الفصل 334 - قلادة المبجل
توقفت حركة الجنود عند صوت دارون، وانصرفت عشرات الوجوه نحوه في وقت واحد. لم يكن من المعتاد أن يقترب شخصان فقط من معسكر يضم هذا العدد من الجنود، ثم يعلنا رغبتهما في لقاء قائده بهذه البساطة. بعض الحراس شدوا قبضاتهم حول أسلحتهم، بينما تقدم فارس من الصفوف الأمامية، مستعدًا لإيقاف الغريبين إن أصدرا أي حركة مريبة.
لكن أحدًا لم يحتج إلى إصدار أمر.
فقد انشق الجنود عن بعضهم، وظهر رجل قادم من عمق المعسكر.
كان كاستر المجيد طويل القامة إلى درجة جعلت كثيرًا من الرجال يبدون أقصر منه بوضوح، يرتدي درعًا أسود كامل الجسد، صُنعت أجزاؤه بدقة شديدة، من الخوذة المثبتة عند خاصرته إلى الصفائح التي تغطي صدره وذراعيه وساقيه. لم تكن عليه زخارف مبالغ فيها، ولم يحتج إلى شعار ذهبي أو أحجار ثمينة ليعلن مكانته؛ كان الدرع وحده كافيًا ليمنحه حضورًا ثقيلًا، أشبه بظل جدار أسود يتحرك بين الجنود.
أما شعره، فكان مرتبًا بعناية، خاليًا من الفوضى التي يُتوقع أن تصيب رجلًا يعيش وسط جيش يستعد للقتال. سار بخطوات منتظمة، متساوية المسافة، لا عجلة فيها ولا تردد، وكأن كل حركة من حركاته تخضع لنظام صارم لا يسمح بأي انحراف. لم يلتفت إلى الجنود الذين انحنوا له، ولم يبادلهم التحية؛ اكتفى بمواصلة سيره حتى توقف على مسافة قصيرة من دارون.
رفع عينيه إليه.
لم يكن في نظرته غضب أو فضول ظاهر، بل هدوء رجل اعتاد أن يواجه الموت حتى صار وجوده أمامه أمرًا عاديًا.
قال كاستر بصوت عميق ومستقر: «هل أتيت لقتالي؟»
لم يبدُ على دارون أنه فوجئ بالسؤال. نظر إلى الرجل الذي يقف أمامه، وحاول تقدير حجم القوة الكامنة خلف ذلك السكون. لم يكن بحاجة إلى استخدام عقله الفعّال كي يدرك الفارق الهائل بينهما؛ فالرجل الذي أمامه لم يكن مجرد فارس قوي، بل أحد المجسدين الذين بلغوا مستوى يجعل وجودهم وحده كافيًا لتغيير مسار المعارك.
أجاب دارون بصراحة: «أعلم أن قتالك أمر مستحيل بالنسبة إلي. أنت وحش من المجسدين، ولن أحقق شيئًا بمحاولة مواجهتك مباشرة.»
ظهرت حركة طفيفة في عيني كاستر، أقرب إلى الاهتمام منها إلى الاستحسان.
«إذن، لماذا جئت؟»
بدلًا من الإجابة، رفع دارون يده ببطء وأخرج قلادة كان يحتفظ بها في مكان آمن. تدلت منها قطعة معدنية صغيرة على هيئة سيف ودرع وتاج، صُنعت رموزها الثلاثة بدقة، رغم آثار الزمن التي تركت بصمتها على سطحها.
ما إن وقعت عينا كاستر عليها حتى تغير وجهه.
لم يكن التغير كبيرًا، ولم يفقد الرجل اتزانه، لكن سكونه انكسر للحظة قصيرة. تحركت عيناه بين الرموز الثلاثة، ثم ثبتتا على القلادة كلها، وكأن شيئًا من الماضي عاد إليه بصورة لم يكن مستعدًا لها.
تقدم خطوة واحدة.
«من أين حصلت على هذه؟»
كان صوته أكثر حدة من ذي قبل، حتى إن بعض الجنود القريبين تبادلوا النظرات. لم يعتادوا سماع قائدهم يطرح سؤالًا بهذه السرعة، فضلًا عن أن تبدو الإجابة مهمة إلى هذا الحد.
أمسك دارون بالقلادة بين إصبعيه وقال: «أرين ائتمنني عليها. طلب مني أن أوصلها إليك.»
لم يبعد كاستر نظره عنها.
«أرين المبجل؟»
«نعم.»
ساد الصمت بينهما لثوانٍ. ثم رفع كاستر عينيه إلى دارون، وقد اختفى شيء من بروده السابق.
«متى رأيته؟»
«قبل موته.»
بدا أن الكلمات الأخيرة أصابت موضعًا حساسًا فيه. لم يرفع صوته، لكنه سأل على الفور: «كيف مات؟»
لم يجب دارون مباشرة. تذكر الرجل الذي ائتمنه على القلادة، والطريقة التي نظر بها إليه في لحظاته الأخيرة، والهدوء الذي لم يفارقه حتى عندما صار الموت حقيقة لا يمكن تأجيلها.
قال أخيرًا: «مات مبتسمًا.»
لم يتحرك كاستر.
كانت الإجابة قصيرة، ولم تشرح شيئًا عن الظروف التي انتهت فيها حياة أرين، لكنها حملت معنى لم يحتج الرجل إلى تفسيره. أطرق رأسه قليلًا، ثم أغمض عينيه للحظة. وحين فتحهما مجددًا، عاد وجهه إلى هدوئه المعتاد، وإن بدا ذلك الهدوء أثقل مما كان عليه قبل دقائق.
مد دارون القلادة نحوه.
«إنها أمانة، وقد أتيت لأفي بوعدي.»
لكن كاستر لم يمد يده لاستلامها.
نظر إلى القلادة مرة أخيرة، ثم قال: «احتفظ بها.»
عقد دارون حاجبيه. «هل تعرف ما الذي طلبه مني؟»
«أعرف أرين أكثر مما تتصور.» استقرت عينا كاستر على وجهه. «لو أراد مني أن أمتلك هذه القلادة، لكان قد أرسلها إليّ مع شخص آخر. لكنه اختارك أنت، وأرسلك بها بنفسك.»
خفض دارون يده ببطء، دون أن يعيد القلادة إلى مكانها.
تابع كاستر: «لم يكن أرين رجلًا يهتم بالرموز لمجرد قيمتها. لقد اتخذك خليفة له، وأراد أن يصل إليّ خبر اختياره. أما القلادة، فقد كانت وسيلته لإيصال الرسالة، لا غايتها.»
لم يعرف دارون ماذا يقول. لم يكن متأكدًا أصلًا من أن أرين قد وصفه يومًا بأنه خليفته، لكن كلمات كاستر كشفت له أن الرجل الميت كان يخفي من المعاني أكثر مما أظهره له في لقائهما الأخير.
قال بعد لحظة: «لم يخبرني بذلك صراحة.»
«لم يكن مضطرًا إلى ذلك.» ألقى كاستر نظرة قصيرة على القلادة. «أرين لم يكن يتخذ قراراته بناءً على ما يقوله الناس عن أنفسهم، بل بناءً على ما يراه فيهم. وإذا اختارك، فلا بد أنه وجد فيك شيئًا يستحق الاختيار.»
لم يشعر دارون بالرضا الذي قد يتوقعه المرء من سماع كلمات كهذه. على العكس، أثارت فيه المزيد من الأسئلة. ما الذي رآه أرين فيه؟ ولماذا اختار رجلًا لا يتذكر ماضيه ليحمل أمانته؟ وهل كان ذلك الاختيار متعلقًا بشخصه، أم بشيء لا يزال مجهولًا حتى بالنسبة إليه؟
لكنه لم يأتِ إلى هنا ليبحث عن إجابات تخص ماضيه وحده.
أعاد القلادة إلى مكانها، ثم رفع نظره إلى كاستر.
«هناك أمر آخر أريد أن أسألك عنه.»
عاد الهدوء الصارم إلى وجه المجيد.
«أوغستا.»
لم يكن اسمها بحاجة إلى شرح. تغيرت الأجواء المحيطة بهما قليلًا، وكأن الجنود الذين يقفون على مقربة أدركوا أن الحديث انتقل من شأن شخصي إلى مسألة قد تحدد مصير الإمبراطورية.
قال دارون: «أريد أن أعرف لماذا تسعى إلى قتلها.»
جاء رد كاستر مباشرًا، دون مقدمات أو محاولة لتجميل الحقيقة.
«لأنها تملك أخطر سلاح في الإمبراطورية.»
انتظر دارون أن يكمل، لكنه لم يفعل.
«الرأي العام؟» سأل دارون.
«نعم.»
أدار كاستر رأسه قليلًا، ونظر إلى الرايات الداكنة التي ترفرف فوق المعسكر. كانت الرياح تدفعها باتجاه الشرق، حيث امتدت الطرق المؤدية إلى المدن التي لم تحسم موقفها بعد من التمرد.
«قبل شهر، لم يكن معظم الناس يعرفون أوغستا إلا بوصفها قديسة مرتبطة ببيت العدالة. أما الآن، فقد وصل اسمها إلى أكثر من نصف الإمبراطورية. الجنود يتحدثون عنها، والتجار ينقلون أخبارها بين المدن، والناس الذين لم يروها قط بدأوا ينظرون إليها باعتبارها شخصًا يمكن أن يضعوا ثقتهم فيه.»
قال دارون: «لأنها تساعد الناس.»
«وهذا تحديدًا ما يجعلها خطرة.»
لم يتغير صوت كاستر، لكن كلماته أصبحت أكثر وضوحًا، كأنه يشرح حقيقة عسكرية لا تقبل الجدل.
«الجيوش يمكن هزيمتها، والحصون يمكن اقتحامها، والجنرالات يمكن استبدالهم. لكن ماذا تفعل عندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن رجلًا أو امرأة بعينهما يمثلان الحق؟ كيف تهزم شخصًا لا يقاتل بسيفه، بل يجعل الآخرين يعتقدون أن كل من يعارضه عدو لهم؟»
تأمل دارون ملامحه. لم يكن كاستر يتحدث عن أوغستا بوصفها امرأة يكرهها، بل باعتبارها خطرًا سياسيًا حقيقيًا، وربما كان ذلك أخطر من الكراهية نفسها.
تابع المجيد: «أوغستا لا تجمع الأنصار حول شخصها فحسب. إنها تبني شيئًا أكبر من ذلك؛ راية يمكن أن يلتف حولها الناس من مختلف المدن والطبقات. وإذا استمرت في النمو بهذه السرعة، فقد تستيقظ الإمبراطورية ذات يوم لتجد أن نصف شعبها مستعد لاتباعها دون أن يعرف إلى أين تقودهم.»
قال دارون: «أنت تفترض أنها تريد التاج.»
«لا أحتاج إلى افتراض ما تريده في أعماقها. يكفيني أن أفهم ما يمكن أن يحدث إذا امتلكت القوة التي تبنيها.»
«أوغستا لا تهتم بالتاج. إنها تؤدي واجبها كقديسة، وتحاول مساعدة من تستطيع مساعدتهم. لم أرَ منها ما يدل على أنها تسعى إلى حكم الإمبراطورية.»
نظر كاستر إليه طويلًا، ثم قال: «وهل تظن أن الرغبة في السلطة تبدأ دائمًا برغبة صاحبها في ارتداء تاج؟»
لم يجب دارون فورًا.
استغل كاستر صمته ليضيف: «قد يبدأ الأمر بواجب، ثم يتحول الواجب إلى مسؤولية، وتتحول المسؤولية إلى قناعة بأن صاحبها وحده يعرف ما ينبغي فعله. وبعدها يصبح كل اعتراض عقبة، وكل معارض شخصًا يهدد الخير الذي يريد تحقيقه. ليس من الضروري أن تكون أوغستا شريرة حتى تصبح خطرًا.»
كانت حجة يصعب رفضها بصورة قاطعة، لكن دارون لم يكن مستعدًا لقبول النتيجة التي وصل إليها كاستر.
«ومع ذلك، فإن قتلها لن يحل المشكلة التي تتحدث عنها. إذا كانت قد أصبحت رمزًا للناس، فإن قتلها قد يحولها إلى رمز أعظم. قد تموت أوغستا، لكن فكرتها ستبقى، وربما تتحول إلى سبب يوحد خصومك بدلًا من أن يفرقهم.»
للمرة الأولى منذ بداية الحديث، ظهرت على وجه كاستر ملامح استحسان واضحة.
«أنت لا تتحدث كمن يصدق كل ما تقوله أوغستا.»
«أنا لا أحتاج إلى تصديق كل شيء تقوله كي أفهم ما تفعله. لكنني لا أرى سببًا يجعلنا نفترض أنها ستصبح طاغية لمجرد أنها تملك تأثيرًا متزايدًا.»
أجابه كاستر: «وأنا لا أرى سببًا يجعلني أثق بها لمجرد أنها تقدم المساعدة للناس.»
كان كل منهما ينطلق من نقطة مختلفة، ولم يكن أي منهما غافلًا عن احتمال أن يكون الآخر محقًا في جزء من كلامه. لكن دارون أدرك أن مواصلة النقاش حول نوايا أوغستا لن تقود إلى اتفاق. كاستر لا يثق بها، ولن تغير الحجج الأخلاقية موقفه ما دام يرى في نفوذها خطرًا يهدد مستقبل الإمبراطورية.
لذلك انتقل إلى ما جاء من أجله.
«لدي اقتراح.»
انتظر كاستر.
قال دارون: «لن نتدخل في حربكم أو في تمردكم. لن تقف أوغستا ضدكم، ولن تساعدكم على إسقاط الإمبراطور. نريد فقط أن تتركنا وشأننا، وألا تحاول جرّنا إلى صراعكم.»
لم يبدُ أن كاستر فوجئ بالعرض، لكنه لم يوافق عليه فورًا.
«ومن أنتم حتى أحتاج إلى عقد صفقة معكم؟»
كان السؤال منطقيًا، ولم يحاول دارون التظاهر بعكس ذلك.
«ربما لا نملك جيشًا ينافس جيشك، ولا أستطيع الادعاء بأنني قادر على هزيمتك. لكنني لا أطلب منك أن تتنازل عن شيء تملكه. أنا أطلب منك فقط ألا تجعلنا أعداء لك دون سبب.»
توقف قليلًا، ثم أضاف: «وإذا نجحت في تمردك، وصعدت إلى المكانة التي تسعى إليها، فستجد أن أوغستا نفسها لن تكون مضطرة إلى الوقوف ضدك. إذا أثبتت أنك قادر على إنهاء الفوضى وحماية الناس، فقد تكسب احترامها، وربما دعمها. أنت تتحدث عن الرأي العام باعتباره أخطر سلاح لديها، لكنك تتصرف وكأنك لا تستطيع امتلاك جزء منه بنفسك.»
ضاقت عينا كاستر قليلًا.
«أتطلب مني أن أراهن على أن أوغستا ستشيد بي بعد أن أفوز في هذه الحرب؟»
«لا. أطلب منك أن تترك لنفسك فرصة لذلك بدلًا من أن تجعل الصراع معها حتميًا. إذا انتصرت، فلن يكون انتصارك وحده كافيًا لضمان استقرار الإمبراطورية. ستحتاج إلى الناس، وستحتاج إلى أن يقتنعوا بأن ما فعلته لم يكن مجرد استبدال حاكم بآخر.»
ساد الصمت.
لم يحاول دارون ملأه بكلمات إضافية. كان يعرف أن عرضه ليس ضمانًا لشيء، لكنه كان يمنح كاستر مخرجًا لا يتطلب منه التخلي عن أهدافه العسكرية، وفي الوقت نفسه لا يجبره على خوض صراع مفتوح مع كل من يرتبط بأوغستا.
وأخيرًا، قال كاستر: «اقتراحك مرضٍ.»
لم يتغير شيء في نبرة صوته، لكن وقع كلماته كان كافيًا لجعل بعض الضباط يتبادلون النظرات.
«لن ألاحقكم، ولن أتعمد جرّكما إلى الحرب. لن أتدخل في شؤونكما ما دمتما ملتزمين بالحياد الذي عرضته. لكن لا تخلط بين هذا الاتفاق وبين تحالف. إذا قرر أحدكم الوقوف في طريقي، فسأعامله وفقًا لذلك.»
أومأ دارون.
«هذا كل ما أطلبه.»
«جيد.»
استدار كاستر قليلًا، ثم توقف وكأنه تذكر أمرًا آخر. لم يكن قد أتم خطوته الأولى حين أعاد نظره إلى دارون، لكن هذه المرة لم تتجه عيناه إليه وحده.
كانت جينيفير تقف خلف دارون بمسافة قصيرة، صامتة طوال الحديث. التزمت بالاتفاق الذي عقدته معه في الليلة الماضية، فلم تقاطعه، ولم تحاول فرض رأيها عليه أو انتزاع انتباهه. ومع ذلك، لم تكن هادئة حقًا؛ فقد ظلت تراقب دارون بعينيها، تتابع أدق حركاته وتغيرات وجهه، وكأن كل كلمة يقولها وكل لحظة يصرف فيها انتباهه عنها تختبر قدرتها على الاحتمال.
لم يفت ذلك على كاستر.
تأملها للحظات، ثم عاد ببصره إلى دارون. كان في نظرته هذه المرة شيء مختلف، مزيج من الاستغراب والاهتمام الذي لا يظهر إلا عندما يصادف المرء أمرًا يخالف كل ما يعرفه عن العالم.
قال: «هناك شيء أريد أن أسألك عنه قبل أن ترحل.»
نظر إليه دارون.
«كيف تمكن متحكم شامل مثلك من ترويض متجلية؟»
تجمدت ملامح جينيفير للحظة، والتفتت عيناها نحو كاستر. لم يعجبها وصفه لما بينها وبين دارون، لكن وجودها أمام رجل بهذه المكانة جعلها تدرك أن الاعتراض لن يغير شيئًا، كما أن الاتفاق الذي قطعته على نفسها كان لا يزال حاضرًا في ذهنها.
أما دارون، فقد بدت عليه الحيرة أكثر من أي شيء آخر.
«ترويضها؟» كرر الكلمة، ثم نظر إلى جينيفير قبل أن يعيد عينيه إلى كاستر. «إذا كنت تقصد ما تراه أمامك، فأنا لا أفهم حالتها أصلًا. ولا أعرف كيف وصلت إلى هذا الوضع.»
لم تكن إجابته مراوغة. لقد حاول فهم ما يحدث لها منذ بدأت حالتها تتدهور، لكنه لم يعثر على تفسير مقنع. كان يعرف أن شيئًا ما تغير فيها منذ استخدمت قدرتها على قراءة روحه، إلا أنه لم يكن يعرف طبيعة ذلك التغير، ولا ما إذا كان مرتبطًا به مباشرة أو بشيء آخر لم يستطع اكتشافه.
ولم يكن يريد أن يتصرف وكأنه يفهمها بينما هي نفسها لم تعد قادرة على التمييز بوضوح بين رغباتها الحقيقية وما تشعر بأنها مضطرة إليه.
حدق كاستر فيه قليلًا، ثم قال: «إذن، أنت لا تسيطر عليها؟»
«لا.»
«ولا تعرف سبب تعلقها بك؟»
«لا أعرف سوى أن حالتها ليست طبيعية، وأنها تزداد سوءًا. أحاول أن أفهم ما يحدث قبل أن تصل إلى مرحلة لا تستطيع العودة منها.»
لم يعلّق كاستر فورًا. نظر إلى جينيفير مرة أخرى، هذه المرة بعينين أكثر جدية، وكأنه لم يعد يرى مجرد متجلية تتصرف على نحو غريب، بل إرادة تمر بشيء لم يكن واضحًا حتى لصاحبتها.
ثم قال: «إذا كنت تريد مساعدتها، فعليك أن تفهم الفرق بين الإرادة والرغبة.»
عقد دارون حاجبيه.
تابع كاستر: «الإرادة ليست ما يريده الإنسان في لحظة معينة، ولا ما يشعر بأنه لا يستطيع العيش بدونه. إنها القدرة على اختيار ما يفعله، حتى عندما تتعارض اختياراته مع رغباته. إذا فقد الإنسان هذه القدرة، فقد يظل قادرًا على القتال والتفكير والكلام، لكنه لن يكون حرًا كما يظن.»
انخفضت نظرة جينيفير قليلًا. لم تكن متأكدة من سبب حديث كاستر بهذه الطريقة، لكن كلماته أصابت شيئًا كانت تحاول تجنبه منذ أيام؛ احتمال أن يكون تعلقها بدارون قد تجاوز حدود ما تستطيع التحكم فيه.
أما دارون، فظل ينظر إلى المجيد بتركيز.
قال كاستر: «أنت متحكم شامل، أليس كذلك؟»
«نعم.»
«إذن، يفترض أنك قادر على رؤية خيوط الإرادة وفهم اتجاهاتها.»
لم يجب دارون، لكن صمته كان كافيًا.
اقترب كاستر خطوة واحدة، وخفض صوته حتى لا يسمعه الواقفون على مسافة بعيدة.
«إذا كانت إرادتها قد ارتبطت بك إلى درجة أنها لم تعد قادرة على توجيهها نحو أي شيء آخر، فلا تظن أن منحها المزيد من الطمأنينة سيحل المشكلة. قد يهدئها ذلك لبعض الوقت، لكنه قد يجعل ارتباطها بك أشد رسوخًا.»
شعر دارون ببرودة تسري في داخله. لم يكن كاستر يعرف تفاصيل ما رآه بعقله الفعّال، لكنه اقترب من وصف المشكلة بطريقة جعلته يعيد التفكير في كل ما حدث خلال الأيام الماضية.
«وماذا تقترح؟» سأل.
جاء جواب كاستر قاطعًا: «مزّق إرادتها، وستعود حرة.»
ساد الصمت بين الثلاثة.
لم يتغير وجه كاستر، وكأنه ألقى نصيحة عادية لا تحمل أي خطر. لكن دارون لم يستطع تقبلها بهذه السهولة. كان يعرف أن الإرادة ليست شيئًا ماديًا يمكن تمزيقه دون عواقب، وأن خيوط جينيفير قد تكون متشابكة على نحو لا يفهمه. وإذا كان ارتباطها به هو ما يدفعها إلى فقدان استقلالها، فإن محاولة قطعه بالقوة قد تؤذيها بدلًا من أن تحررها.
قال دارون ببطء: «وماذا سيحدث لها إذا فشلت؟»
لم يقدم كاستر إجابة فورية.
«هذا يعتمد على طبيعة ما يربطها بك. بعض الروابط يمكن قطعها دون أن تترك أثرًا دائمًا، وبعضها يكون قد اندمج مع الإرادة نفسها. إن لم تعرف الفرق، فلن تستطيع التمييز بين تحريرها وتدمير شيء لا يمكن استعادته.»
ثم استقام في وقفته، وعاد صوته إلى نبرته الرسمية.
«لكن إن تركت الأمر كما هو، فلا تفترض أن الوقت سيحل المشكلة وحده.»
لم يجد دارون ما يقوله. لقد جاء إلى المعسكر بحثًا عن إجابة تتعلق بأوغستا، وخرج باتفاق يمنحه حرية التحرك، لكنه حصل أيضًا على تحذير ربما كان أخطر من كل ما سمعه منذ بدأت حالة جينيفير تتدهور.
استدار كاستر هذه المرة، وأشار إلى أحد ضباطه أن يفسح الطريق لهما.
«لقد انتهى حديثنا. يمكنكما المغادرة، وسأحرص على ألا يتعرض لكما أحد من رجالي ما دمتما ملتزمين باتفاقنا.»
تراجع الجنود عن الطريق، وعادت الحركة إلى المعسكر تدريجيًا. أما دارون فظل واقفًا لثوانٍ، يفكر في الكلمات الأخيرة، قبل أن يلتفت نحو الطريق الذي جاء منه.
كانت جينيفير تنتظره.
لم تسأله عما دار بينه وبين كاستر، ولم تطلب منه أن يخبرها بما قاله عنها. اكتفت بأن وقفت بالقرب منه، محافظة على المسافة التي اتفقا عليها، لكنها بدت وكأنها تبذل جهدًا هائلًا كي لا تتقدم خطوة أخرى.
لاحظ دارون ذلك، فخفف من سرعته حتى صارت تسير إلى جانبه بدلًا من أن تتبعه خلفه.
لم يكن ذلك وعدًا بأن كل شيء سيكون على ما يرام، ولم يكن حلًا للمشكلة التي بدأت تتجاوز قدرته على الفهم. لكنه كان، على الأقل، محاولة صغيرة لئلا يجعلها تشعر بأنها مجرد عبء يجب التخلص منه.
ومع ابتعادهما عن المعسكر، عادت كلمات كاستر تتردد في ذهنه.
«مزّق إرادتها، وستعود حرة.»
لم يعرف إن كانت نصيحة أم تحذيرًا، ولم يكن مستعدًا للمخاطرة بروح جينيفير اعتمادًا على كلمات رجل لا يعرف عنها شيئًا سوى ما رآه خلال دقائق قليلة.
لكنه أدرك حقيقة واحدة: لم يعد بإمكانه الاكتفاء بمراقبة الخيوط وهي تتجه نحوه، وانتظار أن يفهم ما يحدث من تلقاء نفسه.
كان عليه أن يجد طريقة لإعادتها إلى نفسها، حتى لو كان ذلك يعني اكتشاف شيء عن الإرادة لم يكن يريد معرفته أصلًا..