الفصل 330 - حين يصبح الآخر عالمك
لم تستطع جينيفير النوم.
كانت قد أغلقت باب غرفتها منذ ساعات، وأطفأت المصباح، وأبعدت التقارير التي اصطحبتها معها من القاعة الرئيسية. لم يكن هناك ما يستدعي السهر؛ فقد انتهت الاستعدادات الأساسية للرحلة، ولم يبقَ عليها سوى انتظار الصباح كي تغادر المدينة المقدسة برفقة دارون.
ومع ذلك، ظلت مستيقظة.
تقلبت على جانبها، ثم عادت إلى الاستلقاء على ظهرها، وحدقت في السقف المظلم. حاولت أن تستعيد أفكارها المعتادة، أن تفكر في الطريق الذي سيسلكانه، وفي قوات كاستر، وفي الاحتمالات التي ينبغي الاستعداد لها. لكنها لم تستطع الاحتفاظ بأي فكرة منها لأكثر من لحظات قليلة قبل أن يعود ذهنها إلى الشخص نفسه.
دارون.
لم يعد اسمه مجرد اسم يخطر ببالها بين الحين والآخر. لقد أصبح أشبه بنقطة مركزية تدور حولها أفكارها كلها، مهما حاولت أن تبدأ التفكير من مكان آخر. عندما تتذكر الرحلة، تراه إلى جانبها. وعندما تفكر في المخاطر، تتخيل ما قد يصيبه. وحتى عندما تحاول الانشغال بشيء لا علاقة له به، تجد نفسها تتساءل عما يفعله في تلك اللحظة، وهل هو مستيقظ مثلها، أم أنه تمكن من النوم دون أن تطارده الأسئلة التي لا تمنحها لحظة راحة.
كانت تعرف أن هذا غير طبيعي.
لم تعرفه منذ زمن طويل، ولم يمنحها سببًا واضحًا يجعلها تتعلق به بهذه السرعة. لم تكن بينهما ذكريات مشتركة تكفي لتفسير ذلك، ولم يكن قد عاملها بطريقة استثنائية. كان يتحدث معها بهدوء، ويستمع إلى رأيها حين يحتاج إليه، ثم يمضي في شؤونه دون أن يلتفت إلى مقدار الأثر الذي يتركه وجوده فيها.
وهذا تحديدًا ما كان يربكها.
لم يكن يفعل شيئًا كي يجعلها تفكر فيه، ومع ذلك لم تستطع التوقف عن التفكير فيه.
أغمضت عينيها بقوة، وضغطت الوسادة بين ذراعيها.
«كفى يا جينيفير.»
قالت ذلك بصوت خافت، وكأن سماع صوتها قد يعيد إليها السيطرة على أفكارها.
لكن عقلها لم يستجب.
تذكرت حديثهما الأخير، حين أخبرها بأنه يقدر مساعدتها. كانت عبارة بسيطة، لم تحمل وعدًا أو اعترافًا أو حتى اهتمامًا خاصًا. ومع ذلك، عادت إليها مرارًا خلال الساعات الماضية، وفي كل مرة كانت تشعر بذلك الدفء نفسه يتسلل إلى صدرها.
لم تكن بحاجة إلى كلمات كبيرة منه. مجرد أن يلاحظ ما تفعله، وأن يعترف بأن وجودها مفيد، كان كافيًا ليمنحها شعورًا بالرضا لم تعهده من قبل.
بدأت تدرك أن الأمر تجاوز رغبتها في التقرب منه.
لقد أصبحت تنتظر منه ما لم تكن تنتظر من أحد؛ أن يجعلها تشعر بأن مكانها إلى جانبه حقيقي، وأنها ليست مجرد شخص مرّ في حياته بالمصادفة. لم تكن تريد أن تكون واحدة من الأشخاص الذين يتذكرهم حين يحتاج إليهم ثم ينساهم عندما تنتهي حاجته. كانت تريد أن تظل ذات أهمية بالنسبة إليه، حتى في الأيام التي لا يحتاج فيها إلى مساعدتها.
وكانت هذه الرغبة تكبر داخلها أسرع مما تستطيع استيعابه.
نهضت أخيرًا عن السرير، وأشعلت المصباح الصغير فوق الطاولة. جلست أمام المرآة، وراحت تتأمل انعكاس وجهها. لم ترَ فيه شيئًا مختلفًا، لكن إحساسًا غريبًا رافقها طوال الأيام الماضية، إحساس بأنها لم تعد تتصرف بالطريقة التي تعرفها عن نفسها.
كانت جينيفير معتادة على ضبط مشاعرها. حتى عندما تخاف، تستطيع أن تخفي خوفها خلف نبرة هادئة. وحتى عندما تشعر بالفضول، لا تسمح له بأن يدفعها إلى تجاهل المخاطر. لقد كانت تراقب الآخرين وتفهم انفعالاتهم، لكنها لم تسمح لمشاعرها بأن تتولى قيادة قراراتها.
أما الآن، فقد أصبح مجرد احتمال ابتعاد دارون عنها كافيًا لإرباكها.
لم تكن تريد الاعتراف بذلك، لكنها بدأت تقيس يومها من خلاله. هل تحدث معها؟ هل لاحظ وجودها؟ هل طلب مساعدتها؟ هل ابتسم حين رأى ما أعدته للرحلة؟ كانت أسئلة صغيرة في ظاهرها، لكنها اكتسبت وزنًا لا يتناسب معها، حتى أصبحت إجابتها قادرة على تغيير حالتها النفسية بالكامل.
وكلما أدركت ذلك، حاولت إقناع نفسها بأنها تستطيع التوقف متى أرادت.
كانت تقول لنفسها إنها ستنشغل بعملها غدًا، وإن الرحلة ستمنحها ما يكفي من المهام كي لا تفكر في الأمر. كانت تقول إنها تحتاج فقط إلى فهم ما حدث أثناء قراءة روح دارون، وإن فضولها سينتهي عندما تصل إلى تفسير مقنع.
لكنها لم تعد تصدق هذه الأعذار تمامًا.
فلو كان الأمر مجرد فضول، فلماذا شعرت بسعادة هائلة عندما علمت أنه وافق على مناقشة مرافقتها؟ ولماذا كان صوتها يتغير حين تتحدث إليه؟ ولماذا أصبحت تراجع كل كلمة تقولها أمامه، خشية أن تفعل شيئًا يجعله ينظر إليها بطريقة مختلفة؟
لم تكن الإجابة مريحة.
لقد أصبحت مشاعرها تجاهه أعمق من أن تفسرها حاجتها إلى المعرفة، وأكثر إلحاحًا من مجرد إعجاب عابر.
كانت ترغب فيه بقرب لم تعهده، وتريد أن تشعر بأنها مميزة في نظره، وأن تحصل على شيء من اهتمامه لا تضطر إلى طلبه كل مرة.
وحين حاولت أن تطرد تلك الأفكار، وجدت أن مقاومتها لم تعد تخففها؛ بل جعلتها أكثر حضورًا.
عادت إلى السرير، لكن النوم ظل بعيدًا عنها. أخذت تتخيل تفاصيل اليوم التالي، وتعيد في ذهنها أول لحظة ستراه فيها، والطريق الذي سيسلكانه معًا، والأحاديث التي قد تجمعهما حين لا يكون هناك أحد آخر بالقرب منهما.
تخيلت أنه قد يسألها عن رأيها في أمر ما، أو يلتفت إليها عندما يحتاج إلى اتخاذ قرار. تخيلت أنه قد يثق بها بما يكفي ليخبرها بشيء لم يقله لأوغستا أو نيرون.
كانت تعرف أن هذه مجرد احتمالات لا دليل عليها، لكنها وجدت نفسها تتعلق بها كما لو أنها ذكريات حدثت بالفعل.
ولم تكتفِ بذلك.
بدأ خيالها ينحرف إلى صور أكثر خصوصية، إلى تخيلات عن قربها منه، وعن المسافة التي تتمنى لو تستطيع اختصارها بينهما، وعن رغبتها في أن تحظى باهتمامه بطريقة تتجاوز الحديث والعمل المشترك. كان في داخلها شوق جسدي وعاطفي يتزايد مع كل محاولة لقمعه، حتى شعرت بالحرج من نفسها.
لم تكن معتادة على أن تستولي الرغبة عليها بهذه القوة، ولم تكن تتخيل يومًا أنها ستقضي ليلة كاملة عاجزة عن التفكير في شيء آخر.
حاولت أن تتوقف، لكنها لم تستطع.
وللمرة الأولى، لم تكتفِ جينيفير بمقاومة أفكارها أو محاولة تشتيت انتباهها؛ بل اختارت أن تستسلم للحظة، وأن تتوقف عن محاكمة نفسها على ما تشعر به. أغلقت عينيها وتركت خيالها يمضي في اتجاهه، مستسلمة لشوقها الخاص في عزلة غرفتها، حتى تلاشت المسافة بين ما كانت تسمح لنفسها بتخيله وما قررت أن تفعله بالفعل.
لم يكن في الأمر ما كانت ستفخر بإخبار أحد عنه، وربما كانت ستشعر بالخجل لو فكرت فيه بصفاء في يوم آخر. لكنها، في تلك اللحظة، لم تشعر بالنفور الذي توقعت أن تشعر به.
بل وجدت نفسها سعيدة على نحو أربكها.
لم تكن سعادتها نابعة من قرب حقيقي بينها وبين دارون؛ فهو لم يكن معها، ولم يكن يعلم شيئًا عما يدور في ذهنها. كانت السعادة آتية من عالم صنعته أفكارها، عالم لم يكن عليها فيه أن تخشى رفضه أو أن تتساءل عما إذا كانت تعني له شيئًا. في ذلك العالم، استطاعت أن تقترب منه بالقدر الذي تريده، دون أن تضطر إلى مواجهة حقيقة أن العلاقة بينهما لم تتغير في الواقع.
وحين انتهت تلك اللحظة، بقيت مستلقية في الظلام، تتنفس بهدوء وتحدق في السقف.
كان ينبغي أن تشعر بالحرج، وربما شعرت بشيء منه بالفعل. لكنها لم تستطع تجاهل الرضا الغريب الذي بقي في داخلها، ولا حقيقة أنها لم تفكر في الابتعاد عنه بعد ذلك.
على العكس، وجدت نفسها تشتاق إلى رؤيته أكثر.
كانت تعرف أن ما حدث لم يغير شيئًا في حياتها الواقعية. لم يصبح دارون أقرب إليها، ولم يعرف شيئًا عن مشاعرها، ولم يمنحها أي وعد جديد. ومع ذلك، فقد تركت التجربة أثرًا جعل أفكارها عنه أكثر إلحاحًا، وكأنها اكتشفت طريقة للهروب من المسافة التي تفصل بين رغبتها والواقع، ولو للحظات قصيرة.
وهذا ما جعل الأمر أخطر مما توقعت.
لم تعد تتعامل مع خيالها بوصفه شيئًا عابرًا يمكنها تجاوزه، بل بدأت تجد فيه ملاذًا كلما شعرت بالقلق من حقيقة علاقتها به. وكلما عادت إلى الواقع، ازداد وعيها بالمسافة بينهما، فازداد شوقها إلى اختصارها.
مر الوقت دون أن تنتبه إليه.
حاولت النوم مرة أخرى، لكن عقلها ظل يقفز من فكرة إلى أخرى. تخيلت حديثهما في الصباح، ثم عادت إلى نبرة صوته حين شكرها، ثم تساءلت إن كان سيلتفت إليها عندما يلتقيان، وإن كان سيلاحظ أنها لم تنم جيدًا.
وفي كل مرة حاولت فيها صرف ذهنها، وجدت نفسها تعود إلى السؤال نفسه:
ماذا لو لم أكن مهمة بالنسبة إليه بالقدر الذي أصبح مهمًا بالنسبة إليّ؟
كان السؤال أشد إيلامًا من أن تتركه يستقر في ذهنها طويلًا، لذلك كانت تهرب منه إلى التخيل، ثم تعود إليه بعد دقائق.
وهكذا مضى نصف الليل دون أن تحصل على نوم حقيقي.
لم تكن جينيفير قد فقدت قدرتها على التفكير، ولم تكن عاجزة عن إدراك ما يحدث لها. كانت تعرف أن تعلقها يتضخم، وأنها تمنح دارون مساحة في داخلها لم تمنحها لأحد من قبل. لكنها، بدلًا من أن تتراجع، وجدت نفسها تتشبث به أكثر، كأن الاعتراف بقوة مشاعرها يجعلها أقل خوفًا من فقدان السيطرة عليها.
وعندما بدأ ضوء الفجر يتسلل من خلف الستائر، كانت لا تزال مستيقظة.
لم تشعر بالتعب وحده، بل بشيء يشبه الترقب الحاد، كأن اليوم الذي انتظرته طوال الليل يحمل لها أكثر من مجرد رحلة إلى منطقة خطرة.
ستراه بعد قليل.
وحده هذا الاحتمال كان كافيًا ليجعلها تنهض عن السرير، وتبدأ الاستعداد بسرعة، بينما ترتسم على وجهها ابتسامة لم تستطع منعها.
كان دارون ينتظر في الساحة الداخلية عندما وصلت جينيفير.
كانت الحقائب قد جُهزت، والخيول أُحضرت إلى البوابة، وأحد الحراس كان يراجع آخر التعليمات التي أصدرتها أوغستا. لم يكن هناك ما يستدعي التأخير، وكان دارون يفضل الانطلاق في أقرب وقت ممكن حتى يبتعدا عن المدينة قبل أن تتغير تحركات قوات كاستر.
وحين رآها تقترب، رفع يده تحية.
«صباح الخير.»
«صباح الخير، دارون.»
كان صوتها أكثر دفئًا مما اعتاد سماعه منها، وابتسامتها أوسع من المعتاد. لم يعر الأمر اهتمامًا في البداية، فقد افترض أنها متحمسة للرحلة أو أنها تشعر بالارتياح لأن أوغستا وافقت أخيرًا على مرافقتها.
لكن عندما اقتربت، لاحظ شيئًا آخر.
كانت تبدو مرهقة قليلًا، رغم أنها تحاول إخفاء ذلك. وتحت عينيها أثر خفيف للسهر، كما أن حركاتها بدت أسرع من المعتاد، وكأنها تخشى أن تفوتها لحظة من الاستعداد. ومع ذلك، لم يكن التعب هو ما لفت انتباهه أكثر.
بل الطريقة التي نظرت بها إليه.
لم تكن نظرة فضول أو قلق بشأن المهمة. كانت أطول مما ينبغي، وأكثر تركيزًا، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها قبل أن يغادرا.
قال دارون: «هل نمتِ جيدًا؟»
«نعم، إلى حد ما.»
جاء الجواب سريعًا جدًا.
تأملها للحظة. «لا تبدين كذلك.»
ضحكت بخفة، ثم أشاحت بنظرها. «ربما كنت أفكر في الطريق. أردت التأكد من أنني لم أنسَ شيئًا.»
لم يعلّق، لكنه لم يقتنع تمامًا.
كانت جينيفير متوترة أحيانًا، خصوصًا عندما تواجه شيئًا لا تفهمه، لكنها لم تكن عادةً من النوع الذي يفقد النوم بسبب رحلة خطرة. بل كانت تستعد بهدوء، وتراجع التفاصيل حتى تشعر بأنها غطت الاحتمالات المهمة، ثم تترك ما لا تستطيع التحكم فيه إلى حين حدوثه.
أما الآن، فقد بدا أنها أمضت الليل في شيء آخر.
لم يكن لديه دليل على ذلك، ولم يرغب في بناء استنتاجات من مجرد ملاحظة صغيرة. اكتفى بفحص المعدات التي أحضرتها، وسألها إن كانت قد راجعت الطريق البديل الذي اتفقا عليه.
أجابته بتفصيل دقيق، وأشارت إلى مواضع الخطر المحتملة، ثم عرضت عليه خريطة معدلة أضافت إليها عدة ملاحظات. كان عملها ممتازًا، بل أفضل مما توقعه. لكنها، خلال شرحها، كانت تنظر إليه كلما أنهت نقطة، كما لو أنها تنتظر منه تأكيدًا لا علاقة له بجودة المعلومات نفسها.
«هذا جيد»، قال دارون. «لقد أحسنتِ العمل.»
ابتسمت جينيفير فورًا.
كانت ابتسامة صادقة، لكنها حملت قدرًا من السعادة أكبر مما يستدعيه مجرد الثناء على خريطة. ولم يفت ذلك دارون هذه المرة.
نظر إليها بصمت قصير، ثم قال: «هل أنت متأكدة من أنك بخير؟»
تجمدت ابتسامتها للحظة.
«لماذا تسألني هذا السؤال مجددًا؟»
«لأنك تبدين مختلفة.»
حاولت أن ترد بخفة: «ربما لأنني سأغادر المدينة للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب.»
«هذا ليس ما أقصده.»
لم تكن نبرته اتهامية، بل هادئة وحذرة. وقد جعلها ذلك أكثر ارتباكًا من لو أنه واجهها مباشرة.
أرادت أن تقول له إنها بخير، وإن كل ما تشعر به طبيعي، وإنها متحمسة فقط لأنها سترافقه. لكن شيئًا في نظراته جعلها تدرك أن إخفاء الأمر لن يكون سهلًا كما ظنت. كان دارون يلاحظ التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون، ولم يكن من السهل خداعه حين يقرر التركيز على شيء.
قالت أخيرًا: «لم أنم جيدًا، هذا كل شيء.»
«هل حدث شيء؟»
«لا.»
جاءت الإجابة أكثر هدوءًا هذه المرة، لكنها لم تكن كافية لإقناعه.
كان دارون يعرف أن قلة النوم قد تؤثر في المزاج والتركيز، لكنه لم يرَ جينيفير تتصرف بهذه الطريقة من قبل. لم يكن الأمر مجرد ابتسامة زائدة أو تعب يمكن تفسيره بالسهر؛ كان هناك تغير في طريقة تعاملها معه، في اهتمامها المبالغ فيه بكلماته، وفي ذلك الارتياح الذي يظهر على وجهها كلما مدحها أو قبل مساعدتها.
لقد أصبحت تتقرب منه أكثر مما اعتادت، وبسرعة لا تتناسب مع المدة القصيرة التي عرفا فيها بعضهما.
والأغرب أن هذا التغير بدأ بعد تجربة قراءة الروح.
عاد ذهنه إلى ما وصفته له عن الفراغ والشبكة التي كادت تبتلع وعيها. لم تكن جينيفير قد قدمت تفسيرًا قاطعًا لما حدث، ولم يكن هو يعرف ما إذا كانت تجربتها قد تركت أثرًا عليها. لكن توقيت تغيرها كان كافيًا لإثارة الشك.
هل كانت هناك علاقة بين الأمرين؟
هل أثرت الشبكة التي رأتها في شيء داخلها؟
أم أن الأمر مجرد استجابة نفسية لتجربة مخيفة، جعلتها تشعر بارتباط غير مألوف به؟
لم يستطع الجزم بشيء.
ومع ذلك، كان لديه شعور بأن ما يحدث لا يقتصر على تعلق عاطفي عادي. لقد شاهد الناس يتغيرون تحت الضغط، ورأى الخوف يدفعهم إلى التمسك بمن يمنحهم الأمان، لكنه لم يرَ من قبل شخصًا يعيد ترتيب اهتماماته بهذه السرعة حول شخص واحد، من دون سبب واضح.
كان في الأمر خلل لا يفهمه.
«جينيفير»، قال أخيرًا، «إذا شعرتِ أثناء الرحلة بأنك غير قادرة على التركيز، فأخبريني. لن أعتبر ذلك ضعفًا.»
بدت المفاجأة على وجهها، ثم تحولت إلى تعبير لين لم يستطع تفسيره.
«سأخبرك.»
لكنها لم تكن تفكر في التحذير كما أراده. كان أهم ما سمعته في كلامه أنه يهتم بحالتها، وأنه يريد منها أن تخبره إذا شعرت بالتعب. لم تستطع منع نفسها من التعلق بهذه التفاصيل الصغيرة، ومن منحها معنى أوسع مما تحتمل.
لقد أصبح اهتمامه بها، مهما كان عاديًا، شيئًا تريد الاحتفاظ به.
أما دارون، فقد لاحظ تغير تعبيرها، وشعر بأن شكوكه تزداد.
لم يكن يعرف ما الذي يحدث لها، لكنه بدأ يدرك أن الأمر ليس طبيعيًا. لم يكن من المعقول أن تتحول جينيفير خلال أيام قليلة من امرأة مستقلة وحذرة إلى شخص يبدو أن كل كلمة يقولها قادرة على تغيير حالته النفسية.
وكانت تلك السرعة هي ما أثار قلقه الحقيقي.
لم يكن يريد أن يظلمها بالشك، ولم يكن مستعدًا لأن يفسر مشاعرها على أنها شيء مفروض عليها من الخارج دون دليل. لكنه لم يستطع تجاهل احتمال أن تكون تجربتها معه قد تركت أثرًا لا يفهمه أي منهما.
نظر إلى البوابة، حيث كان الحراس ينتظرون إشارة الانطلاق، ثم عاد بنظره إليها.
«قبل أن نغادر، أريد منك أن تجيبيني بصراحة عن سؤال واحد.»
شعرت جينيفير بالتوتر. «ما هو؟»
«هل تريدين مرافقتي لأنك تعتقدين أنك تستطيعين مساعدتي فعلًا، أم لأنك لا تريدين أن أذهب من دونك؟»
اختفت ابتسامتها.
لم تتوقع أن يسألها ذلك بهذه المباشرة، ولم تستطع أن تجد جوابًا سريعًا يرضيها. كان بإمكانها أن تنكر، وأن تعود إلى الأسباب العملية التي استخدمتها من قبل، لكنها أدركت أنه لن يقتنع إذا كررت الكلام نفسه.
ولأول مرة منذ بدأت مشاعرها تتضخم، واجهت السؤال الذي كانت تهرب منه.
هل كانت تريد الذهاب من أجل المهمة؟
أم أنها أصبحت تريد الذهاب لأن فكرة بقائها بعيدًا عنه صارت لا تُحتمل؟
خفضت عينيها إلى الأرض، وأخذت وقتها قبل أن تجيب.
«في البداية، كنت أعتقد أنني أستطيع مساعدتك. وما زلت أعتقد ذلك.» توقفت قليلًا، ثم تابعت بصوت أخفض: «لكنني لا أستطيع أن أنكر أنني لا أريدك أن تذهب وحدك.»
راقبها دارون، منتظرًا بقية الكلام.
«لا أعرف لماذا أصبحت أشعر بذلك بهذه القوة»، أضافت. «أعرف أنني لا أملك سببًا كافيًا لأتعلق بك إلى هذا الحد، وأعرف أننا لا نعرف بعضنا منذ وقت طويل. لكنني كلما حاولت أن أبتعد عن التفكير فيك، أجد نفسي أعود إليك. لا أريد أن أكذب عليك بشأن ذلك.»
كانت تلك أقرب إجابة صادقة استطاعت تقديمها، لكنها لم تكشف له كل شيء. لم تتحدث عن الليلة التي قضتها مستيقظة، ولا عن الأفكار التي استحوذت عليها، ولا عن مقدار ما أصبحت تتخيله من علاقة لم تبدأ بينهما بعد.
لم تكن مستعدة لوضع كل ذلك أمامه.
ساد الصمت بينهما.
لم يبدُ دارون منزعجًا من اعترافها، لكنه لم يبدُ مرتاحًا أيضًا. كان يفكر في كلماتها، وفي الطريقة التي قالت بها إنها لا تستطيع التوقف عن التفكير فيه. لم يكن ذلك اعترافًا عاديًا بالإعجاب، بل وصفًا لحالة تبدو وكأنها تتجاوز قدرتها على التحكم في نفسها.
قال بهدوء: «لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ فعل شيء من أجلي على حساب نفسك.»
رفعت عينيها إليه.
«ولا أريدك أن تتخذي قرارات قد تندمين عليها لاحقًا، فقط لأنك تعتقدين أن قربك مني سيجعلك أكثر اطمئنانًا.»
كان يحاول أن يمنحها مساحة للتراجع إن أرادت، وأن يوضح لها أنه لن يطلب منها التضحية بنفسها من أجله. لكن كلماته أثارت داخلها شعورًا متناقضًا؛ فقد شعرت بالامتنان لأنه يفكر في مصلحتها، وبالخوف في الوقت نفسه من أن يكون يحاول إبعادها عنه.
أرادت أن تؤكد له أنها قادرة على اتخاذ قرارها، وأنها لا تحتاج إلى أن يحميها من مشاعرها. لكنها أدركت أن إصرارها على ذلك قد يكون جزءًا من المشكلة نفسها.
فقالت: «أنا لا أرافقك لأنك طلبت مني ذلك. أنا اخترت أن أكون هنا.»
«أعرف.»
«وأريد أن أساعدك، حتى لو لم أستطع فهم كل ما يحدث لك.»
نظر إليها دارون طويلًا. كانت كلماتها صادقة، لكنه لم يستطع تجاهل التناقض بين استقلالها المعتاد وبين تعلقها المتزايد به. لم يكن يريد أن يستغل ثقتها، ولا أن يقبل تضحية لا تفهم أسبابها. وفي الوقت نفسه، لم يكن يملك الحق في أن يقرر عنها ما ينبغي أن تشعر به.
أومأ أخيرًا.
«حسنًا. سنذهب معًا، لكننا سنلتزم بالخطة. وإذا شعرتِ بأن الأمر أصبح أكثر مما تستطيعين تحمله، فسنتحدث بشأنه.»
ابتسمت جينيفير، وعاد ذلك الارتياح الغريب إلى وجهها.
«اتفقنا.»
ثم تحركت نحو الخيول، بينما بقي دارون واقفًا للحظات يراقبها.
لقد حصل على إجابة، لكنها لم تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها. على العكس، جعلته أكثر اقتناعًا بأن هناك شيئًا لا يفهمه. لم تكن جينيفير تتصرف كأنها قررت ببساطة الإعجاب به؛ لقد وصفت شعورًا يزداد قوة رغم محاولتها مقاومته، وكأن إرادتها لم تعد كافية لتحديد المسافة التي تريد الحفاظ عليها.
ولم يكن يعرف إن كان السبب نفسيًا بحتًا، أم أن لتجربتها مع روحه علاقة بالأمر.
لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع تجاهله.
صعد إلى جواده، ثم انتظر حتى امتطت جينيفير جوادها. كانت تنظر إليه بابتسامة هادئة، وكأن مجرد انطلاقهما معًا قد بدد ما تبقى من قلقها.
أما هو، فظل يراقبها بطرف عينه بينما تحركا نحو البوابة.
كان أمامهما طريق طويل، ومواجهة خطرة مع كاستر، ووعد لم يستطع دارون أن يتذكر أسبابه كاملة. ولم يكن يرغب في إضافة لغز جديد إلى قائمة الألغاز التي تحيط به.
لكن جينيفير أصبحت لغزًا بحد ذاتها..
ففي الوقت الذي كان يحاول فيه فهم ما حدث لروحه، كانت هي تفقد تدريجيًا قدرتها على النظر إلى العالم من دون أن يكون حاضرًا في مركزه.
ولم يكن دارون يعلم أن ما رآه من تغيرها حتى الآن لم يكن سوى البداية.
أما جينيفير، فقد سارت إلى جواره وهي تشعر بسعادة لم تعرفها من قبل، غير مدركة أن المسافة بين أن تختار شخصًا، وأن تصبح عاجزة عن تخيل نفسها من دونه، قد بدأت تتلاشى داخلها.