنت أريدك حقًا، أم أن شيئًا في إرادتي جعلني أريدك؟»
لم يجد جوابًا يمكنه الوثوق به.
قال أخيرًا: «لا أستطيع أن أعرف ذلك الآن. لكنني لن أعتبر ما حدث دليلًا على أن مشاعرك لم تكن حقيقية، ولن أعتبر تعلقك بي دليلًا على أنك يجب أن تبقي معي. عندما تستعيدين قدرتك على الاختيار، سيكون لك الحق في أن تقرري بنفسك ما الذي تريدينه.»
لم تجبه. بعد لحظات، أغمضت عينيها، وغرقت في نوم متقطع.
أما دارون فبقي جالسًا إلى جوارها، عاجزًا عن النوم.
عندما عاد إلى فحص الشبكة، اكتشف أن التغير لم يقتصر على جينيفير.
كان العقل الفعّال نفسه مختلفًا.
في السابق، كانت قدرته تمنحه إدراكًا أعمق للأشياء، وتكشف له العلاقات الخفية التي تربط الظواهر بعضها ببعض. أما الآن، فقد أصبح قادرًا على تحديد مواضع الترابط، وتمييز ما ينشأ عن وجود الشيء نفسه مما ينشأ عن علاقته بغيره.
لقد فهم أن الخيط ليس مجرد مسار من الإرادة، وأن العلاقة ليست مجرد نقطة اتصال. كان لكل منهما دور مختلف في تشكيل البنية الكاملة، ويمكن تغيير أحدهما دون أن يكون الآخر مطابقًا له.
وكان هذا اكتشافًا خطيرًا.
إذا استطاع استخدام هذه القدرة على نحو أدق، فقد يتمكن من فصل تأثير عن سببه، أو قطع رابطة دون تدمير الأشياء المرتبطة بها. وربما يستطيع في المستقبل أن يتدخل في روابط تتجاوز الإرادة وحدها، ما دامت قدرته قادرة على إدراك بنيتها.
لكنه لم يكن يعرف حدود ذلك، ولا الثمن الذي قد يدفعه كلما تعمق.
نظر إلى جينيفير النائمة، وشعر بثقل ما فعله.
لقد أراد أن يعيد إليها حريتها، لكنه كاد يسلبها الشيء الذي يجعلها قادرة على ممارسة تلك الحرية أصلًا. لم يكن كاستر مخطئًا في أن ترك الأمر دون تدخل قد يكون خطرًا، لكنه لم يكن محقًا أيضًا في تبسيط الحل إلى مجرد تمزيق الإرادة.
فالإرادة لم تكن خيطًا واحدًا يمكن قطعه.
كانت شبكة من العلاقات، وبعض تلك العلاقات قد يصبح جزءًا من الطريقة التي يعرف بها الإنسان نفسه.
أغمض دارون عينيه، وأطفأ العقل الفعّال أخيرًا.
وفي أعماقه، بقي سؤال واحد يطارده:
إذا كان قادرًا على تغيير الروابط التي تشكل إرادة الإنسان، فهل يستطيع يومًا أن يميز بين تحرير شخص من قيد، وبين تغيير الشخص نفسه إلى الأبد؟
……..
ملاحظة المؤلف:
هذا هو الفصل الرابع لهذا اليوم و كما قلت سابقا هذه الفصول بفضل الشخص الذي قدم دعم الرواية و شكرا