الفصل 335 - حين يتمزق الوجود
لم يتحدث دارون مع جينيفير طوال الساعة الأولى من رحلتهما بعيدًا عن معسكر كاستر. لم يكن صمته عقابًا لها، بل لأنه لم يستطع إخراج كلمات المجيد من رأسه. كان كاستر قد تحدث عن إرادة جينيفير كما لو أنها شيء يمكن فحصه وقطعه وإعادته إلى حالته السابقة، لكن دارون عرف من تجربته معها أن الأمر أعقد من ذلك بكثير. لقد رأى خيوط إرادتها تتجه نحوه، ورأى كيف ظلت متمسكة به حتى وهي تقاتل وحشًا لا علاقة له به، وكأنها لم تعد قادرة على توجيه جزء حقيقي من وجودها بعيدًا عنه.
أما جينيفير، فكانت تسير إلى جانبه بهدوء غير مألوف. لم تحاول الإمساك بيده، ولم تتذمر من صمته، ولم تطلب منه أن ينظر إليها. لقد أوفت باتفاقهما، لكنها كانت تراقبه بين الحين والآخر، وفي كل مرة تلتقي فيها عيناهما كانت ملامحها تلين على نحو يصعب تفسيره. كان مجرد انتباهه إليها كافيًا لمنحها راحة تكاد تكون مؤلمة في وضوحها.
توقف دارون أخيرًا عند بقعة مرتفعة تطل على وادٍ ضيق، ثم التفت إليها.
«جينيفير، أريد أن أختبر شيئًا.»
تلاشت ابتسامتها الخفيفة، وحل محلها انتباه كامل. «ما الأمر؟»
«أريدك أن تجلسي وتوجهي إرادتك إلى شيء آخر. أي شيء تختارينه بنفسك. فكري في هدف تريدين تحقيقه، أو في مكان ترغبين في الذهاب إليه، أو حتى في شيء تكرهينه. لا أريدك أن تختاري شيئًا من أجلي، ولا أن تحاولي إرضائي. أريد أن أعرف إن كنت ما زلت قادرة على توجيه إرادتك بحرية.»
لم تجبه فورًا.
بدت وكأنها تحاول استيعاب الطلب، ثم جلست على صخرة قريبة وأغمضت عينيها. مرت عدة ثوانٍ، ثم عبست. تحركت أصابعها فوق ركبتيها، وشدت قبضتها قبل أن ترخيها مجددًا.
«لا أستطيع.»
اقترب دارون قليلًا، لكنه لم يلمسها. «ما الذي لا تستطيعين فعله؟»
«اختيار شيء آخر.»
فتحت عينيها ونظرت إليه، وفيهما حيرة صادقة لم تستطع إخفاءها.
«أستطيع التفكير في أشياء كثيرة. أستطيع تذكر الأماكن التي عشت فيها، والناس الذين قابلتهم، والأشياء التي كنت أرغب في امتلاكها. لكن عندما أحاول اختيار شيء أريده الآن، ينتهي الأمر بك دائمًا. حتى عندما أحاول منع نفسي من التفكير فيك، أجدني أتساءل إن كنت ستبقى بجانبي، أو إن كنت قد مللت مني، أو إن كنت أخطأت في شيء جعلني أقل أهمية بالنسبة إليك.»
خفضت رأسها، ثم أضافت بصوت أكثر خفوتًا: «وأنا أكره ذلك. أحيانًا أكره نفسي لأنني أفكر بهذه الطريقة، لكنني لا أستطيع التوقف.»
لم يكن دارون بحاجة إلى استخدام العقل الفعّال كي يدرك أن كلماتها لم تكن محاولة لاستدرار عطفه. كانت تصف تجربة تعيشها فعلًا، تجربة لا تستطيع السيطرة عليها رغم إدراكها المتقطع لمدى غرابتها.
جلس على مسافة منها.
«هل تشعرين بأنك تريدين البقاء معي، أم أنك تشعرين بأنك لا تستطيعين الابتعاد عني؟»
رفعت رأسها بسرعة، وكأن السؤال أصاب موضعًا حساسًا.
«ألا يوجد فرق بينهما؟»
«هناك فرق كبير.»
ظلت تحدق فيه. ثم حاولت الإجابة، لكنها توقفت مرتين قبل أن تخرج الكلمات من فمها.
«عندما أكون معك، أشعر أن كل شيء في مكانه الصحيح. حتى الأشياء التي تخيفني تصبح محتملة. لكن عندما تبتعد، لا أشعر بأنني أفتقدك فحسب. أشعر بأن شيئًا ما ينتزع مني، كأنني لا أستطيع أن أكون نفسي ما دمت لا أعرف أين أنت أو ما الذي تفكر فيه.»
صمتت قليلًا، ثم قالت: «أحيانًا لا أعود أعرف إن كنت أريدك لأنني أحبك، أم لأنني أصبحت عاجزة عن احتمال وجودي من دونك.»
لم يرد دارون على الفور. كان في كلامها ما جعله يتردد بين الرغبة في طمأنتها والخوف من أن تتحول الطمأنينة نفسها إلى قيد جديد. لم يكن يريد أن يدفعها بعيدًا لمجرد أنه خائف، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لأن يجعل تعلقها به أساسًا لكل قرار يتخذه الاثنان.
«لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال بدلًا منك»، قال أخيرًا. «ولا أريدك أن تضطري إلى الاختيار بين البقاء معي وفقدان نفسك.»
ارتجفت شفتاها بابتسامة ضعيفة.
«أعرف. ولهذا أخاف.»
كانت تلك أول مرة تعترف فيها بخوفها بهذه البساطة، من دون أن تحاول تحويله إلى طلب أو انتزاع وعد منه. ومع ذلك، لم يشعر دارون بالارتياح. فقد بدا له أن وعيها بما يحدث لم يعد كافيًا لحمايتها منه.
وهنا قرر أن يفعل ما حذره كاستر منه.
طلب منها أن تبتعد عدة خطوات، ثم استدعى العقل الفعّال.
انفتحت أمام إدراكه طبقات العالم التي لا تراها العين المجردة. لم تعد جينيفير مجرد امرأة تقف على صخرة، بل شبكة من الإرادة تتشابك خيوطها مع دوافعها وقراراتها وإحساسها بذاتها. كانت هناك خيوط ترتبط بذكرياتها، وأخرى بردود أفعالها، وثالثة بما بقي لها من رغبات لا تتعلق به. غير أن معظم هذه الخيوط كانت قد انحرفت عن مساراتها الأصلية، والتفت حول محور واحد.
دارون.
لم يكن الأمر مجرد توجيه عاطفي، ولا حتى تعلق شديد يجعلها تفضله على الآخرين. كانت الخيوط تتجه نحوه كما لو أن وجوده أصبح النقطة التي تقيس بها بقية الأشياء. بعض الخيوط التي يفترض أن تنتهي عند رغباتها الخاصة كانت تمتد نحوه، وبعض الخيوط المرتبطة بخوفها كانت تمر عبر حضوره قبل أن تصل إلى وعيها، حتى إن رد فعلها تجاه العالم بدا وكأنه ينتظر موافقة غير مرئية منه.
لكن ما أرعب دارون حقًا كان أعمق من ذلك.
لم تكن الخيوط تلتف حوله من الخارج فقط. لقد امتد بعضها إلى طبقات أدق، إلى المواضع التي لا يستطيع تسميتها، حيث تتداخل الإرادة مع الإحساس بالذات ومع الشعور بأن المرء هو الشخص نفسه الذي كانه قبل لحظة.
كانت جينيفير لا تزال جينيفير؛ ذاكرتها لم تختفِ، وشخصيتها لم تُمحَ، ولم تصبح دمية تتحرك بإشارة منه. لكنها فقدت شيئًا أكثر خفاءً: المسافة الداخلية التي تسمح للإنسان بأن يقف أمام رغباته، ويتأملها، ثم يقرر إن كان سيطيعها أم يرفضها.
لم تعد رغبتها في دارون مجرد رغبة تخصها. لقد أصبحت جزءًا من الطريقة التي تتعرف بها إلى نفسها.
ولذلك، عندما حاولت الابتعاد عنه في تفكيرها، لم تواجه مجرد اشتياق أو ألم عاطفي. واجهت فراغًا لا تعرف كيف تملؤه، لأن الطريق الذي تحاول سلوكه لم يعد واضحًا لها. كانت تحاول اتخاذ قرار مستقل، لكن كل قرار يبدأ في داخلها يعود في النهاية إلى المحور نفسه.
تذكر دارون كلمات كاستر.
إذا كانت إرادتها قد ارتبطت بك إلى درجة أنها لم تعد قادرة على توجيهها نحو أي شيء آخر، فلا تظن أن منحها المزيد من الطمأنينة سيحل المشكلة.
ربما كان المجيد محقًا في أن الانتظار لن يكفي. وربما كان هناك سبيل لقطع ذلك الارتباط وإعادة الخيوط إلى مساراتها الأصلية.
لكن دارون لم يكن يعرف إن كانت الخيوط مجرد آثار تركتها مشاعرها، أم أن إرادته نفسها قد تدخلت فيها على نحو لا يفهمه.
مد إدراكه نحو أحد الخيوط.
لم يلمسه في البداية، بل راقبه وحاول تتبع مساره. كان خيطًا دقيقًا يمتد من عمق إرادة جينيفير، يمر عبر طبقات متشابكة من دوافعها، ثم ينتهي عند نقطة متصلة به. لم يكن مختلفًا في مظهره عن بقية الخيوط، لكنه كان يحمل أثرًا لم يستطع تفسيره: كلما حاول تتبع بدايته، وجد نفسه أمام طبقة أعمق، وكأن الخيط لم ينشأ من رغبة واحدة يمكن فصلها، بل من تداخل أشياء كثيرة حتى فقدت حدودها.
تردد.
كان يستطيع التراجع، وإخبارها بأنه لم يجد شيئًا، ثم مواصلة البحث عن حل آخر. لكنه تذكر كيف نظرت إليه عندما اعترفت بأنها لا تستطيع معرفة إن كانت تريده فعلًا أم أنها لم تعد قادرة على الابتعاد عنه. وإذا ترك حالتها تتدهور، فقد تصل إلى نقطة لا يعود فيها الاختيار متاحًا لها أصلًا.
قرر أن يختبر خيطًا واحدًا فقط.
أحاطه بإرادته، ثم حاول فصله عن المسار الذي يقوده إليه.
شهقت جينيفير.
لم يكن الألم جسديًا. لم تتألم عضلاتها، ولم تشعر بأن عظامها قد كسرت، ولم يظهر على جسدها جرح واحد. ومع ذلك، انحنت فجأة، ووضعت يدها على صدرها كما لو أن شيئًا انتُزع من داخلها.
«دارون…؟»
توقف فورًا، وأرخى إرادته.
عاد الخيط إلى موضعه، لكن جينيفير ظلت منحنية، تتنفس بصعوبة. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بعينين متسعتين.
«ماذا فعلت؟»
لم يحاول الكذب عليها.
«حاولت فصل أحد الخيوط التي تربط إرادتك بي.»
ظلت تحدق فيه، ثم انتقلت نظرتها إلى يديها. فتحت أصابعها وأغلقتها، وكأنها تتحقق من أنها ما تزال قادرة على تحريكها.
«لماذا أشعر وكأنني…؟»
توقفت. لم تستطع إكمال الجملة.
«كأنك ماذا؟» سألها دارون.
وضعت يدها على جبينها.
«لا أعرف. للحظة، لم أعد أتذكر لماذا كنت جالسة هنا.»
اقترب دارون خطوة، ثم توقف عندما رأى التوتر في جسدها.
«هل نسيتِ ما حدث؟»
«لا. أتذكر أنك طلبت مني أن أجلس. وأتذكر أنني كنت أحاول التفكير في شيء أريده لنفسي.» ابتلعت ريقها بصعوبة. «لكن عندما انقطع ذلك الخيط، لم أفقد ذكرى. لقد فقدت السبب الذي جعل تلك الذكرى تعني لي شيئًا.»
شعر دارون بانقباض في صدره.
كانت هذه أول علامة واضحة على أن ما يتعامل معه يتجاوز المشاعر والأفكار. لم تكن جينيفير تنسى الوقائع، بل تفقد الصلة الداخلية التي تمنحها معناها. وكأن جزءًا من قدرتها على التعرف إلى ذاتها كان متصلًا بذلك الخيط، على الرغم من أنه لم يكن يعرف كيف أو لماذا.
قال بسرعة: «سأتوقف. لن أحاول مرة أخرى.»
لكن جينيفير رفعت رأسها نحوه، وقد ظهر في عينيها خوف جديد.
«لا.»
«جينيفير، لقد آذيتك.»
«أعرف، لكن…» مدّت يدها نحوه، ثم توقفت قبل أن تلمسه. كانت تحاول الالتزام باتفاقهما حتى في تلك اللحظة، رغم أن جسدها كله بدا وكأنه يطالبه بالاقتراب. «عندما انقطع الخيط، شعرت أنني فقدت شيئًا أكبر مني. لم يكن مجرد ألم. كان الأمر أشبه بأنني لم أعد أعرف أين أنتهي وأين يبدأ العالم.»
لم يستطع دارون أن يجيب.
أعاد النظر إلى خيوطها، فوجد أن الخيط الذي حاول فصله قد عاد، لكنه لم يعد إلى حالته السابقة تمامًا. كان هناك اضطراب في مساره، وانعكست آثاره على الخيوط المجاورة. لقد أحدث تدخله خللًا في شبكة لم يكن يعرف بنيتها، ومع ذلك كان الخلل محدودًا حتى الآن.
كان عليه أن يتوقف.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه: الخيط لم يكن وحده. في أعماق شبكة جينيفير، ظهرت خيوط أخرى تحمل الأثر نفسه، وكلما حاول تمييزها، بدا له أنها لا ترتبط بدارون من خلال رغباتها فحسب، بل تمر عبر طبقة من إرادته هو أيضًا.
تجمد في مكانه.
لم يكن ما يراه مجرد تعلق جينيفير به. لقد تدخلت إرادته في إرادتها، بطريقة لم يقصدها ولم يشعر بها من قبل. وربما لم يكن هذا التدخل قد بدأ حين قرأت روحه، بل في تلك اللحظة التي اتصلت فيها قدرتهما اتصالًا لم يستطع أي منهما فهمه.
لقد كان يحاول تحريرها من ارتباطه بها باستخدام الأداة نفسها التي قد تكون ساهمت في صنع ذلك الارتباط.
ومع ذلك، لم يكن هذا أسوأ ما اكتشفه.
عاد دارون إلى فحص الشبكة، هذه المرة بحذر أشد. حاول ألا يلمس الخيوط، واكتفى بتتبع اتجاهاتها، حتى اتضحت له طبقة لم يرها في البداية.
كانت هناك خيوط لا تصل إلى رغبات جينيفير أو ذكرياتها أو أفكارها. كانت أعمق من ذلك كله، متصلة بما يمكن تسميته مركز وجودها؛ بذلك الإحساس الصامت الذي يجعلها تعرف أنها هي جينيفير، حتى عندما تتغير مشاعرها وتتبدل أفكارها وتنسى بعض ذكرياتها.
وكانت تلك الخيوط أيضًا تتجه نحوه.
لم تكن كلها متشابكة معه بالدرجة نفسها، ولم يستطع تحديد ما إذا كانت قد انحرفت بفعل قدرته أو بفعل شيء آخر. لكنه رأى أن بعضها أصبح مشدودًا إلى إرادته، وأن هذا الشد لم يعد محصورًا في طريقة تفكيرها. لقد وصل إلى الطبقة التي تستند إليها علاقتها بنفسها وبالعالم.
فهم عندها لماذا بدت محاولتها السابقة لاختيار رغبة مستقلة وكأنها تصطدم بجدار غير مرئي.
لم تكن المشكلة أن جينيفير لا تستطيع التفكير في شيء سوى دارون. كانت المشكلة أن إرادتها، في أعماقها، لم تعد تتعامل معه باعتباره شخصًا آخر يمكن أن ترغب فيه أو تبتعد عنه. لقد بدأ وجوده يتداخل مع الطريقة التي تفهم بها وجودها هي.
لم يكن دارون مركز حياتها فحسب، بل صار جزءًا من الإطار الذي تتحدد داخله حياتها.
وهذا يعني أن قطع الخيوط بالقوة قد لا يحررها ببساطة. فقد يكون أشبه بانتزاع جزء من الأساس الذي تقف عليه، دون أن يعرف إن كان ما تبقى قادرًا على حملها.
«ماذا ترى؟»
جاء صوت جينيفير ضعيفًا، لكنه أعاده إلى اللحظة الراهنة.
نظر إليها. كانت قد وقفت، رغم أن ساقيها لم تكونا ثابتتين تمامًا. لم تقترب منه، لكنها لم تستطع إبعاد عينيها عنه أيضًا.
«أرى أن الأمر أخطر مما ظننت.»
«هل أنا… مرتبطة بك بطريقة لا يمكن تغييرها؟»
كان من السهل أن يمنحها إجابة مطمئنة، وأن يقول لها إن كل شيء يمكن إصلاحه. لكنه لم يعد يثق في أي جواب لا يستطيع إثباته.
«لا أعرف إن كان الأمر غير قابل للتغيير. لكنني أعتقد أن إرادتي تدخلت فيك على نحو لم أكن واعيًا به. وقد يكون ذلك سببًا في أن مشاعرك أصبحت بهذا العمق.»
خفضت عينيها.
«إذن، ما أشعر به ليس حقيقيًا؟»
«لم أقل ذلك.»
رفعت رأسها نحوه بسرعة.
تابع دارون: «مشاعرك حقيقية لأنك أنت من يعيشها. ألمك حقيقي، وخوفك حقيقي، وحتى رغبتك في البقاء معي قد تكون حقيقية. لكن هذا لا يعني أن الطريقة التي تشكلت بها هذه المشاعر طبيعية، أو أنك حرة تمامًا في اختيار ما تفعلينه بها.»
بدت الكلمات وكأنها منحتها شيئًا من الراحة، لكنها لم تبدد خوفها.
«هل تستطيع إصلاحي؟»
لم يكن السؤال مجرد طلب للمساعدة. كان يحمل داخله احتمالًا أشد خطورة: أنها بدأت ترى نفسها شيئًا مكسورًا لا يستطيع العودة إلى حالته السابقة إلا إذا تدخل دارون.
وهذا بالضبط ما لم يرد أن يحدث.
«أستطيع أن أحاول مساعدتك، لكنني لن أقرر عنك ما الذي يجب أن تشعري به، ولن أقطع خيوطك دون أن أفهم عواقب ذلك. لن أكرر ما فعلته الآن.»
تغير وجهها قليلًا، وظهر فيه شيء يشبه الخيبة، كأن جزءًا منها كان يريد منه أن يتولى الأمر كله ويعفيها من الخوف. لكنها لم تعترض.
قالت بعد لحظة: «أخشى أن تتركني وحدي مع هذا الشيء.»
«لن أتركك تواجهينه وحدك لمجرد أنني لا أفهمه. لكنني لن أطلب منك أيضًا أن تعتمدي عليّ في كل شيء. علينا أن نجد طريقة تعيد إليك القدرة على الاختيار، لا طريقة تجعلك تحتاجين إليّ أكثر.»
أطرقت جينيفير رأسها، وبقيت صامتة. لم يكن واضحًا إن كانت قد اقتنعت بكلامه، لكنها لم تطلب منه وعدًا آخر.
أما دارون، فقد أعاد النظر إلى الخيوط مرة أخيرة قبل أن يتراجع عن استخدام العقل الفعّال. كان يعلم أنه لم يرَ سوى جزء من الحقيقة، وأن محاولته البسيطة لفصل خيط واحد كادت تحدث خللًا لا يستطيع تقدير عواقبه.
لكنه عرف شيئًا آخر أيضًا.
لقد كان يظن أن جينيفير فقدت استقلالها لأنها أصبحت ترغب فيه أكثر مما ينبغي. ثم اكتشف أن الأمر تجاوز الرغبة، وتجاوز التفكير، حتى وصل إلى طبقة من وجودها لم يكن يتصور أن قدرته تستطيع بلوغها.
لم يكن يعرف إن كان قد فعل ذلك من خلال إرادته، أم أن شيئًا في روحه استجاب لقدرة جينيفير بطريقة لا يفهمها أي منهما. ولم يكن يعرف إن كان ما رآه أثرًا قابلًا للعلاج أم رابطة أعمق لا يمكن قطعها دون ثمن.
كل ما عرفه أنه عندما حاول تمزيق خيط واحد، لم تشعر جينيفير بأنها فقدت رغبة أو ذكرى.
لقد كادت تفقد الإحساس بنفسها.
وكان ذلك كافيًا ليجعله يدرك أن نصيحة كاستر، رغم ما احتوته من معرفة، قد تكون أخطر شيء يمكن أن يتبعه دون فهم.
فإذا كان يريد تحرير جينيفير حقًا، فعليه أولًا أن يعرف أين تنتهي إرادته، وأين تبدأ إرادتها، ولماذا لم تعد الحدود بينهما واضحة كما ينبغي.
وإلى أن يجد الإجابة، لن يسمح لنفسه بتمزيق خيط آخر..