الفصل 333 - على حافة الجنون
لم يعد الطريق إلى كاستر طويلًا كما كان في بداية الرحلة، لكن الساعات الأخيرة جعلت دارون يشعر بأنهما يبتعدان عن غايتهما بدلًا من الاقتراب منها. لم يكن السبب وعورة الأرض أو قلة المؤن، بل جينيفير التي أخذت حالتها تتدهور بطريقة لم يعد يستطيع تجاهلها.
منذ حادثة الوحش في الصباح، لم تتوقف عن محاولة إثبات فائدتها له. كانت تعرض عليه حمل حقيبته، وتبادر إلى تفقد الطريق قبل أن يطلب منها ذلك، وتصر على تولي المهام التي يستطيع إنجازها وحده. وفي كل مرة يشكرها فيها، كانت ملامحها تشرق بسعادة مبالغ فيها، كأنها حصلت على مكافأة ثمينة. أما حين ينشغل عنها أو يجيبها باقتضاب، فتتبدل ملامحها سريعًا، ويحل محل ابتسامتها قلق يصعب إخفاؤه.
في البداية، حاول دارون التعامل مع الأمر بصبر. كان يعرف أنها تمر باضطراب لا تفهمه، ولم يشأ أن يزيد معاناتها بالتصرف معها كما لو أنها أصبحت خطرًا يجب التخلص منه. لكنه بدأ يدرك أن صبره وحده لن يكون كافيًا، خصوصًا بعدما شاهد بنفسه كيف تحولت إرادتها إلى شبكة تتمحور حوله.
توقف عند مفترق صخري، وأخرج الخريطة ليتأكد من الطريق. كانت الشمس تميل نحو الغرب، والجبال البعيدة تحجب جزءًا من الضوء، بينما امتدت أمامهما أرض قاحلة تتخللها شجيرات منخفضة.
«علينا أن نسلك الممر الشرقي»، قال وهو يشير إلى خط ضيق بين مرتفعين. «إذا كانت المعلومات التي حصلنا عليها صحيحة، فلن نكون بعيدين عن المنطقة التي مر بها كاستر.»
اقتربت جينيفير منه فورًا، حتى كادت تلتصق بكتفه، وألقت نظرة على الخريطة.
«إذًا سنصل إليه قريبًا؟»
«إذا لم يتغير مساره.»
«جيد.»
قالتها بسرعة، ثم نظرت إليه بابتسامة.
لم يكن في ابتسامتها شيء من الحماسة التي توقعها. كان من المفترض أن تشعر بالقلق؛ فهما يقتربان من رجل خطير، رجل اتخذ قرارًا بقتل أوغستا، وقد يكون أقوى من أن يتمكنا من مواجهته معًا. لكن جينيفير بدت سعيدة لسبب مختلف تمامًا.
«لماذا أنت سعيدة؟» سألها دارون.
اختفت ابتسامتها للحظة، ثم عادت.
«لأننا سننهي المهمة.»
«أهذا كل شيء؟»
ترددت، ثم قالت: «ولأنني سأبقى معك حتى النهاية.»
ثبت دارون نظره عليها.
«جينيفير، لقد تحدثنا عن هذا الأمر.»
«أعرف.»
«لا أريدك أن تجعلي سلامتك مرتبطة بي. إذا واجهنا خطرًا لا يمكننا التعامل معه، فسنتراجع. وإذا اضطررنا إلى الانفصال، فسنفعل ما يضمن نجاة كل منا. لا أريدك أن تخاطري بحياتك لمجرد أنك لا تريدين الابتعاد عني.»
انخفضت عيناها إلى الخريطة.
«أنت تظن أنني لا أفهم ذلك.»
«لا أظن أنك لا تفهمين. أظن أنك لم تعودي قادرة على التصرف وفق ما تفهمينه.»
بدت الكلمات وكأنها أصابتها في موضع حساس. شدّت أصابعها على طرف ثوبها، وظلت صامتة عدة ثوانٍ.
«إذًا، ماذا تريدني أن أفعل؟» سألت أخيرًا. «أن أتجاهلك؟ أن أتصرف وكأنك لا تعني لي شيئًا؟ أن أسير خلفك طوال الطريق وأتظاهر بأنني لا أريد الحديث معك، ولا أريد أن أعرف ما تفكر فيه، ولا يهمني إن كنت بخير؟»
«لم أطلب منك أيًا من ذلك.»
«لكنك تريدني أن أبتعد.»
«أريدك أن تستعيدي قدرتك على اتخاذ قراراتك بنفسك.»
رفعت رأسها إليه، وكانت في عينيها لمعة حادة.
«وماذا لو كنت لا أريد ذلك؟»
ساد الصمت.
بدا السؤال بسيطًا، لكنه حمل شيئًا أثقل من مجرد العناد. لم تكن جينيفير تتحدث عن قرار واعٍ اتخذته بعد التفكير في عواقبه؛ لقد بدت كأنها تدافع عن الحالة التي تعذبها، لأنها أصبحت الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا بالرضا كلما كان دارون قريبًا.
«أنت لا تعرفين ما الذي تريدينه الآن»، أجابها.
تراجعت خطوة، وكأنها تلقت صفعة لم تتوقعها.
«بل أعرف.»
«جينيفير…»
«قلت إنني أعرف!»
ارتفع صوتها، ثم توقفت فجأة. نظرت حولها باضطراب، وكأنها لم تدرك أنها صرخت إلا بعد أن سمعت صدى صوتها بين الصخور. أخذت أنفاسًا سريعة، وأغمضت عينيها للحظة.
«آسفة.»
كانت الكلمة قد أصبحت تتكرر على لسانها أكثر مما ينبغي. تعتذر، ثم تعود إلى السلوك نفسه، ثم تعتذر مجددًا، وكأن الاعتذار يمنحها فرصة لتبدأ من جديد من دون أن تواجه حقيقة أن الأمور تزداد سوءًا.
تنهد دارون وأعاد الخريطة إلى حقيبته.
«سنواصل السير. لكن إذا شعرت بأنك تفقدين السيطرة على نفسك، فأخبريني. لن نواجه كاستر بينما أنت بهذه الحالة.»
أومأت، ثم تبعته.
ولم يمض وقت طويل قبل أن تدرك أن ما قاله قد ترك أثرًا مختلفًا في نفسها.
لم يكن خوفها الأكبر أن يؤجل المهمة، بل أن يقرر في النهاية أن وجودها إلى جانبه أصبح عبئًا لا يمكن احتماله. لقد فهمت من كلماته أنه يراقب حالتها، وأنه بدأ يشك في قدرتها على مرافقة شخص قد يدخل معركة حياة أو موت. وكلما فكرت في ذلك، ازدادت رغبتها في إثبات أنها ما زالت مفيدة.
لم تستطع أن ترى التناقض في تصرفها. كانت تخشى أن تخسر نفسها بسبب تعلقها به، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن هذا التعلق حتى لو كان هو ما يدفعها إلى حافة الانهيار.
مع تقدم النهار، ازدادت الأرض وعورة. أخذ الطريق يمر بين نتوءات صخرية حادة، ثم انحدر نحو وادٍ ضيق لا تصل إليه أشعة الشمس إلا من زاوية واحدة. كانت آثار الأقدام واضحة في بعض المواضع، إلى جانب علامات عجلات عميقة على التراب الجاف.
انحنى دارون لفحص إحداها، ثم مرر أصابعه على حافتها.
«هذه آثار مجموعة كبيرة.»
اقتربت جينيفير، وراحت تتفحص الأرض بعين خبيرة.
«العجلات ثقيلة. ربما عربات تحمل معدات أو مؤنًا.»
«وربما أسلحة.»
رفعت نظرها إليه، فوجدته يحدق في امتداد الوادي.
«هل تعتقد أنها مجموعة كاستر؟»
«لا يمكن الجزم. لكننا نسير في الاتجاه الصحيح، ومن الأفضل أن نفترض أن هناك مقاتلين في الأمام.»
سحبت جينيفير سلاحها لتتأكد من جاهزيته، ثم وقفت بجانبه.
«أنا مستعدة.»
لم يعلّق دارون على كلامها، بل تابع فحص الآثار. كانت العلامات حديثة نسبيًا، ولم يمض وقت طويل على مرور أصحابها. كما أن عددها يوحي بأن المجموعة لم تكن مجرد دورية صغيرة.
أعاد حساب المسافة في ذهنه، ثم نظر إلى المرتفعات المحيطة. إذا كانت تلك الآثار تعود إلى قوات كاستر، فقد يكونان قد اقتربا من موقعه أسرع مما توقعا. وهذا يعني أن الوقت المتاح للاستطلاع أصبح محدودًا.
«سنغير طريقة تحركنا»، قال. «من الآن فصاعدًا، لا تبتعدي عني، ولا تهاجمي أحدًا قبل أن نتأكد من هويته.»
أومأت جينيفير، ثم سألته: «هل تخشى أن يحدث لي شيء؟»
«أخشى أن نرتكب خطأً يمكن تجنبه.»
«لكنّك تخشى عليّ أيضًا، أليس كذلك؟»
رفع دارون رأسه ببطء.
لم تكن تسأله لتعرف إن كان الخطر حقيقيًا، بل لتنتزع منه إجابة تتعلق بمكانتها لديه. وقد لاحظ ذلك بوضوح، حتى من دون استخدام قدرته.
«أنا لا أريد أن يصاب أي شخص يرافقني بأذى»، قال.
تغيرت ملامحها على الفور. كانت الإجابة منطقية، لكنها لم تكن الإجابة التي أرادتها. بدا أنها كانت تأمل أن يقول إن قلقه عليها مختلف، وإنها تحتل مكانة لا يحتلها الآخرون.
«فهمت»، تمتمت.
لكنها لم تفهم، أو ربما فهمت أكثر مما أرادت.
واصلت السير بصمت عدة دقائق، قبل أن تبدأ بالتحدث مجددًا. سألت عن أسلوب كاستر في القتال، وعن قدرة دارون على مواجهته، وعن القلادة التي وعد أرين بتسليمها إليه. كانت الأسئلة في ظاهرها معقولة، إلا أنها كانت تعود في نهاية كل حديث إلى نقطة واحدة: هل يعتقد دارون أنه يستطيع النجاة؟ وهل سيظل إلى جانبه إذا ساءت الأمور؟
أجابها عن الأسئلة التي تتعلق بالمهمة، لكنه لم يمنحها الطمأنينة المطلقة التي تبحث عنها. لم يكن يعرف إن كان سينجو من مواجهة كاستر، ولم يشأ أن يكذب عليها ليجعلها أكثر هدوءًا.
ومع كل إجابة غير حاسمة، كانت جينيفير تشعر بقلق جديد.
حين وصلا إلى الجانب الآخر من الوادي، توقف دارون عند مجموعة من الصخور المرتفعة. كان بإمكانهما متابعة الطريق من هناك، لكن الموقع يمنحهما أيضًا رؤية أفضل للمنطقة المحيطة.
أشار إلى جينيفير أن تبقى خلفه، ثم صعد بحذر حتى بلغ صخرة عريضة تطل على السهل الممتد أمامهما.
من ذلك الارتفاع، استطاع رؤية آثار حركة واسعة في الأرض. كان هناك غبار خفيف يتصاعد بعيدًا، لكنه لم يكن كافيًا لتحديد مصدره. كما لاحظ طيورًا تحلق على ارتفاع منخفض فوق منطقة بعينها، ثم تتفرق فجأة كلما اقتربت من المكان.
لم تعجبه تلك العلامات.
«ابقَي هنا»، قال لجينيفير. «سأتحقق من شيء.»
تحرك نحو حافة الصخرة، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى سمعها خلفه.
«سآتي معك.»
استدار.
«قلت لك أن تبقي هنا.»
«يمكنني مساعدتك.»
«لا أحتاج إلى مساعدة الآن.»
بدا أن العبارة آلمتها أكثر مما توقع. انخفضت كتفاها، ثم نظرت إلى الأرض، لكنها لم تبتعد.
«أنت لا تريدني إلى جانبك.»
أغمض دارون عينيه للحظة قصيرة. كان يشعر بأن كل حوار بينهما يتحول إلى اختبار لمشاعرها، وأنه مهما قال، فسوف تجد في كلماته سببًا للقلق أو الأمل أو الخوف.
«هذا ليس ما قلته. أريدك أن تتبعي التعليمات لأننا قد نكون قريبين من العدو.»
«حسنًا.»
استدارت لتعود إلى موضعها، لكنها توقفت بعد خطوتين.
«دارون؟»
«ماذا؟»
«إذا حدث شيء… فلن تتركني، أليس كذلك؟»
ظل ينظر إليها لعدة لحظات. كان بإمكانه أن يجيبها بما تريد سماعه، لكن ذلك لن يحل المشكلة. بل قد يجعلها أكثر تعلقًا به، وأكثر استعدادًا للمخاطرة بنفسها كي تضمن بقاءه إلى جانبها.
«إذا حدث شيء، فسأفعل ما أستطيع لإنقاذنا معًا. لكن عليك أن تساعديني على ذلك، لا أن تجعلي الأمر أصعب علينا.»
بدت وكأنها تريد الاعتراض، لكنها اكتفت بهز رأسها.
عندما عادت إلى مكانها، أطلق دارون قدرته مرة أخرى.
ظهرت خيوط إرادتها أمامه كما ظهرت في الصباح. كان بعضها متشابكًا بشدة، وبعضها الآخر يمتد من أعماقها في خطوط دقيقة، لكنها جميعًا ظلت تتجه نحوه. حتى الآن، لم يرَ أي تغير حقيقي.
حاول التركيز على الخيوط التي قد تمثل خوفها من الخطر أو استعدادها للقتال. كان يتوقع أن يجد بينها ما يدل على أن جينيفير لا تزال تحتفظ بأولويات مستقلة، لكن ما رآه لم يمنحه الطمأنينة.
لم تكن إرادتها خالية من تلك الوظائف، بل كانت جميعها مرتبطة به بطريقة يصعب تفسيرها. كأن قدرتها على تقدير الخطر، ورغبتها في النجاة، واستعدادها للقتال، وحتى قلقها من المستقبل، أصبحت تمر عبر علاقتها به قبل أن تتحول إلى فعل.
أوقف قدرته وشعر بثقل في صدره.
لم يكن يعرف كيف يعالج هذا الخلل، ولا حتى إن كان ما يراه خللًا في إرادتها أو مجرد نتيجة لشيء أعمق لا يفهمه. لكنه أدرك أن اقترابهما من كاستر قد يجعل الأمر أكثر خطورة؛ ففي المعركة، لن يكون هناك وقت طويل لإقناع جينيفير بالتراجع إذا فقدت السيطرة على نفسها مجددًا.
وكان عليه أن يضع احتمالًا آخر في حساباته: ربما لن تكون المشكلة في قدرتها على القتال، بل في السبب الذي يجعلها تقاتل.
بعد فترة قصيرة، عادا إلى الطريق. كانت الشمس قد بدأت تميل بوضوح نحو الأفق، والظلال الطويلة تمتد فوق الأرض الجافة. لم يعد أمامهما سوى عبور مرتفع صخري قبل الوصول إلى منطقة مفتوحة يمكن رؤية أجزاء واسعة منها.
تقدم دارون بحذر، يختار مواضع قدميه ويتفحص ما وراء كل نتوء. أما جينيفير، فكانت تسير خلفه، وقد بدا عليها الإرهاق. لم تنم جيدًا في الليلة السابقة، كما أن الانفعال المتواصل استنزف ما بقي لديها من طاقة.
ومع ذلك، لم تطلب التوقف.
كانت تخشى أن يفسر دارون تعبها على أنه دليل إضافي على عدم قدرتها على مرافقته. لذلك أخفت ألم ساقيها، وتجاهلت الصداع الذي بدأ يضغط على رأسها، وأجبرت نفسها على مواصلة السير حتى عندما شعرت بأن خطواتها أصبحت أثقل.
لاحظ دارون ذلك.
«يمكننا أن نرتاح قليلًا.»
«أنا بخير.»
«لم أسألك إن كنت بخير. قلت إننا نستطيع الراحة.»
ترددت، ثم نظرت إليه.
«هل تريد التوقف بسببي؟»
«أريد أن أحافظ على طاقتنا قبل أن نصل إلى منطقة قد تكون خطرة.»
لم تبدُ مقتنعة تمامًا، لكنها جلست قرب صخرة منخفضة. أخرج دارون بعض الماء وناوله لها، فأخذته بكلتا يديها.
«شكرًا.»
شربت قليلًا، ثم بقيت تنظر إليه.
«هل ما زلت غاضبًا مني بسبب الليلة الماضية؟»
لم يجبها فورًا. كان يعرف أن تجنب الموضوع لن يجعله يختفي، لكنهما لم يكونا في وضع يسمح بنقاش طويل.
«ما حدث لم يكن مقبولًا، جينيفير. لقد طلبت منك التوقف، ولم تتوقفي في البداية.»
انخفض رأسها.
«أعرف.»
«وأنا لا أقول ذلك لأعاقبك. أقول إننا لا نستطيع التظاهر بأن الأمر لم يحدث. يجب أن نفهم لماذا وصلتِ إلى تلك الحالة، وأن نتأكد من أنك لن تؤذي نفسك أو أي شخص آخر.»
ظلت صامتة طويلًا، ثم قالت بصوت خافت: «أخشى أنني لن أستطيع العودة كما كنت.»
كانت تلك الجملة أكثر صدقًا من كل ما قالته منذ الصباح.
لم يحاول دارون إنكار خوفها.
«لا أعرف إن كنت ستعودين كما كنت، لكنني أعتقد أن علينا أن نكتشف ما الذي حدث أولًا. التخمين لن يفيدنا.»
رفعت عينيها إليه، وبدا أنها تريد الاقتراب منه، لكنها تراجعت هذه المرة. بقيت في مكانها، وراحت تعصر قربة الماء بين أصابعها.
«سأحاول.»
لم يكن دارون متأكدًا من أنها تستطيع الوفاء بوعدها، لكنه أومأ لها ثم نهض.
«لنواصل. نحتاج إلى رؤية المنطقة من أعلى قبل حلول الظلام.»
لم يقطعا سوى مسافة قصيرة بعد ذلك حتى تغيرت طبيعة الأرض. اختفت الأشجار المتفرقة، وحل محلها سهل واسع تحيط به مرتفعات صخرية منخفضة. كانت هناك مسارات متعددة تقطع التراب، وبعضها يحمل آثار أقدام كثيرة وعجلات عربات ثقيلة.
توقف دارون عند حافة المرتفع الأخير، ثم رفع يده ليطلب من جينيفير الصمت.
في البداية، لم يرَ سوى الغبار.
ثم ظهرت حركة بعيدة عند الطرف الآخر من السهل، تلتها لمعة معدنية انعكست عليها أشعة الشمس الأخيرة.
خفض جسده قليلًا واستند إلى الصخرة، محاولًا رؤية ما وراء الغبار. كانت المسافة لا تزال كبيرة، لكن العدد المتزايد للأشكال المتحركة جعل من المستحيل أن تكون مجموعة صغيرة من المسافرين.
ظهرت رايات داكنة فوق صفوف من المقاتلين، ثم بدأت تتضح خطوط العربات والمعدات المحيطة بهم. كان بعض الرجال يسيرون على الأقدام، بينما امتطى آخرون الخيول. وعلى الأطراف، تحركت مجموعات صغيرة في تشكيلات منظمة، كأنها تتولى حراسة المحيط ومراقبة الطرق المؤدية إلى المعسكر.
لم يكن هؤلاء مجرد مقاتلين اجتمعوا بالمصادفة.
كانوا قوة منظمة، تعرف كيف تتحرك وكيف تحمي نفسها.
شعر دارون بأن حواسه تشتد. أخذ يراقب التشكيل، ويحصي نقاط الحراسة الظاهرة، ويحاول تحديد موقع القائد. لم يستطع رؤية كاستر من هذه المسافة، لكنه لم يحتج إلى ذلك كي يدرك أنهما وصلا أخيرًا إلى المنطقة التي بحثا عنها.
اقتربت جينيفير من الصخرة، ثم نظرت إلى السهل.
«هل هؤلاء…؟»
«نعم»، أجاب دارون بصوت منخفض. «على الأرجح.»
كان بعض المقاتلين يغيرون مواقعهم، بينما توقفت عربة كبيرة قرب مجموعة من الفرسان. وفي المسافة الفاصلة بينهما وبين القوة، لم يكن هناك ما يكفي من الصخور أو الأشجار لإخفاء تحرك شخصين إذا قررا الاقتراب مباشرة.
ألقى دارون نظرة على جينيفير. كانت تحدق في المقاتلين، لكنها سرعان ما حولت انتباهها إليه، كما لو أنها تنتظر منه أن يخبرها بما ينبغي فعله.
هذه المرة، لم يسمح لنفسه بالانشغال بخيوط إرادتها. كان عليه أولًا أن يفهم ما ينتظرهما في الأسفل، وأن يحدد إن كان الوصول إلى كاستر ممكنًا دون أن يضطرا إلى خوض معركة ضد القوة بأكملها.
عاد ببصره إلى السهل، وأخذ يدرس الممرات المؤدية إلى المعسكر.
كان بينهما وبين مجموعة كاستر بضع مئات من الأمتار فقط.
وبعد كل ما حدث خلال الرحلة، لم يعد دارون يخشى المواجهة وحدها؛ بل بدأ يخشى ما قد يحدث لجينيفير عندما تصبح على مقربة من الرجل الذي جاءا لمقابلته.
لقد وصلا أخيرًا إلى عتبة المواجهة..