الفصل 331 - جينيفير
مع اقتراب الظهيرة، بدأ الطريق يرتفع بين تلال صخرية قليلة الأشجار. كانت الشمس قد تجاوزت منتصف السماء، والحرارة تجعل متابعة السير مرهقة، لذلك قرر دارون التوقف عند جدول ضيق يمر بجانب مجموعة من الصخور الكبيرة. اختار مكانًا يمكنهما فيه رؤية الطريق من دون أن يكونا مكشوفين تمامًا، ثم وضع حقيبته وجلس على صخرة مسطحة.
«سنرتاح قليلًا. لدينا مسافة طويلة قبل أن نجد مكانًا مناسبًا للمبيت.»
أومأت جينيفير وجلست بالقرب منه.
كان بينهما متسع كافٍ لشخص ثالث، لكنها وجدت نفسها تتحرك نحوه دون أن تفكر. وحين انتبهت إلى المسافة التي تركتها بينهما، شعرت برغبة في تقليصها أكثر. لم يكن الأمر متعلقًا بالحاجة إلى الدفء أو الراحة؛ لقد أرادت أن تكون قريبة منه فحسب، قريبة إلى حد يجعل وجوده شيئًا لا تستطيع تجاهله.
نظرت إلى يديه وهما تفتحان قربة الماء، ثم إلى وجهه حين رفعها إلى فمه. راحت تتخيل أشياء لا علاقة لها بالرحلة أو المهمة، وتترك لخيالها أن ينسج مشاهد لم تحدث، حتى شعرت بأن الهواء حولها أصبح أثقل. حاولت صرف انتباهها، فحدقت في الماء، وعدّت الحصى عند قدميها، واستعادت أسماء المدن التي مرّا بها.
لكن كل طريق للهروب كان ينتهي عنده.
كان الأمر أشبه بوجود فكرة داخل رأسها لا تستطيع إخراجها، وكلما حاولت مقاومتها، ازدادت إلحاحًا. والأكثر رعبًا أنها بدأت تتصرف كما لو أن هذه الأفكار تمنحها حقًا في الاقتراب منه؛ كأن رغبتها في وجوده بجانبها سبب كافٍ لتجاهل المسافة التي اعتاد كلاهما الحفاظ عليها.
«دارون.»
التفت إليها. «نعم؟»
«هل يمكنني الجلوس هنا؟»
نظر إلى المكان الخالي بجانبه، ثم عاد ببصره إليها باستغراب خفيف.
«أنت تجلسين هنا بالفعل.»
أدركت أن سؤالها لم يكن منطقيًا، لكنها تحركت على أي حال حتى أصبحت قريبة جدًا منه، بحيث تلامس كتفها ذراعه حين تميل قليلًا. توقعت أن يبتعد أو يسألها عما تفعله، وحين لم يفعل في اللحظة الأولى، تسلل إليها شعور بالانتصار لا يتناسب إطلاقًا مع بساطة الموقف.
كان يكفيها هذا القدر من القرب كي تهدأ أفكارها قليلًا.
ثم بدأ عقلها يطالب بالمزيد.
«ألا تمانع؟» سألت بصوت منخفض.
«في ماذا؟»
«أن أجلس بالقرب منك.»
أغلق دارون قربة الماء ووضعها إلى جانبه. «لماذا سأمانع؟ لكنك تبدين متوترة. إن كان هناك شيء يزعجك، فمن الأفضل أن تخبريني به بدلًا من أن تتصرفي وكأنك تخوضين معركة داخل رأسك.»
تجمدت ابتسامتها.
لقد أصاب الحقيقة دون أن يعرفها، وكان ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث. شعرت للحظة بأنه يستطيع رؤية كل شيء؛ الأفكار التي تخفيها، والرغبات التي تزداد صعوبة في مقاومتها، والخوف الذي بدأ يتسلل إليها كلما أدركت أنها لم تعد تتحكم في نفسها كما كانت تفعل من قبل.
«لا يوجد شيء.»
«جينيفير.»
كان في نبرة صوته شيء جعلها ترفع عينيها إليه مباشرة. لم يكن غاضبًا، لكنه لم يكن مقتنعًا أيضًا.
«أنت لا تبدين بخير منذ غادرنا المدينة. تتقلبين بين الضحك والصمت، ولا تستطيعين التركيز في الطريق. إذا كان هناك أثر جانبي لقدرتك، أو شيء حدث بعد قراءتك لروحي، فأريد أن أعرف.»
لثانية واحدة، أرادت أن تخبره بكل شيء.
أرادت أن تقول له إنها لم تعد تستطيع التفكير بصورة طبيعية، وإن حضوره يملأ عقلها حتى حين تحاول الانشغال عنه، وإنها تخاف من نفسها بقدر ما تخاف من فقدانه. أرادت أن تعترف بأنها أصبحت تنتظر كل كلمة يقولها، وأن صمته يؤلمها بلا سبب، وأنها تشعر بغيرة سخيفة من أي شيء يستحوذ على انتباهه بعيدًا عنها.
لكن خلف هذه الاعترافات كانت هناك حقيقة أشد إحراجًا: جزء منها لم يرد أن يتخلص من هذا الشعور أصلًا.
كان التعلق مؤلمًا، لكنه جعل العالم يبدو أكثر وضوحًا حين يكون دارون قريبًا. أما الابتعاد عنه فكان يعيد إليها ذلك الفراغ المزعج الذي لا تستطيع تسميته.
«لم يحدث شيء بسبب قدرتي»، أجابت أخيرًا.
لم تكن متأكدة حتى من صدقها.
تأملها دارون بضع لحظات، ثم قال: «إذا تغير شيء، فلا داعي لأن تخفيه عني. لن ألومك على أمر لا تفهمينه أنت أيضًا.»
كانت كلماته هادئة، وربما كانت ستمنحها الطمأنينة لو أنها سمعتها في يوم آخر. لكنها في تلك اللحظة شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها. أرادت أن تسأله إن كان سيظل إلى جانبها لو أخبرته بحقيقة أفكارها، وإن كان سيظل ينظر إليها بالطريقة نفسها بعد أن يعرف كم أصبحت مضطربة.
بدلًا من ذلك، اقتربت منه أكثر.
وضعت رأسها على كتفه.
كان التصرف مفاجئًا بما يكفي ليجعل دارون يتوقف عن الحركة. بقيت جينيفير ساكنة، تستمع إلى أنفاسها وتنتظر رد فعله، وقد تسارعت دقات قلبها على نحو جعلها تخشى أن يسمعها. كان هذا القرب أكبر مما اعتادت عليه علاقتهما، وهي تعرف ذلك جيدًا، لكنها لم تستطع إجبار نفسها على التراجع.
«جينيفير؟»
«دعني هكذا قليلًا.»
لم تجبه بنبرة مرحة كما كانت تفعل عادة، بل خرج صوتها متعبًا ومكسورًا. «أرجوك، لا تسألني الآن.»
ظل دارون صامتًا لحظات، ثم قال: «إذا كنت متعبة، فلا بأس أن تستريحي. لكنني أريدك أن تخبريني إن كنت تشعرين بالدوار أو الألم.»
لم يبادلها التصرف الذي كانت تتخيله في سرها، ولم يفسر قربها بالطريقة التي أرادها عقلها المضطرب. كان يتعامل معها بجدية، وكأنها شخص يمر بوعكة تحتاج إلى الفهم، لا امرأة يحاول استرضاءها.
كان ينبغي أن يريحها ذلك.
لكنه جعلها تشعر بالخجل والحرمان في الوقت نفسه.
رفعت رأسها ببطء، ثم بقيت تنظر إليه. كان وجهه قريبًا، وملامحه هادئة، وعيناه السوداوان تراقبانها بتركيز حقيقي. لم يكن ينفر منها، ولم يكن يسخر منها، ولم يكن يحاول استغلال ضعفها. ومع ذلك، لم تستطع أن تكتفي بهذا.
«هل تثق بي؟» سألته فجأة.
«أثق بك بما يكفي لأرافقك في هذه الرحلة.»
«هذا ليس ما سألتك عنه.»
«إذًا اطرحي السؤال الذي تقصدينه.»
خفضت عينيها. كانت تريد منه إجابة أخرى، إجابة لا تعرف حتى كيف تطلبها دون أن تكشف نفسها. أرادت أن تعرف إن كانت تعني له شيئًا خاصًا، وإن كان غيابها سيترك أثرًا لديه، وإن كان يمكنها أن تصبح أكثر من رفيقة سفر لا يتجاوز اهتمامه بها حدود المهمة.
لكنها أدركت فجأة أنها لا تريد مجرد إجابة. كانت تريد أن تسمع ما يطمئنها، مهما كان، ثم تطلب المزيد عندما تفقد أثر الطمأنينة. حتى لو قال لها إنه يثق بها، فلن يمر وقت طويل قبل أن تتساءل إن كان يثق بها أكثر من الآخرين. ولو قال إنها مهمة بالنسبة إليه، فسوف تتساءل عن مقدار أهميتها. لم يعد هناك جواب قادر على إشباعها، لأنها لم تعد تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن شعور مؤقت يسكت خوفها.
ابتعدت عنه فجأة ونهضت.
«انسَ الأمر.»
راقبها دارون وهي تخطو نحو الجدول، ثم مسحت وجهها بيديها وجلست على إحدى الصخور المقابلة. كان تحولها سريعًا إلى درجة جعلته يعقد حاجبيه.
«جينيفير، انظري إليّ.»
«قلت إنني بخير!»
ارتفع صوتها أكثر مما أرادت، فصمتت على الفور. نظرت إليه بذهول، وكأنها لم تصدق أنها صرخت في وجهه. لم يكن قد اتهمها بشيء، ولم يفعل ما يستحق هذا الرد.
«أنا… لم أقصد ذلك.»
لم يجبها مباشرة.
أدارت وجهها عنه، وراحت تحدق في الماء. كان وجهها يحترق خجلًا، لكنها شعرت أيضًا بغضب لا تستطيع توجيهه إلى أحد. غضب من نفسها لأنها لم تستطع التوقف، ومنه لأنه لم يفهمها رغم أنه حاول، ومن العالم كله لأنه سمح لها بأن تصل إلى هذه الحالة دون أن يمنحها تفسيرًا واحدًا.
ثم تسلل إليها خوف أشد قسوة من كل ما سبق.
ماذا لو اكتشف أنني أصبحت مثيرة للشفقة؟
لم تستطع تحمل الفكرة. تخيلت أنه سيقرر بعد انتهاء المهمة الابتعاد عنها، وأنه سيعود إلى حياته بينما تبقى هي عالقة في هذا الاضطراب. تخيلت أنه قد ينظر إليها ذات يوم فلا يرى سوى امرأة فقدت قدرتها على ضبط نفسها، امرأة لا تستطيع أن تكون إلى جواره دون أن تطلب منه أكثر مما يستطيع تقديمه.
ضغطت أظافرها على راحة يدها.
لا. لن يحدث ذلك.
لم تكن تعرف كيف ستمنع حدوثه، لكنها تشبثت بالفكرة كما يتشبث الغريق بخشبة صغيرة. لم تكن تريد خسارته، ولم تعد قادرة على تخيل نفسها وهي تعود إلى حياتها السابقة، حين كان وجوده مجرد لغز يثير فضولها.
لقد أصبح اللغز هو الشيء الذي تخشى فقدانه.
استمر توقفهما أكثر مما خطط دارون. لم يكن يريد إجبارها على السير وهي بهذه الحالة، كما أنه لم يعد واثقًا من قدرتها على التركيز إذا واجها خطرًا مفاجئًا. جلس على مسافة قصيرة منها، وترك لها بعض الوقت حتى تستعيد هدوءها.
أما جينيفير، فكانت تخوض معركة لم يرَ منها سوى آثارها.
كلما شعرت بأنه يمنحها مساحة، فسر عقلها ذلك على أنه ابتعاد. وكلما تذكرت أنه يحاول احترام رغبتها، جاءها إحساس آخر يخبرها بأنه قد يستغل أول فرصة كي يتركها خلفه. كانت تعرف أن هذه الاستنتاجات لا تستند إلى شيء، لكنها لم تعد قادرة على منعها من الظهور.
في مرحلة ما، التفتت إليه فوجدته يفحص خريطة الطريق.
لم يكن ينظر إليها.
أحست بمرارة مفاجئة، ثم نهضت واقتربت منه. جلست إلى جانبه هذه المرة من دون أن تسأله، وألقت نظرة على الخريطة كما لو أنها مهتمة بها فعلًا.
«إلى أين سنذهب بعد هذا الطريق؟»
شرح لها دارون الاتجاه الذي ينوي سلوكه، وأشار إلى ممر ضيق بين التلال. حاولت أن تتابع كلامه، لكنها وجدت نفسها تحدق في وجهه بدلًا من الخريطة. كانت تكره الطريقة التي يسرق بها انتباهها كل شيء آخر، ومع ذلك لم تستطع إبعاد عينيها عنه.
وحين انتهى، قالت: «هل يمكنني البقاء معك بعد انتهاء هذه المهمة؟»
رفع نظره إليها.
«ماذا تقصدين؟»
«أقصد… هل ستعود إلى المدينة المقدسة وحدك؟ أم ستسمح لي بمرافقتك؟»
«لم أفكر في الأمر بعد. علينا أولًا أن ننهي ما جئنا من أجله.»
لم يكن جوابًا قاسيًا، لكنه لم يمنحها ما أرادته.
«أنت تفعل ذلك دائمًا.»
توقف دارون عن طي الخريطة. «أفعل ماذا؟»
«تجعل كل شيء متعلقًا بالمهمة. كأن لا شيء آخر مهم.»
بدا عليه الاستغراب الحقيقي. «نحن في طريقنا لمواجهة رجل قد يكون قادرًا على قتلنا. من الطبيعي أن أفكر في المهمة.»
«أعرف ذلك.»
«إذًا ما المشكلة؟»
فتحت فمها، ثم أغلقته. لم تستطع إخباره بأن المشكلة هي أنها تريد منه أن يفكر فيها حتى عندما لا يكون هناك سبب عملي لذلك. لم تستطع أن تطلب منه أن يجعلها محور اهتمامه، ولم تكن تريد أن ترى نفسها وهي تفعل ذلك.
لكنها لم تعد تكتفي بأن تخفي رغبتها؛ بدأت الرغبة نفسها تتحول إلى استياء لأنها لم تتحقق.
«لا شيء»، قالت، ثم أضافت بعد لحظة: «آسفة.»
أعاد دارون الخريطة إلى حقيبته. «لست مضطرة إلى الاعتذار عن كل شعور يزعجك. لكنني لن أستطيع مساعدتك إن لم تخبريني بما يحدث.»
نظرت إليه، وشعرت للحظة بأن دموعها ستسقط. لم تكن حزينة تمامًا، ولم تكن سعيدة، ولم تكن تعرف حتى إن كانت تريد أن يبقى إلى جانبها أو أن يبتعد كي لا يراها على هذه الحال. كانت المشاعر تتزاحم داخلها، وكل واحدة منها تدفعها في اتجاه مختلف، حتى أصبح اتخاذ أبسط قرار مرهقًا.
«أنا لا أعرف ما الذي يحدث لي»، همست.
كانت تلك أول جملة صادقة تقولها منذ مغادرتهما المدينة.
تبدلت ملامح دارون قليلًا، واختفى ما بقي من الاستغراب في عينيه.
«منذ متى؟»
«لا أعرف. ربما منذ قرأت روحك. ربما قبل ذلك، لكنني لم ألاحظ. في البداية ظننت أنني متعبة، ثم قلت إنني أبالغ في التفكير، وبعدها…» توقفت، وشبكت أصابعها بقوة. «بعدها لم أعد أستطيع التوقف.»
«عن ماذا؟»
كادت تجيب. كادت تخبره كيف أصبح وجوده يطغى على كل شيء، وكيف تختلط أفكارها بهواجسها، وكيف أن رغبتها في القرب منه باتت تتجاوز ما كانت تسمح به لنفسها يومًا. لكنها خافت أن تتغير نظرته إليها، فاختارت نصف الحقيقة.
«عن التفكير فيك.»
ساد الصمت بينهما.
لم يبدُ دارون منزعجًا بقدر ما بدا أكثر حذرًا. نظر إليها طويلًا، محاولًا فهم ما وراء اعترافها.
«هل تقصدين أنك قلقة بشأن قدرتي؟»
كادت تضحك من شدة المرارة. حتى الآن، لم يفهم ما الذي كانت تحاول قوله. لكنه لم يكن مخطئًا تمامًا؛ فقد كان قلقها عليه جزءًا من الأمر، وإن لم يعد الجزء الوحيد.
«شيء من هذا القبيل.»
«جينيفير، أنا لا أريدك أن تجبري نفسك على مرافقتي إذا كان ذلك يؤذيك. يمكننا العودة إلى المدينة المقدسة، أو يمكنني أن أتابع وحدي.»
«لا!»
خرجت الكلمة حادة وفورية. نهضت حتى كادت تفقد توازنها، ونظرت إليه بعينين متسعتين.
«لا تذهب وحدك.»
توقف دارون عن الحركة.
«لم أقل إنني سأذهب الآن.»
«لكنّك فكرت في ذلك.»
«فكرت في احتمال أن تكون الرحلة متعبة لك.»
«لا يهمني إن كانت متعبة!»
كانت أنفاسها تتسارع. شعرت أن شيئًا داخلها يندفع نحو حافة لا تستطيع رؤيتها، وأنها إن لم تفعل شيئًا الآن فسوف يتركها خلفه، حتى لو لم يكن قد قرر ذلك أصلًا.
«سأذهب معك. أستطيع القتال، وأستطيع حماية نفسي. لن أكون عبئًا عليك. فقط… لا تطلب مني العودة.»
تأملها دارون، ثم نهض بهدوء. لم يقترب منها أكثر، لكنه لم يتجاهل اضطرابها أيضًا.
«لن أطلب منك العودة لمجرد أنك تمرين بوقت صعب. لكنني لن أسمح لك أيضًا بأن تعرضي نفسك للخطر كي تثبتي لي شيئًا.»
هزت رأسها بسرعة.
«أنا لا أحاول إثبات شيء.»
كانت تكذب، أو ربما لم تعد تعرف الفرق بين الكذب ومحاولة إقناع نفسها.
«حسنًا»، قال. «سنكمل الرحلة بعد أن تهدئي. وإذا شعرت بأنك تفقدين السيطرة على نفسك مرة أخرى، فأخبريني فورًا. لن أعتبر ذلك ضعفًا.»
ثم ابتعد قليلًا ليجمع أغراضهما.
بقيت جينيفير واقفة في مكانها، تنظر إليه وهو يرتب الحقيبة ويستعد لمواصلة السير. كان قد منحها ما طلبته؛ لم يرفض مرافقتها، ولم يسخر من خوفها، ولم يعاملها كأنها عبء. ومع ذلك، لم تشعر بالراحة التي انتظرتها.
لقد هدأ خوفها من أن يتركها في هذه اللحظة، لكن ذلك لم ينهِ حاجتها إلى الاطمئنان. سرعان ما بدأت تتساءل متى سيأتي الخوف مرة أخرى، وماذا ستفعل حين يعود.
أدركت عندها أن المشكلة لم تعد مجرد مشاعر قوية لا تعرف كيف تتعامل معها. لقد أصبحت أسيرة دورة لا تنتهي: تخاف أن تفقده، فتقترب منه؛ تقترب منه، فتشعر بالعار من نفسها؛ تشعر بالعار، فتخاف أن يكتشف حقيقتها ويبتعد؛ ثم تعود إلى الاقتراب منه كي تسكت الخوف.
وكانت كل دورة تجعلها أقل قدرة على مقاومة التالية.
حين استأنفا السير، بقيت جينيفير قريبة من دارون أكثر من السابق. لم تعد تحاول إخفاء ذلك بوضوح؛ كانت تسير بمحاذاته، وتبحث عن أي ذريعة لبدء حديث جديد، وتتأثر على نحو مبالغ فيه بأبسط تغير في نبرته.
وحين كان يتوقف ليفحص الطريق، كانت تتوقف معه فورًا. وحين يبتعد خطوتين ليتحقق من شيء، كانت تراقبه حتى يعود. لم تكن تفعل ذلك لأن الطريق خطير فحسب، بل لأن ابتعاده القصير صار كافيًا لإيقاظ ذلك القلق الذي لا تستطيع السيطرة عليه.
أما رغباتها، فقد أصبحت أكثر إرباكًا لها من أي وقت مضى. لم تعد مجرد أفكار عابرة تستطيع تجاهلها، بل صارت تتسلل إلى كل لحظة تجمعهما، وتفسد عليها قدرتها على رؤيته كما كانت تراه من قبل. كانت تنظر إليه فتتذكر أنه رجل غامض يحتاج إلى المساعدة، ثم تجد نفسها عالقة في خيالاتها، فتغضب من نفسها، ثم تحاول الاقتراب منه لتشعر بالرضا من جديد.
كانت تدرك أن دارون لم يفعل شيئًا ليستحق أن يتحمل هذا الاضطراب، وأنه لم يمنحها أي وعد يتجاوز ما قاله بوضوح. لكنه لم يكن مجرد شخص في نظرها الآن؛ لقد صار مركزًا تدور حوله أفكارها، ومقياسًا تقيس به يومها، ومصدرًا للراحة والخوف في آن واحد.
وعندما مالت الشمس نحو الغرب، أدركت أنها لم تعد تتذكر معظم تفاصيل الطريق الذي قطعاه.
كان دارون قد تحدث معها عدة مرات، وأشار إلى معالم يمكن الاستفادة منها، وشرح لها أين ينبغي أن يسلكا في اليوم التالي. لكنها لم تحتفظ إلا بالأجزاء التي كان ينظر فيها إليها، أو التي يذكر فيها اسمها. أما بقية التفاصيل، فقد تلاشت وسط الضجيج الذي يملأ عقلها.
هذا ليس طبيعيًا.
تكررت العبارة في رأسها، لكنها لم تعد تحمل القوة نفسها التي كانت تحملها في البداية. فقد كانت الحقيقة واضحة أمامها، ومع ذلك لم تكن تعرف كيف تتصرف بناءً عليها.
لم تكن تريد أن تفقد نفسها.
ولم تكن تريد أن تفقد دارون.
لكنها بدأت تشعر بأنهما أصبحا، بطريقة ما، خيارين متعارضين.
التفت دارون إليها فجأة، فرفعت رأسها نحوه. لعلها كانت تبتسم؛ لم تكن متأكدة. نظر إلى وجهها لحظات، ثم قال:
«عندما نصل إلى مكان المبيت، أريدك أن ترتاحي جيدًا. وغدًا سنبحث عن طريقة لفهم ما يحدث لك، حتى لو اضطررنا إلى تأجيل مواجهة كاستر.»
اختفت ابتسامتها.
«لن تؤجل الرحلة بسببي، أليس كذلك؟»
«إذا كنت غير قادرة على القتال، فقد يكون التأجيل هو القرار الصحيح.»
«لكنني أستطيع القتال.»
«لم أقل إنك لا تستطيعين.»
«إذًا لن تؤجلها؟»
تأملها دارون، ثم أجاب بوضوح: «لن أتخذ قرارًا كهذا قبل أن أفهم حالتك. سلامتك أهم من الوصول في موعد محدد.»
كان ينبغي أن يكون ذلك مطمئنًا.
لكنها سمعت في كلماته احتمالًا جديدًا: أنه قد يقرر يومًا ما أن الأفضل لها هو الابتعاد عنه، وأنه لن يغير قراره مهما توسلت إليه.
أدارت وجهها قبل أن يلاحظ ما طرأ على ملامحها.
لم تكن تعرف كيف وصلت إلى هذه النقطة، ولم تكن تعرف لماذا أصبح خوفها من فقدانه أقوى من خوفها من كل ما قد ينتظرها في الطريق. وكلما حاولت استعادة السيطرة على أفكارها، اكتشفت أن عقلها قد نسج حول دارون عالمًا كاملًا لا مكان فيه لأي شيء آخر.
وفي مكان عميق من نفسها، بعيدًا عن رغباتها وخوفها وارتباكها، بقي صوت صغير يكرر أنها بحاجة إلى المساعدة.
لكنها لم تستمع إليه طويلًا..
فقد التفتت إلى دارون مرة أخرى، تراقب خطواته، وتنتظر منه كلمة أخرى، أو نظرة، أو أي شيء يثبت لها أنه ما زال هنا.
لم تكن تعرف أن أخطر ما حدث لها في ذلك اليوم لم يكن أنها اقتربت من دارون أكثر مما ينبغي، بل أنها بدأت تفقد قدرتها على تحديد ما ينبغي لها فعله أصلًا.
وكان الطريق أمامهما لا يزال طويلًا.