الفصل 332 - خيوط لا تعرف سوى اسم واحد
حلّ الليل ببطء، وابتلعت العتمة الطريق الذي قطعه دارون وجينيفير طوال النهار. اختارا موضعًا بين الصخور والأشجار القليلة بعيدًا عن الممر الرئيسي، وأقاما مخيمًا صغيرًا لا يلفت الانتباه. لم يكن المكان مريحًا، لكنه كان مناسبًا لقضاء ليلة واحدة قبل مواصلة الرحلة نحو المنطقة التي يُتوقع أن يظهر فيها كاستر.
انشغل دارون بفحص محيط المخيم، ثم راجع الطريق على خريطته للمرة الأخيرة. أما جينيفير، فجلست داخل خيمتها تحدق في حقيبتها المفتوحة، وقد أمضت وقتًا طويلًا قبل ذلك وهي تحاول اتخاذ قرار لم تكن تريد حتى أن تعترف لنفسها بأنها تفكر فيه.
كانت قد أعدت تلك الملابس قبل الرحلة.
لم تكن ملابس سفر، ولا ثيابًا اختارتها للراحة أثناء النوم. كانت قطعة جريئة إلى حد بالغ، شفافة وكاشفة، من النوع الذي كانت ستشعر بالخجل من مجرد تخيل ارتدائه أمام شخص آخر في الظروف العادية. حتى أكثر النساء جرأة في المدينة كنّ سيترددن قبل اختيار شيء كهذا. ومع ذلك، فقد وضعتها جينيفير في حقيبتها بعناية منذ البداية، وهي تعرف تمامًا لمن أرادت ارتداءها.
في ذلك الوقت، أقنعت نفسها بأنها مجرد رغبة عابرة، وأنها ستتراجع عندما يحين المساء. ثم قالت إنها ربما لن تستخدمها أصلًا، وإن الاحتفاظ بها لا يعني شيئًا. لكنها كانت قد عادت إلى التفكير في الأمر مرات لا تحصى خلال الطريق، وكلما تخيلت رد فعل دارون، ازداد اضطرابها بدلًا من أن يهدأ.
والآن، بعد أن خيّم الظلام، لم تعد الحجج التي استخدمتها طوال اليوم كافية لإيقافها.
نظرت إلى انعكاسها الباهت في قطعة معدنية مصقولة، ثم أبعدت عينيها سريعًا. لم تكن تتعرف إلى المرأة التي تنظر إليها. كانت تعرف أن ما تفعله خطأ، وأن دارون لم يمنحها أي إشارة تسمح لها بتجاوز الحدود التي تفصل بينهما، لكنها لم تستطع التخلص من شعورها بأن عليها أن تفعل شيئًا قبل أن تضيع منها الفرصة.
أريد أن أكون قريبة منه.
تكررت الفكرة في رأسها.
ثم تحولت إلى شيء آخر.
أريده أن ينظر إليّ. أريده أن يفكر بي. أريده أن يعرف أنني هنا.
وبعد لحظات، لم تعد قادرة على تمييز أين تنتهي رغبتها في الحصول على اهتمامه وأين تبدأ حاجتها إلى إثبات أنها مهمة بالنسبة إليه. لقد اختلطت مشاعرها بعضها ببعض حتى أصبحت كل محاولة لتفسيرها تزيدها ارتباكًا.
ارتدت الملابس التي أعدتها، ثم جلست على حافة فراشها تنتظر.
كان عليها أن تتوقف عند هذا الحد. كان بإمكانها أن تعيد ارتداء ثيابها المعتادة، وأن تنام، وأن تواجه دارون في الصباح كما لو أن شيئًا لم يحدث. كانت تعرف أن ذلك هو القرار الصحيح.
لكنها تخيلت نفسها في الصباح، تسير خلفه كعادتها، بينما لا يعرف شيئًا عن الصراع الذي تخوضه من أجله، فشعرت باختناق مفاجئ.
نهضت.
لم تعد تفكر في العواقب. كانت تريد أن تراه، وأن تحصل على شيء يطمئنها، أي شيء، حتى لو لم تكن تعرف ما الذي تتوقعه منه.
خرجت من خيمتها بصمت.
كان دارون لا يزال مستيقظًا حين سمع حركة خارج خيمته. لم يكن نومه عميقًا أصلًا؛ فقد اعتاد أن ينام بحذر في المناطق التي لا يعرفها، وكانت إرادته تمنحه إحساسًا بالخطر حتى في اللحظات التي يبدو فيها كل شيء ساكنًا.
رفع رأسه نحو المدخل.
«من هناك؟»
لم تأته إجابة.
ثم انفتح مدخل الخيمة، وظهرت جينيفير.
احتاج إلى لحظات ليدرك أنها هي. لم يكن السبب ملابسها وحدها، بل الطريقة التي وقفت بها أمامه؛ متوترة، تتنفس بسرعة، وتنظر إليه بنظرة بدت له غريبة إلى حد جعل إحساسه بالخطر يشتد.
اعتدل في جلسته، وألقى نظرة سريعة على مدخل الخيمة قبل أن يعيد عينيه إليها.
«جينيفير؟ ماذا تفعلين هنا؟»
أغلقت المدخل خلفها.
«لم أستطع النوم.»
«هذا لا يفسر دخولك خيمتي.»
حاول أن يجعل نبرته هادئة، لكنه لم يخفِ استغرابه. نهض ومد يده نحو عباءته الموضوعة بجانب فراشه، ثم ارتداها وهو يراقبها.
لم تجبه جينيفير. كانت تنظر إليه وكأنها تحاول حفظ ملامحه في ذاكرتها، وكانت تلك النظرة أكثر ما أثار قلقه. لم يكن فيها شيء من المزاح الذي قد يصدر عن شخص يحاول الاقتراب من آخر، ولا الهدوء الذي يصاحب قرارًا اتخذه صاحبه عن وعي. كان هناك اضطراب عميق، وحاجة ملحّة، وشعور بأن كل شيء يجب أن يحدث الآن.
«جينيفير، عودي إلى خيمتك. سنتحدث في الصباح.»
هزت رأسها ببطء.
«لا أريد العودة.»
«إذًا اجلسي وتحدثي. لكن عليك أن تخبريني بما يحدث.»
اقتربت خطوة.
تراجع دارون خطوة مقابلة.
توقفت عند تلك الحركة، وحدقت فيه كما لو أنه طعنها.
«لماذا ابتعدت؟»
«لأنك تتصرفين بطريقة غير طبيعية، ولأنني لا أفهم ما الذي تريدينه مني.»
«أريد أن أبقى معك.»
«يمكنك البقاء في المخيم من دون دخول خيمتي في منتصف الليل.»
«لكنني أريد أن أكون هنا.»
خرج صوتها متوسلًا في بدايته، ثم أخذ يزداد حدة. وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول تهدئة اضطراب لا تستطيع السيطرة عليه.
«أنت لا تفهم، دارون. لا تفهم ما يحدث لي. حاولت أن أتوقف، وحاولت أن أبتعد، لكنني لم أعد أستطيع. كلما ابتعدت عنك أشعر أنني أفقد شيئًا، وكلما نظرت إليّ شعرت أنني أستطيع التنفس من جديد. أريدك أن تتحدث معي، أن تنظر إليّ، أن تخبرني أنني لست مجرد شخص ترافقه في هذه الرحلة!»
لم يقاطعها.
كان يستمع إلى كل كلمة، لكن الصورة التي تتكون في ذهنه لم تكن مطمئنة. لم يعد يعتقد أن الأمر مجرد انجذاب شديد أو اضطراب عابر. كانت جينيفير تتحدث كما لو أن قدرتها على الشعور بالأمان أصبحت معلقة به وحده، وكأن وجوده تحول إلى ضرورة لا تستطيع تحمل غيابها.
«أنا لم أقل إنك مجرد رفيقة سفر»، أجابها بحذر. «لكن هذا لا يعني أن عليك أن تؤذي نفسك بهذه الطريقة. أنت خائفة، وأفهم ذلك، لكن ما تمرين به لن يُحل بأن تفرضي على نفسك أو عليّ شيئًا لا نريده.»
«أنا لا أؤذي نفسي!»
صرخت فجأة، ثم وضعت يديها على رأسها.
«لماذا يكرر الجميع ذلك؟ لماذا لا يستطيع أحد أن يفهمني؟ أنا أعرف ما أريد! أعرفه أكثر من أي شيء آخر!»
«إذًا أخبريني بهدوء.»
نظرت إليه، وبدت للحظة وكأنها تحاول الاستجابة. لكن عينيها سرعان ما امتلأتا بالدموع، وتغيرت ملامحها من الغضب إلى اليأس، ثم إلى شيء أكثر اضطرابًا.
«لا أستطيع… لا أستطيع أن أشرح لك.»
ثم اندفعت نحوه.
لم يمنحها دارون وقتًا كافيًا لتفسير حركتها. حاول الإمساك بكتفيها وإيقافها قبل أن تصطدم به، لكنها كانت أسرع مما توقع، وكانت إرادتها في تلك اللحظة أشد مما عرفه عنها خلال الرحلة. انطلقت منها موجة ضغط مفاجئة، وأحاطت جسدها بهالة متجلية مبتدئة جعلت حركتها تتجاوز ما يستطيع جسده مجاراته بسهولة.
لم يكن دارون ضعيفًا، لكن مرتبته في الإرادة لم تكن تمنحه أفضلية في مواجهة مباشرة كهذه. كان متحكمًا شاملًا، ومع ذلك كانت الفجوة بينهما في القوة الخام واضحة حين فقدت جينيفير ترددها تمامًا.
أمسكت بذراعه، ودفعته بقوة أفقدته توازنه، فسقط على الفراش. حاول النهوض فورًا، لكنها ثبتته تحتها قبل أن يستعيد وضعه، وضغطت على كتفيه حتى منعته من الحركة.
«جينيفير! توقفي!»
حاول إبعادها، لكن ضغط إرادتها ازداد. لم تكن تتحرك كمقاتلة تتخذ قرارات محسوبة، بل كشخص يقوده اندفاع لا يترك مجالًا للتفكير. كانت قوتها موجهة إلى غاية واحدة: ألّا يسمح لها دارون بالابتعاد عن اللحظة التي وصلت إليها.
«أنت لا تريدني أن أذهب»، تمتمت، وعيناها معلقتان بوجهه. «أعرف أنك لا تريد ذلك.»
«أنت لا تعرفين ما أريده الآن. ارفعي يديك عني.»
لكنها لم تستجب.
اقتربت منه، وراحت تستنشق رائحته باضطراب، ثم أخذت تحتك به في حركات عشوائية متلاحقة، كأنها تحاول إلغاء كل مسافة بينهما. كانت تتشبث به، وتهمس بكلمات متقطعة، ثم تصمت فجأة لتحدق في وجهه، وكأنها تنتظر أن يمنحها تعبيرًا واحدًا يبرر ما تفعله.
لم يكن في تصرفاتها وعي حقيقي بما تعنيه حدودها وحدوده. لقد طغت حاجتها إلى القرب على قدرتها على إدراك رفضه، وأصبح كل ما تراه هو الشخص الذي تريد أن يبقى إلى جانبها، مهما كان الثمن.
«جينيفير، انظري إليّ!»
كان صوت دارون أكثر حدة هذه المرة.
«أنت تتجاوزين حدودك. توقفي الآن.»
ارتجفت للحظة.
بدت الكلمات وكأنها وصلت إلى جزء بعيد من عقلها، جزء لا يزال يعرف أنها ليست في مكانها الصحيح، وأنها تفعل شيئًا لا يمكن التراجع عنه بمجرد الاعتذار. لكن ذلك الجزء سرعان ما غرق تحت موجة أخرى من الانفعال.
«لا تقل ذلك…» همست. «لا تجعلني أندم على مجيئي.»
«أنا لا أحاول جعلك تندمين. أحاول إيقافك قبل أن تفعلي شيئًا لن تستطيعي التعايش معه.»
تغير وجهها.
وللمرة الأولى، بدا أنها تسمعه حقًا.
توقفت حركاتها، وتراخت أصابعها قليلًا. نظرت إلى يديها، ثم إلى وضعهما، ثم إلى دارون الذي كان يحاول إبعادها عنه من دون أن يؤذيها.
بدأت ملامحها تفقد لونها.
«ماذا… ماذا أفعل؟»
لم يجبها على الفور.
كانت عيناها تتنقلان بين وجهه ويديها، وبدأت أنفاسها تتقطع. بدت كأنها استيقظت فجأة داخل موقف لا تتذكر كيف وصلت إليه، ومع ذلك كانت تدرك في أعماقها أنه حقيقي.
«جينيفير، ابتعدي عني.»
هذه المرة، استجابت.
تراجعت بسرعة، حتى كادت تسقط من حافة الفراش. حدقت فيه بذهول، ثم نظرت إلى ملابسها، وإلى يديها المرتجفتين، وإلى المسافة التي تفصلها عنه.
«أنا…»
لم تستطع إكمال الجملة.
تبدلت ملامحها مرة أخرى، لكن هذا التحول لم يكن غضبًا أو رغبة أو خوفًا من فقدانه. كان رعبًا خالصًا من نفسها.
«أنا لم… لم أكن أريد…»
«كفى.»
لم يصرخ دارون، لكن نبرته كانت قاطعة. نهض بسرعة وابتعد عنها، ثم وقف عند الجانب الآخر من الخيمة، محافظًا على مسافة واضحة بينهما.
«لا تقتربي مني الآن.»
تجمدت جينيفير في مكانها.
لم يقل ذلك بقسوة متعمدة، لكنه كان خائفًا من أن يتكرر ما حدث، ولم يعد يستطيع التعامل مع الأمر على أنه مجرد نوبة انفعال. كانت قوتها أكبر من أن يستهين بها، والأخطر من ذلك أنه لم يكن يعرف إن كانت قادرة على السيطرة على نفسها إذا عادت تلك الحالة.
حاولت الوقوف، لكن ساقيها لم تحملَاها جيدًا. ترنحت، ثم أمسكت بحافة الفراش كي لا تسقط.
«دارون، أرجوك… أنا لا أعرف ماذا حدث لي.»
«اجلسي.»
نفذت الأمر بآلية، ثم وضعت يديها على وجهها. بدأت الكلمات تتدفق منها بصورة متقطعة؛ اعتذارات متكررة، وأسئلة لا تنتظر إجابة، وعبارات تنفي فيها ما حدث ثم تعترف به في اللحظة التالية.
كان عقلها يتأرجح بين الرغبة في الاقتراب منه والخوف من أن ينظر إليها باشمئزاز. وكلما حاولت استعادة تفاصيل الدقائق الماضية، شعرت بموجة من الخجل أشد من السابقة.
«لماذا فعلت ذلك؟» سألت بصوت مبحوح. «لماذا لم أتوقف عندما طلبت مني ذلك؟»
لم يكن لدى دارون جواب.
راقبها وهي تنكمش على نفسها، ثم لاحظ أن وجهها أصبح شاحبًا وأن أنفاسها أخذت تضعف. بدا الضغط الذي أطلقته من إرادتها قد استنزف ما بقي لديها من طاقة، لكن ذلك لم يكن التفسير الوحيد لحالتها. لقد كانت مرهقة منذ الصباح، ولم تنم بما يكفي، وظلت طوال اليوم تحت ضغط نفسي متصاعد.
«جينيفير، هل تسمعينني؟»
رفعت رأسها بصعوبة.
«أنا آسفة… أنا آسفة جدًا.»
«لا تحاولي شرح شيء الآن. أنت منهكة.»
هزت رأسها، لكن الدموع كانت تنهمر على وجهها.
«ستكرهني.»
لم يجبها دارون، لأنه لم يكن مستعدًا لتقديم وعد لا يعرف إن كان يستطيع الوفاء به. كان ما حدث خطيرًا، ورفضها التوقف في البداية لم يكن أمرًا يستطيع تجاهله. وفي الوقت نفسه، كان واضحًا أنها لم تكن في حالة طبيعية، وأن هناك شيئًا ما يدفعها إلى الانهيار أمامه.
قال أخيرًا: «سنناقش الأمر عندما تكونين قادرة على التفكير بوضوح. أما الآن، فعليك العودة إلى خيمتك.»
حاولت النهوض، لكنها لم تستطع. ارتجفت ركبتاها، ومال جسدها إلى الجانب قبل أن تتمكن من استعادة توازنها. مد دارون يده غريزيًا لئلا تسقط، لكنه تراجع حين وجدها تحاول التشبث به مرة أخرى.
لم تكن حركتها مقصودة هذه المرة؛ كانت شبه فاقدة للوعي.
أمسك بذراعها للحظة، ثم ساعدها على الجلوس بعيدًا عنه. لم تمر سوى ثوانٍ حتى أغمضت عينيها، وانحنى رأسها إلى الأمام. حاولت أن تقول شيئًا، لكن الكلمات خرجت غير مفهومة، ثم فقدت قدرتها على إبقاء عينيها مفتوحتين.
نامت من شدة الإنهاك، أو فقدت الوعي للحظات؛ لم يستطع الجزم بذلك.
ظل دارون واقفًا فوقها، عاجزًا عن فهم ما حدث. لم يكن ما رآه مجرد اندفاع عاطفي. لقد كانت جينيفير تعرفه منذ وقت قصير نسبيًا، ولم تكن علاقتها به تبرر هذا التحول المفاجئ، فضلًا عن فقدانها القدرة على احترام رفضه.
استدعى في ذهنه اللحظة التي قرأت فيها روحه.
الفراغ.
شبكة الإرادة التي كادت تفتتها.
والطريقة التي تغيرت بها منذ ذلك الحين.
لم يملك دليلًا على أن تلك الأمور مرتبطة، لكنه لم يعد قادرًا على تجاهل الاحتمال.
في النهاية، غطى جينيفير بعباءة قريبة حتى لا تبقى على الأرض الباردة، ثم خرج من خيمته وجلس خارجها حتى انقضى معظم الليل. لم يستطع العودة إلى النوم. كان يراقب المخيم، ويستمع إلى أي حركة تصدر من الخيمة المجاورة، وفي ذهنه سؤال واحد لا يتغير:
ما الذي حدث لجينيفير؟
مع طلوع الصباح، كانت جينيفير لا تزال نائمة حين نهض دارون. لم يكن قد حصل إلا على قدر ضئيل من الراحة، لكنه لم يُظهر ذلك. أعاد ترتيب المخيم، وأعد الماء، ثم انتظر حتى استيقظت.
خرجت من خيمته بعد وقت قصير، وقد ارتدت ملابسها المعتادة. كان وجهها شاحبًا، وعيناها متورمتين من البكاء أو السهر. لم تنظر إليه مباشرة، وظلت واقفة عند المدخل كما لو أنها لا تعرف إن كان مسموحًا لها الاقتراب.
أما دارون، فتصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث.
«تناولي بعض الماء. سنواصل السير بعد أن نأكل.»
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأنها لم تتوقع أن يخاطبها بهذه البساطة.
«دارون… بشأن الليلة الماضية…»
«ليس الآن.»
تراجعت الكلمات إلى حلقها.
أكمل وهو يرتب حقيبته: «نحن في منطقة لا نعرفها، ولدينا مهمة يجب أن ننجزها. لا أريد أن نتخذ قرارات ونحن منهكان. سنتحدث لاحقًا، عندما نكون في مكان آمن.»
لم يكن هذا تجاهلًا لما حدث، لكنه لم يكن غفرانًا أيضًا. كان يؤجل النقاش حتى يفهم ما الذي يواجهه، وحتى يستطيع أن يتعامل معها من دون أن تتحول الرحلة إلى خطر إضافي.
أومأت جينيفير ببطء.
كان من المفترض أن تشعر بالخوف أو الخجل وحدهما، لكنها وجدت نفسها تشعر براحة مؤقتة لأنه لم يطردها، ولم يطلب منها الرحيل فورًا. وما إن أدركت ذلك حتى انقبض قلبها؛ حتى بعد ما فعلته، كانت تبحث في تصرفاته عن أي إشارة تثبت أنها لم تخسره.
إنه لا يزال يسمح لي بالبقاء.
كانت الفكرة صغيرة، لكنها منحتها راحة لم تستحقها الظروف.
لم تنتبه إلى أنها، بهذه الطريقة، كانت تحول تسامحه المؤقت إلى دليل على ما تريد تصديقه، بدلًا من أن تواجه حقيقة أن ما حدث يحتاج إلى تفسير ومساعدة وحدود واضحة.
نظر دارون إليها من طرف عينه.
لاحظ أنها بدت أكثر هدوءًا، لكنه لم يثق بهذا الهدوء. فقد شاهد بنفسه كيف انتقلت في الليلة الماضية من التوسل إلى الغضب، ومن الاندفاع إلى الرعب، ثم فقدت قدرتها على الوقوف. لم يكن لديه سبب للاعتقاد بأن الأمر انتهى لمجرد أنها أصبحت صامتة.
قرر أن يراقبها عن كثب.
ولم يكن يعلم بعد أن ما سيراه خلال الساعات التالية سيكون أشد إثارة للخوف من كل ما حدث في الخيمة.
بعد أن أنهيا إفطارهما، استأنفا السير في طريق يمر عبر أرض منخفضة تتناثر فيها الأشجار اليابسة. كان دارون يتقدم بخطوات ثابتة، بينما تسير جينيفير إلى جانبه بصمت غير معتاد.
حاول أن يتصرف بصورة طبيعية، فسألها عن حالتها الجسدية، وأخبرها أن عليهما العثور على مكان مرتفع قبل حلول المساء. أجابته بإيجاز، لكنها كانت تتابع كل كلمة يقولها بانتباه مبالغ فيه.
لم تكن تلك المبالغة وحدها ما أثار قلقه؛ بل كان هناك شيء آخر لا يستطيع رؤيته مباشرة، شيء ظل يلح عليه منذ استيقظ.
العقل الفعّال.
لم يشأ استخدام قدرته عليها في البداية. لم يكن يريد تحويلها إلى موضوع تحليل، ولا أن يتعامل معها كخطر قبل أن يعرف حقيقة حالتها. لكنه لم يعد يستطيع تجاهل ما حدث، ولا سيما أنه لا يعرف إن كانت نوبتها ستتكرر في لحظة أشد خطورة.
خفض وتيرة سيره قليلًا، وركز وعيه.
بدأ العالم يتغير في إدراكه.
لم تعد جينيفير مجرد امرأة تسير إلى جانبه، بل ظهرت أمامه طبقات الإرادة التي تحيط بها، والخيوط الدقيقة التي تربط رغباتها ونواياها بما تراه وتسمعه وتشعر به. كانت تلك الخيوط تتوزع عادة على أشياء متعددة: حذرها من الطريق، انتباهها إلى محيطها، استعدادها لمواجهة الخطر، وأفكارها المتعلقة بالمهمة.
لكن ما رآه الآن جعله يتوقف في مكانه.
كانت خيوط إرادتها كلها تقريبًا تتجه نحوه.
لم يكن الأمر مجرد خيط قوي يربطها به، ولا ميل واضح يجعل انتباهها يتركز عليه أكثر من غيره. كانت هناك شبكة كاملة من الخيوط، متداخلة ومتفاوتة السمك، تمتد من أعماق إرادتها وتصب في اتجاه واحد، كما لو أن بقية العالم قد فقد أهميته بالنسبة إليها.
حتى الخيوط التي كان يُفترض أن توجه انتباهها إلى الطريق أو إلى الأخطار المحتملة كانت تنحرف نحوه، أو تتصل به بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ظل دارون يحدق في الصورة التي تكشفها قدرته، محاولًا التأكد من أنه لا يسيء فهم ما يراه.
هذا مستحيل.
كان يعرف أن الإرادة تتأثر بالعواطف، وأن الخوف أو الولاء أو الكراهية قد يمنح شخصًا دافعًا قويًا تجاه شخص آخر. لكنه لم يرَ شيئًا كهذا من قبل. حتى أولئك الذين يكرسون حياتهم لقضية واحدة لا يفقدون كل اتجاه آخر في إرادتهم.
أما جينيفير، فبدت وكأن إرادتها قد اتخذت دارون مركزًا وحيدًا لها.
أوقف قدرته للحظة، ثم أعاد تشغيلها. بقيت الصورة كما هي.
شعر ببرودة تسري في ظهره.
لم يكن يستطيع معرفة ما إذا كان هذا نتيجة قدرتها على قراءة الروح، أو انعكاسًا لما رأته داخل وجوده، أو أثرًا لشيء آخر لا علاقة له به مباشرة. لكنه بدأ يشتبه في أن ما حدث في الليلة الماضية لم يكن حادثًا منفصلًا، بل نتيجة لتغير أعمق أصابها منذ تجربتها معه.
وكان عليه أن يعرف مدى خطورة هذا التغير.
بعد مسافة قصيرة، سمعا حركة بين الأشجار على الجانب الأيسر من الطريق. رفع دارون يده، فتوقفت جينيفير فورًا.
ظهر وحش ضال من خلف جذع شجرة ميتة. كان يشبه كلبًا بريًا ضخمًا، لكن أطرافه أطول مما ينبغي، وظهره مغطى بنتوءات عظمية، فيما امتد لعاب داكن من فمه المفتوح. لم يكن من الوحوش القوية التي تستدعي الحذر الشديد، لكنه كان كافيًا لاختبار رد فعل جينيفير من دون تعريضهما لخطر لا داعي له.
أخرجت جينيفير سلاحها في اللحظة نفسها، وتبدلت ملامحها. اختفى الشرود من عينيها، وحل محله تركيز المقاتلة التي تعرف كيف تتعامل مع عدو أمامها.
لكن دارون لم ينظر إلى الوحش وحده.
أعاد تنشيط «العقل الفعّال»، وراقب خيوط إرادتها.
ثم قال بهدوء: «جينيفير، تخلصي منه.»
التفتت إليه للحظة.
كان التغير في وجهها فوريًا، لكنه لم يكن التغير الذي توقعه. أضاءت عيناها بفرح واضح، وارتسمت على شفتيها ابتسامة لم يكن لها أي تناسب مع ظهور وحش مستعد لمهاجمتها.
«حسنًا!»
انطلقت نحو الوحش.
تحركت بخفة، وأطلقت إرادتها المتجلية لتقوي جسدها، ثم انحرفت عن هجومه الأول وضربت جانبه بسلاحها. زمجر الوحش واستدار نحوها، لكنها لم تتراجع. استغلت اندفاعه، وتفادت مخالبه، ثم وجهت ضربة أخرى إلى مفصل إحدى ساقيه.
كانت تقاتل بكفاءة حقيقية. لم يكن انتصارها مصادفة، ولم تكن منشغلة إلى درجة تمنعها من قراءة حركة خصمها. تفادت هجومًا ثالثًا، ثم استدارت وضربت الوحش بقوة أجبرته على التراجع. وبعد تبادل قصير، تمكنت من إسقاطه وتوجيه ضربة أنهت قتاله.
وقفت فوق الجثة تلتقط أنفاسها، ثم استدارت نحو دارون.
كانت تبتسم.
لم تكن ابتسامة ارتياح لأنها نجت من خطر، ولا ابتسامة رضا عن أداء جيد. كان فيها شيء آخر؛ سعادة خالصة لأنها نفذت أمره.
«هل رأيت؟» قالت، وهي تمسح سلاحها. «لقد فعلت ما طلبته مني.»
لم يجبها فورًا.
كان ينظر إلى الخيوط.
لم يتحرك أي منها نحو الوحش أثناء القتال.
لم يتجه أي منها إلى مخالب العدو أو فمه أو حركاته. حتى عندما كانت تتفادى هجماته، وتختار مواضع الضرب، وتغير اتجاهها لتتفادى الموت، ظلت الخيوط التي تكشفها قدرة دارون موجهة نحوه هو.
كانت عيناها تراقبان الوحش، وكانت عضلاتها تستجيب لحركته، وكانت إرادتها المتجلية تعمل على تعزيز جسدها، لكنها في مستوى أعمق، في الطبقة التي لا تستطيع العين المجردة رؤيتها، لم تكن إرادتها تتعامل مع المعركة بوصفها غاية مستقلة.
كانت تفعل ذلك لأنها تلقت أمرًا منه.
وكانت سعيدة لأنه أمرها.
بل إن الخيوط ازدادت وضوحًا حين التفتت إليه بعد انتهاء القتال، كما لو أن تنفيذ الأمر لم يمنحها الرضا بحد ذاته، وإنما منحها الرضا لأنها استطاعت أن تكون مفيدة له.
شعر دارون بأن معدته انقبضت.
لقد رأى مقاتلين يقاتلون من أجل قادتهم، وأشخاصًا يضحون بأنفسهم دفاعًا عن أحبائهم، وأصحاب إرادة تهيمن عليهم فكرة واحدة إلى حد الهوس. لكنه لم يرَ من قبل إرادة تبدو وكأنها فقدت استقلالها بهذه الصورة، ثم تواصل أداء وظائفها الطبيعية بينما تتجه جميع خيوطها إلى شخص واحد.
كان الأمر أشبه برؤية إنسان يؤدي كل ما يتطلبه البقاء، من دون أن يكون لأي شيء في العالم معنى خاص لديه إلا من خلال شخص آخر.
«دارون؟»
انتبه إلى صوتها.
كانت قد اقتربت منه، وما زالت الابتسامة على وجهها.
«هل فعلت شيئًا خاطئًا؟»
نظر إليها.
«لا. لقد قاتلت جيدًا.»
اتسعت ابتسامتها أكثر، وبدا أن الكلمات البسيطة أثرت فيها أكثر مما ينبغي.
«حقًا؟»
«نعم.»
خفضت رأسها قليلًا، لكنها لم تستطع إخفاء فرحتها. «أنا سعيدة لأنني استطعت مساعدتك.»
تراجعت خطوات دارون نصف خطوة قبل أن يدرك أنه فعل ذلك.
لاحظت جينيفير الحركة، فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا.
«ما الأمر؟»
لم يجبها مباشرة. كان يحاول فهم الصورة التي رآها، لكنه لم يجد تفسيرًا يمكنه الوثوق به. لقد أمرها بمهاجمة الوحش كي يختبر فرضيته، وكان يتوقع أن تتجه خيوط إرادتها إلى العدو أثناء القتال، ثم تعود إليه بعد انتهاء المهمة. حتى لو كانت متعلقة به بشدة، فإن الخطر المباشر ينبغي أن يفرض أولويته على انتباهها.
لكن ذلك لم يحدث.
لقد قاتلت الوحش بكفاءة كاملة، ومع ذلك لم تتجه إرادتها نحوه في أي لحظة.
لم يكن هذا مجرد تعلق عاطفي شديد. لم يكن حتى هوسًا عاديًا، على الأقل ليس بالشكل الذي يعرفه.
كان هناك خلل في الطريقة التي ترتبط بها إرادتها بالعالم.
«دارون؟» كررت جينيفير، وقد بدأ القلق يظهر في صوتها. «لماذا تنظر إليّ هكذا؟»
أجبر نفسه على الرد.
«لا شيء. أردت فقط التأكد من أنك لم تصابي.»
«أنا بخير.»
ثم أضافت بسرعة، وكأنها تخشى أن يفقد اهتمامه بها: «إذا أردت، يمكنني أن أبحث عن المزيد من الوحوش. أستطيع مساعدتك. لن أكون عبئًا عليك.»
ساد الصمت.
كانت الكلمات عادية في ظاهرها، لكن دارون رأى خيوطها تتحرك مع كل جملة. لم تكن تتحدث عن رغبتها في إثبات قدرتها كمقاتلة، ولا عن حماسها لخوض معركة أخرى. كان كل شيء يعود إلى الفكرة ذاتها: أن تكون مفيدة له، وأن يرضى عنها، وأن يبقى قريبًا منها.
وللمرة الأولى منذ بدأ رحلتهما، شعر دارون بخوف حقيقي من جينيفير.
ليس لأنها أقوى منه في مواجهة مباشرة، ولا لأنها قد تهاجمه مجددًا في لحظة فقدان سيطرتها، بل لأنه لم يعد يعرف أين تنتهي إرادتها وأين يبدأ تأثير ما حدث لها.
كان أمامه شخص يستطيع التفكير والقتال واتخاذ القرارات، لكنه رأى في أعماقها شبكة كاملة تتجه نحوه وحده، حتى حين كان الخطر يهدد حياتها.
وإذا كان هذا هو شكل إرادتها الآن، فما الذي سيحدث لو طلب منها يومًا شيئًا يتجاوز قدرتها على الاحتمال؟
أو لو قرر الابتعاد عنها؟
لم يشأ أن يختبر الإجابة.
أوقف «العقل الفعّال» أخيرًا، فعادت جينيفير أمامه امرأة شاحبة ومتعبة، تحاول فهم سبب صمته. لكن الصورة التي رآها بقيت محفورة في ذهنه، واضحة إلى درجة جعلته يشك في كل ما ظنه طبيعيًا خلال اليومين الماضيين.
تذكر خيوط الإرادة التي أحاطت بوجوده في حلمه، والشبكة التي كادت تلتهم جينيفير عندما قرأت روحه. لم يكن يعرف إن كانت هناك صلة بين الأمرين، ولم يكن مستعدًا للقفز إلى استنتاجات لا دليل عليها.
لكنه لم يعد يستطيع تجاهل الاحتمال.
ربما لم تكن جينيفير تفقد عقلها وحدها.
ربما كان هناك شيء قد تغير داخلها، شيء لم تفهمه هي، ولم يتمكن هو من رؤيته إلا بعد فوات الأوان.
نظر إليها مرة أخرى، وحاول أن يخفي خوفه خلف ملامح هادئة.
«لنواصل السير. علينا العثور على مكان مناسب قبل حلول المساء.»
أومأت جينيفير فورًا، ثم تبعته بابتسامة صغيرة عادت إلى وجهها لمجرد أنه تحدث إليها.
أما دارون، فلم يلتفت إليها طوال الدقائق التالية إلا حين اضطر إلى ذلك. كان يريد أن يحافظ على هدوئه، وأن يجمع ما يكفي من المعلومات قبل اتخاذ أي قرار، لكن فكرة واحدة ظلت تطارده مع كل خطوة:
لم تكن جينيفير توجه إرادتها نحو دارون لأنها أرادت مساعدته فحسب؛ بل بدا أن قدرتها على الرغبة في أي شيء آخر بدأت تتلاشى.
ولم يكن يعرف إن كان ما رآه مرضًا في روحها، أم أثرًا من آثار قراءتها لروحه، أم بداية شيء أخطر لم يسبق له أن واجهه.
كل ما عرفه هو أن المرأة التي سارت إلى جانبه من المدينة المقدسة لم تعد كما كانت.
وأن عليه أن يجد السبب قبل أن يفقدها تمامًا.
………..
ملاحظة المؤلف
فصل واحد فق اليوم