الفصل 329 - ما وراء الإرادة
مرّت ثلاثة أيام منذ وصول خبر تحرك كاستر نحو المدينة المقدسة، وكانت كل ساعة تمر تجعل احتمال المواجهة أقرب إلى اليقين.
في البداية، حاولت أوغستا التعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا يمكن احتواؤه بالاستعدادات المناسبة. أرسلت الكشافة إلى الطرق المؤدية إلى المدينة، واستدعت القادة المسؤولين عن الدفاع، وطلبت من حلفائها مراقبة أي تحركات غير مألوفة. لم تكن ترغب في إشعال معركة جديدة بعد حرب لم تجف دماؤها بعد، لكنها لم تكن ساذجة بما يكفي لتظن أن كاستر سيغير رأيه لمجرد أنها مستعدة لاستقباله.
وفي صباح اليوم الثالث، وصل التقرير الذي أنهى كل الشكوك.
لم يكتف كاستر بتحريك قواته، بل رفض السماح لأي مبعوث بالوصول إليه، وأعدم اثنين من الرجال الذين أرسلتهم إحدى المدن للتفاوض بشأن مروره عبر أراضيها. والأخطر من ذلك، أن أحد الكشافة تمكن من سماع جزء من اجتماع عقده قادة جيشه، وتأكد أن الهدف المعلن لتحركه هو الوصول إلى المدينة المقدسة وقتل أوغستا.
لم يعد هناك مجال لتفسير آخر.
حين انتهت أوغستا من قراءة التقرير، طوته بعناية ووضعته على الطاولة. لم يظهر على وجهها غضب واضح، لكن جينيفير، التي كانت تجلس قبالتها، لاحظت أنها ظلت تضغط بإبهامها على حافة الورقة حتى انثنت إحدى زواياها.
قالت أوغستا: «إذًا، لقد اتخذ قراره بالفعل.»
أجابت جينيفير: «ويبدو أنه لا ينوي منحنا فرصة لتغيير رأيه.»
«لم يكن كاستر يومًا رجلًا يسهل إقناعه بالكلمات.»
سكتت أوغستا قليلًا، ثم رفعت رأسها نحو الرجل الواقف قرب النافذة.
كان دارون يقرأ نسخة أخرى من التقرير. لم يبدُ عليه الاندهاش، ولم يسأل عن عدد الجنود أو سرعة تقدمهم. وحين انتهى، أعاد الورقة إلى الطاولة كأنها لم تحمل إليه سوى تأكيد لأمر يعرفه مسبقًا.
قالت أوغستا: «ما زلت مصرًا على الذهاب؟»
«نعم.»
«حتى بعد أن تأكدنا من أنه ينوي قتلي؟»
رفع دارون عينيه إليها. «خصوصًا بعد أن تأكدنا من ذلك.»
لم تعجبها إجابته، لا لأنها شككت في شجاعته، بل لأنها شعرت بأنه يخفي خلفها سببًا لا يريد الإفصاح عنه. منذ أعلن قراره للمرة الأولى، لم يحاول إقناعها بأن مواجهة كاستر ستكون سهلة، ولم يدّع أنه قادر على ضمان النصر. كان يتصرف كما لو أن هناك أمرًا يجب عليه إنجازه، وأن كل ما عدا ذلك يأتي في مرتبة أقل أهمية.
«أريد أن أفهم شيئًا واحدًا»، قالت أوغستا. «أنت لا تعرف ما الذي ينتظرك هناك. ولا تعرف إن كان كاستر سيمنحك فرصة للحديث أصلًا. فلماذا تصر على مواجهته بنفسك؟»
ظل دارون صامتًا لحظة، ثم أجاب: «لأنني قطعت وعدًا.»
لم تضغط أوغستا عليه أكثر. كانت تعرف أنه لا يتحدث عن وعد عابر، وأن هناك جزءًا من ماضيه لا يستطيع الوصول إليه، مهما حاول. لم تكن تحب أن يضع نفسه في خطر بسبب شيء لا يتذكره بوضوح، لكنها أدركت أيضًا أن إجباره على البقاء لن يحل المشكلة.
«حسنًا. لن أمنعك من الذهاب، لكنني لن أسمح لك بالتحرك دون استعداد. سنحدد الطريق، وسنرسل من يراقب المنطقة قبل وصولك. وإذا اتضح أن المهمة تتجاوز ما تستطيع التعامل معه، فسوف تنسحب.»
لم يعترض دارون، لكنه لم يقدم لها وعدًا بالانسحاب أيضًا.
لاحظت أوغستا ذلك، وتنهدت.
«كنت أتوقع هذا الرد.»
ثم التفتت إلى جينيفير، التي بقيت صامتة طوال الحديث، وقالت: «أما أنت، فأريدك أن تساعديني في ترتيب الاتصالات مع القادة. سنحتاج إلى إبقاء المدينة مستعدة لأي تطور.»
«بالطبع.»
كان جواب جينيفير سريعًا، لكن ذهنها لم يكن معهما تمامًا.
منذ أيام، أصبحت تلاحظ أن انتباهها ينجذب إلى دارون على نحو يصعب عليها تفسيره. في البداية، حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد فضول ناتج عن التجربة التي خاضتها معه، وأنها ترغب في فهم ما رأته داخل ذلك الفراغ الغريب. كان هذا تفسيرًا معقولًا، وربما كان كافيًا لو توقف الأمر عند مراقبته أو التفكير في قدرته.
لكنه لم يتوقف.
لقد بدأت تنتظر ظهوره في القاعات، وتلاحظ غيابه قبل أن تنتبه إلى غياب أي شخص آخر. أصبحت تتذكر تفاصيل صغيرة عنه دون قصد؛ طريقة إمالته رأسه حين يصغي إلى حديث لا يقتنع به، الصمت الذي يسبق إجاباته، ونظرته التي تبدو أحيانًا وكأنها تراقب شيئًا لا يستطيع الآخرون رؤيته.
والأكثر إزعاجًا أنها لم تعد ترغب في الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.
كانت تريد أن تعرف ما يفكر فيه، وما يشعر به، وما الذي يجعله يتخذ قراراته. أرادت أن تكون قريبة بما يكفي حتى لا تضطر إلى تخمين ما يدور في ذهنه.
لم يكن هذا فضولًا عاديًا، وكانت تعرف ذلك.
لكنها لم تكن تعرف كيف توقفه.
في مساء اليوم نفسه، وجدت جينيفير دارون في الممر المؤدي إلى الشرفة الغربية. كان قد أمضى معظم النهار في مراجعة المعلومات المتاحة عن كاستر، ثم خرج إلى الهواء الطلق بعدما شعر بأن كثرة التقارير والأسئلة لا تزيده إلا اضطرابًا.
ترددت جينيفير قبل أن تقترب منه.
كان بإمكانها العودة إلى عملها، وتأجيل الحديث إلى وقت آخر. لم يكن هناك سبب عملي يفرض عليها الذهاب إليه، ولم تكن تملك سؤالًا ضروريًا بشأن المهمة. ومع ذلك، وجدت قدميها تتحركان قبل أن تحسم قرارها في ذهنها.
«دارون.»
التفت إليها.
«جينيفير. هل هناك شيء؟»
«أريد التحدث معك بشأن رحلتك.»
انتظر أن تتابع، فاقتربت حتى وقفت إلى جانبه، ونظرت إلى المدينة بدلًا من النظر إليه مباشرة.
«لقد اتخذت قرارك، أليس كذلك؟»
«نعم.»
«ولا تنوي تغييره مهما قالت أوغستا.»
«لن يتغير.»
كان ينبغي أن تشعر بالضيق من بساطة جوابه. لكنه لم يكن يتعمد تجاهلها؛ بدا فقط وكأنه لا يرى في قراره شيئًا يحتاج إلى نقاش إضافي. ومع ذلك، وجدت نفسها تبتسم ابتسامة صغيرة، لأنها فضّلت صدقه المباشر على محاولة تهدئتها بكلمات لا يؤمن بها.
أخذت نفسًا هادئًا، ثم قالت: «أريد أن أرافقك.»
التفت دارون إليها هذه المرة بكامل جسده.
«لماذا؟»
كان السؤال مباشرًا، وربما قاسيًا قليلًا، لكنه لم يقصده بهذه الطريقة. أراد أن يعرف السبب، خصوصًا أن الرحلة قد تنتهي بمواجهة لا يمكن التنبؤ بنتيجتها.
أما جينيفير، فقد وجدت السؤال أصعب مما توقعت.
كان لديها عدد من الإجابات التي تبدو منطقية. يمكنها القول إنها تريد المساعدة، أو إن قدرتها قد تكون مفيدة في معرفة نوايا الأشخاص الذين سيواجهونهم. ويمكنها أن تذكر أن ذهاب شخصين أفضل من ذهاب شخص واحد في منطقة يسيطر عليها جيش معادٍ.
لكن كل هذه الأسباب كانت ناقصة.
الحقيقة أنها لم تكن تريد أن يذهب بعيدًا عنها.
لم تكن تعرف متى بدأ هذا الشعور بالتحديد، لكنها أدركت خلال الأيام الماضية أن فكرة رحيله أصبحت تزعجها أكثر مما ينبغي. كلما تخيلته يسافر إلى مكان قد لا يعود منه، شعرت بانقباض يضيق معه صدرها. وكانت الفكرة تزداد سوءًا حين تتخيل أنه قد يواجه خطرًا لا تعرف عنه شيئًا، بينما تبقى هي في المدينة تنتظر الأخبار.
لم تكن تريد أن تنتظر.
أرادت أن تكون هناك، أن تراه بعينيها، وأن تعرف بنفسها ما يحدث له.
قالت أخيرًا: «لأنني أستطيع مساعدتك، ولأنني لا أريد أن أتركك تواجه كاستر وحدك.»
«هذه ليست رحلة آمنة.»
«أعرف.»
«قد تجدين نفسك في موقف لا تستطيعين الخروج منه.»
«أعرف ذلك أيضًا.»
نظر إليها دارون طويلًا. لم يكن يشك في شجاعتها، لكنه لم يقتنع بأن هذا وحده يفسر إصرارها. كانت نبرتها هادئة، إلا أن شيئًا في عينيها بدا أكثر إلحاحًا من الكلمات التي اختارتها.
«هل فكرت في الأمر جيدًا؟» سألها.
أجابت فورًا: «نعم.»
كانت تلك أول كذبة صغيرة تقولها لنفسها قبل أن تقولها له. لم تكن قد فكرت في الأمر من جميع جوانبه، ولم تزن احتمالات الخطر كما اعتادت أن تفعل. لقد أرادت الذهاب، ثم بدأت تبحث عن الأسباب التي تجعل رغبتها مقبولة.
ومع ذلك، لم تكن تكذب بشأن أهم شيء.
لقد أرادت حقًا أن ترافقه.
قال دارون: «سأتحدث مع أوغستا بشأن الأمر. لن أرفض طلبك، لكنني لن أوافق قبل أن نعرف ما إذا كانت مرافقتك ستزيد المخاطر علينا.»
شعرت جينيفير براحة فورية، أكبر بكثير مما توقعت. لم يوافق بعد، ولم يعدها بشيء، ومع ذلك بدا لها مجرد احتمال أن تسافر معه كافيًا لتخفيف الضغط الذي استقر داخلها منذ أيام.
«شكرًا لك.»
قطب دارون حاجبيه قليلًا. «لم أوافق بعد.»
«أعرف.» ابتسمت. «لكنّك لم ترفض أيضًا.»
لم يجد ما يقوله، فصرف نظره نحو المدينة. أما جينيفير، فقد بقيت إلى جانبه، وأخذت تتحدث معه عن الطريق المحتمل، وعن المعلومات التي ينبغي جمعها قبل المغادرة. كانت أسئلتها في البداية عملية، ثم أخذت تنحرف شيئًا فشيئًا نحو أمور أخرى؛ كيف يرى كاستر، وما الذي يتوقعه من المواجهة، وما الذي سيفعله إن اكتشف أن الرجل يعرف شيئًا عن ماضيه.
لم تكن تحتاج إلى كل تلك الإجابات كي تستعد للمهمة، لكنها أرادت سماعها منه.
وكلما أجابها، وجدت نفسها ترغب في سؤال آخر.
كان وجوده يمنحها شعورًا غريبًا بالطمأنينة، كما لو أن العالم يصبح أكثر قابلية للفهم حين يكون قريبًا منها. لم يكن هذا الشعور قائمًا على ما يقوله لها، ولا على وعود يقدمها. بل كان مرتبطًا بوجوده نفسه، بحضوره الذي لم تعد قادرة على تجاهله.
وعندما انتهى الحديث، اكتشفت أنها لم تفكر في أي شيء آخر طوال الوقت الذي قضته معه.
حتى عملها، الذي كان ينتظرها في الداخل، لم يخطر ببالها إلا عندما تذكرت فجأة أنها تركت بعض التقارير دون مراجعة.
اعتذرت منه وغادرت، لكنها التفتت نحوه مرة أخرى قبل أن تدخل الممر.
كان لا يزال واقفًا في مكانه.
لم تعرف لماذا شعرت بالسعادة لمجرد رؤيته هناك.
في اليوم التالي، حاولت جينيفير استعادة روتينها المعتاد.
استيقظت في الوقت نفسه الذي اعتادت الاستيقاظ فيه، وراجعت التقارير التي تراكمت عليها، واجتمعت مع المسؤولين عن الاتصالات، ثم أمضت ساعات في ترتيب المعلومات التي ستحتاج إليها إذا وافقت أوغستا على سفرها مع دارون.
كان يومًا عاديًا، على الأقل في ظاهره.
لكنها لاحظت أن كل مهمة كانت تنجزها تتحول في ذهنها إلى سؤال واحد: هل سيساعدها ذلك على مرافقته؟ وهل ستجعلها المعلومات التي تجمعها أكثر فائدة له؟
حين وصلها تقرير عن تحركات كاستر، قرأته مرتين، لا لأنها لم تفهمه من المرة الأولى، بل لأنها أرادت التأكد من عدم وجود تفصيل قد يعرّض دارون للخطر. وحين طلب منها أحد المسؤولين مراجعة جدول الاتصالات، وافقت، ثم وجدت نفسها تفكر في الوقت الذي قد يحتاج إليه دارون للراحة قبل الرحلة.
لم يكن الأمر مجرد اهتمام بمهمة مشتركة. لقد بدأ مركز تفكيرها ينتقل، دون إذن منها، من حياتها الخاصة إلى شخص آخر.
وكان ذلك يخيفها.
في إحدى الاستراحات، جلست وحدها قرب نافذة صغيرة، ووضعت كوب الشاي أمامها دون أن تشرب منه. حاولت أن تستعيد أفكارها كما كانت قبل أيام، حين كان دارون بالنسبة إليها لغزًا مثيرًا للقلق، رجلًا أخفت قدرته شيئًا لم تستطع فهمه.
في ذلك الوقت، كانت رغبتها في الاقتراب منه نابعة من حاجتها إلى المعرفة. أرادت أن تعرف لماذا لم ترَ روحه، ولماذا وجدت نفسها أمام ذلك الفراغ الذي كاد يبتلع وعيها. كان الأمر تحديًا لقدرتها، وتهديدًا لصورتها عن العالم، وربما لسلامتها أيضًا.
لكن شيئًا ما تغير منذ ذلك الحين.
لم تعد تفكر فقط فيما يمكن أن تعرفه عنه، بل فيما يمكن أن تقدمه له. أصبحت تتساءل عما يحتاج إليه، وما إذا كان يشعر بالوحدة، وما إذا كانت فوضى أفكاره تزداد سوءًا. وعندما تتذكر نظراته الشاردة، لا تفكر في غرابته بقدر ما تفكر في مقدار ما قد يتحمله وحده.
كانت تريد أن تخفف عنه ذلك العبء.
لم يكن عليها أن تكون صاحبة الإجابات، ولم تكن بحاجة إلى أن يفهمها بالكامل. يكفي أن يسمح لها بالبقاء قريبة منه، وأن يمنحها فرصة لمساعدته.
بدت لها هذه الرغبة نبيلة، وربما كانت كذلك في جزء منها. لكن ما لم تستطع إنكاره هو أن راحتها أصبحت تعتمد على استجابته لها. عندما يتحدث معها، تشعر بأن كل شيء يعود إلى موضعه. وعندما ينشغل عنها، تجد نفسها تتساءل إن كانت قد قالت شيئًا أزعجه أو فعلت ما جعله يبتعد.
وهنا بدأ القلق الحقيقي.
لم تكن جينيفير معتادة على أن تتحدد حالتها النفسية وفق تصرفات شخص آخر. طوال حياتها، اعتمدت على نفسها، واعتادت أن تخفي نقاط ضعفها خلف عقل متزن وقدرة خطرة لا تسمح للآخرين بالاقتراب منها بسهولة. لم تكن تحتاج إلى موافقة أحد كي تتخذ قرارًا، ولم تكن تسمح للآخرين بتحديد قيمتها.
أما الآن، فقد وجدت نفسها تنتظر رأي دارون في أمور لم تكن تحتاج فيها إلى رأي أحد.
كانت تسأل نفسها: هل سيوافق على مرافقتي؟ هل يثق بي؟ هل يعتقد أن وجودي سيكون مفيدًا، أم أنه يوافق فقط لأنه لا يريد إحراجي؟
وكان كل سؤال يقود إلى سؤال آخر، حتى وجدت نفسها عاجزة عن التوقف.
وضعت يدها على جبينها، وأغمضت عينيها.
«ما الذي يحدث لي؟»
لم يكن هناك جواب.
وتلك كانت المشكلة التي لم تستطع تجاوزها: لم يكن لديها ما تقرؤه، ولا دليل يمكنها تحليله، ولا خصم تستطيع مواجهته كي تستعيد شعورها بالسيطرة.
لقد أمضت حياتها تتعامل مع مشاعر الآخرين كما لو كانت ألوانًا يمكنها رؤيتها من الخارج، لكن مشاعرها هي لم تكن يومًا واضحة بهذه الصورة. والآن، حين شعرت بشيء لا تستطيع فهمه، لم تجد طريقة سهلة للتراجع عنه.
كان بإمكانها الابتعاد عن دارون.
كانت تعرف ذلك.
كان بإمكانها أن تطلب من أوغستا إعفاءها من الرحلة، وأن تقضي الأيام التالية في مكان آخر، بعيدًا عن الرجل الذي بدأ يستحوذ على تفكيرها. ربما كان الابتعاد كافيًا ليهدأ هذا الشعور، وربما كانت تستطيع استعادة توازنها إذا منحت نفسها بعض الوقت.
لكنها لم تفعل.
لأن مجرد تخيل الابتعاد عنه كان يثير في داخلها حزنًا لا يتناسب مع قصر المدة التي عرفته فيها.
ولأنها، في أعماقها، لم تكن تريد أن تتخلص من هذا الشعور بقدر ما كانت تريد أن تجد تفسيرًا يسمح لها بالاحتفاظ به.
في المساء، التقت جينيفير بدارون في القاعة الجانبية. كان يراجع خريطة للمنطقة التي يتوقع أن تمر بها قوات كاستر، وقد وضع إلى جواره عدة تقارير عن الطرق الجبلية والقرى القريبة.
وقفت عند الباب للحظات، تراقبه قبل أن تنتبه إلى أنها تفعل ذلك مجددًا.
رفع رأسه.
«هل تحتاجين إلى شيء؟»
اقتربت وجلست على الكرسي المقابل له. «أردت أن أعرف إن كنت قد تحدثت مع أوغستا بشأن مرافقتي.»
«تحدثت معها هذا الصباح.»
حبست أنفاسها دون قصد. «وماذا قالت؟»
«قالت إنها لا تعترض على الفكرة من حيث المبدأ، لكنها تريد التأكد من أن وجودك لن يضعك في خطر لا داعي له. كما طلبت مني ألا أتعامل مع الرحلة وكأنها مواجهة شخصية بيني وبين كاستر.»
ابتسمت جينيفير. «هذا يشبهها.»
«ستحتاجين إلى الاستعداد جيدًا إذا وافقت نهائيًا. لن يكون لدينا وقت للعودة إذا حدث شيء غير متوقع.»
«سأكون مستعدة.»
لم تتردد في الإجابة، ثم مالت قليلًا نحو الخريطة.
«هل يمكنني رؤية الطريق الذي اخترته؟»
أدار دارون الخريطة نحوها، وبدأ يشرح لها المسارات المحتملة، والمناطق التي يمكن أن يختبئ فيها الجنود، والنقاط التي قد يستخدمها كاستر لإبطاء أي قوة تحاول اعتراضه. استمعت جينيفير باهتمام، وسألته عن بعض التفاصيل التي لم تكن واضحة لها.
لكنها لم تكن تركز على المعلومات وحدها.
كانت تراقب طريقته في التفكير، وكيف ينتقل من احتمال إلى آخر دون أن يتشبث بتفسير واحد. حتى حين يواجه نقصًا في المعلومات، لم يكن يحاول إخفاء جهله؛ كان يحدد ما يعرفه، ثم يبني حوله احتمالات يمكن اختبارها.
وجدت في ذلك شيئًا يجذبها أكثر.
لم يكن كاملًا، ولم يكن يعرف كل شيء، لكنه لم يتظاهر بذلك. وكان هذا مختلفًا عما اعتادت رؤيته لدى أصحاب السلطة والقوة، الذين يفضل كثير منهم أن يظهروا بمظهر العارف حتى عندما لا يملكون سوى التخمين.
قالت دون أن تنتبه إلى نبرة صوتها: «أثق بحكمك.»
توقف دارون عن الإشارة إلى الخريطة، ونظر إليها.
«لا ينبغي أن تثقي بحكمي إلى هذا الحد. أنا نفسي لا أعرف إن كنت أتخذ القرار الصحيح.»
«هذا لا يغير شيئًا.»
«بل يغير الكثير.»
هزت رأسها بهدوء. «أنت لا تدعي أنك تعرف ما لا تعرفه. وإذا كنت مخطئًا، فأنت مستعد للاعتراف بذلك. أعتقد أن هذا سبب كافٍ لأثق بك.»
لم يعرف دارون كيف يرد. لم يكن معتادًا على أن يضع أحد ثقته فيه بهذه البساطة، خصوصًا أنه لم يكن يعرف الكثير عن نفسه. لكنه لم يرغب في رفض كلماتها لمجرد أنه لا يفهم دوافعها.
«أتمنى ألا أكون سببًا في خيبة أملك»، قال أخيرًا.
شعرت جينيفير بوخزة خفيفة في صدرها.
لماذا قال ذلك؟
لماذا بدا لها أن مجرد احتمال خيبة أملها فيه أمر يستحق أن تفكر فيه؟
أرادت أن تقول له إنه لن يخيب أملها، وإنها ستبقى إلى جانبه حتى لو أخطأ، وإنها لا تحتاج منه إلى أن يكون شخصًا مختلفًا عما هو عليه. لكن الكلمات تجمعت في حلقها، ولم تستطع إخراجها. بدت لها أكبر من أن تقولها في جلسة عادية أمام خريطة وتقارير عسكرية.
فاكتفت بابتسامة هادئة.
«لن أحكم عليك من نتيجة واحدة.»
كانت تلك إجابة معقولة، لكنها لم تعكس حقيقة ما تشعر به. ففي أعماقها، بدأت تبني صورة لدارون لا تتوقف عند قدرته أو غرابة ماضيه. لقد أصبح بالنسبة إليها شخصًا تريد فهمه، ثم مساعدته، ثم البقاء إلى جانبه، حتى لو لم تستطع الوصول إلى كل ما يخفيه.
ومع مرور الوقت، أخذت هذه الرغبة تتجاوز حدودها الطبيعية.
لم تعد تريد فقط أن يعرفها دارون، بل أن يكون لها مكان في حياته لا يمكن أن يشغله شخص آخر بسهولة. لم تكن تفكر في ذلك بوضوح، ولم تكن تصوغ لنفسها خطة أو مطلبًا محددًا. كان الأمر أعمق من قرار واعٍ؛ إحساس يتشكل ببطء، ثم يعيد ترتيب أولوياتها من الداخل.
لقد بدأت تتخلى عن جزء من استقلالها النفسي، لا لأن دارون طلب منها ذلك، بل لأنها وجدت في التعلق به راحة لم تكن تعرف أنها تبحث عنها.
كان يكفي أن تكون قريبة منه كي تشعر بأن العالم أقل اضطرابًا.
وكان يكفي أن يطلب منها شيئًا كي تشعر بأن وجودها له معنى.
أما حين لا يكون حاضرًا، فتعود الأسئلة والشكوك، ويصبح ذهنها منشغلًا به حتى وهي تحاول أداء أبسط مهامها.
لم تكن تعرف إن كان ذلك حبًا، أو افتتانًا، أو أثرًا غامضًا تركته التجربة التي خاضتها معه. ولم تكن تعرف إن كان في الأمر شيء غير طبيعي، أم أن عقلها يحاول إيجاد مركز ثابت وسط اضطراب لم تفهمه.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: لم تعد راغبة في مقاومة انجذابها إليه كما فعلت في البداية.
لقد سئمت من محاكمة كل شعور، ومن محاولة إقناع نفسها بأن الاقتراب منه مجرد فضول علمي. لم تعد تريد أن تتظاهر بأن الأمر لا يعنيها.
لذلك، عندما نهض دارون ليغادر القاعة، نهضت معه دون تفكير.
نظر إليها باستغراب. «ألن تكملي عملك؟»
«لاحقًا.»
«لكنّك قلتِ إن لديك تقارير يجب إنهاؤها.»
«يمكنها الانتظار.»
كانت تعرف أن هذا ليس تصرفًا عمليًا، وأنها لو كانت تفكر بصفاء لجلست وأكملت ما بدأته. لكنها لم ترغب في العودة إلى غرفتها الآن. أرادت أن تمشي معه قليلًا، حتى لو لم يكن لديهما ما يتحدثان عنه.
سارا في الممر، وتبادلا حديثًا قصيرًا عن الرحلة والاستعدادات. وحين وصلا إلى مفترق الطرق، توقف دارون.
«عليّ الذهاب إلى أوغستا. أريد أن أراجع معها بعض التفاصيل.»
أومأت جينيفير، وحاولت ألا يظهر على وجهها أي خيبة.
«بالطبع. سأراك لاحقًا.»
غادر، وبقيت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه للحظات أطول مما ينبغي.
ثم أدركت أنها كانت تنتظر أن يطلب منها البقاء، أو أن يسألها إن كانت تريد مرافقته إلى الاجتماع. لم يكن هناك سبب منطقي يجعلها تتوقع ذلك، ومع ذلك شعرت بخيبة صغيرة حين لم يفعل.
أغمضت عينيها، وضحكت بخفوت على نفسها.
«هذا سخيف.»
لكنها لم تكن تضحك لأنها تخلصت من الشعور، بل لأنها بدأت تدرك مدى قوته.
كانت جينيفير تعرف أنها لا تستطيع إجبار دارون على مبادلتها ما تشعر به، ولا تملك الحق في أن تطلب منه أن يمنحها المكان الذي تتمنى أن تحتله في حياته. لم يكن قد وعدها بشيء، ولم يكن مسؤولًا عن الاضطراب الذي يتشكل داخلها.
ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من الرغبة في أن تصبح أقرب إليه.
لم تكن تريد أن تسيطر عليه، ولم تكن تفكر في امتلاكه كما يمتلك المرء شيئًا ماديًا. كانت رغبتها أكثر هدوءًا، لكنها لم تكن أقل خطورة: أرادت أن تجعل وجودها جزءًا من يومه، وأن تكون الشخص الذي يلجأ إليه حين تضطرب أفكاره، وأن يثق بها بما يكفي ليكشف لها ما لا يستطيع قوله للآخرين.
وبمرور الوقت، بدأت رغبتها في مساعدته تختلط بحاجة متزايدة إلى أن تكون مهمة بالنسبة إليه.
لم تعد تسأل نفسها فقط عما يمكن أن تفعله من أجله، بل بدأت تتساءل إن كان سيلاحظ غيابها، وإن كان سيفتقد حديثها، وإن كان سيختار وجودها عندما يكون أمامه خيار آخر.
كانت تلك الأسئلة تكشف لها جانبًا من نفسها لم تكن ترغب في رؤيته.
لقد اعتادت أن تكون صاحبة القرار، وأن تحافظ على مسافة بينها وبين الآخرين تكفي لحماية استقلالها. أما الآن، فقد أصبحت مستعدة للتنازل عن جزء من تلك المسافة، ثم جزء آخر، دون أن تطلب شيئًا واضحًا في المقابل.
وكانت تخشى أن يأتي يوم تكتشف فيه أنها تنازلت عن أكثر مما تستطيع استعادته.
لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن تريد العودة إلى ما كانت عليه قبل أن تعرف دارون.
في صباح اليوم الثالث، حصلت أوغستا على معلومات إضافية عن الطريق الذي تسلكه قوات كاستر. وبعد مراجعتها مع القادة، وافقت على مرافقة جينيفير لدارون، شريطة أن يلتزما بالخطة المتفق عليها وألا يندفعا إلى مواجهة مباشرة دون معرفة موقف قوات كاستر.
حين وصل الخبر إلى جينيفير، شعرت بارتياح عميق لم تحاول إخفاءه.
كان بإمكانها أخيرًا الذهاب معه.
وبدأت الاستعدادات، وأمضت الساعات التالية في جمع ما تحتاج إليه من معدات ومعلومات. لم تكن مهملة في عملها، بل على العكس، أصبحت أكثر دقة في مراجعة التفاصيل التي قد تؤثر في سلامتهما. غير أن كل شيء كانت تفعله أصبح مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، برحلتها مع دارون.
اختارت الطريق الذي يتيح لهما أكبر قدر من المرونة، وراجعت نقاط التوقف، وتأكدت من وجود بدائل إذا أُغلقت الطرق الرئيسية. وحين اكتشفت نقصًا في إحدى الخرائط، بحثت عن نسخة أخرى حتى وجدتها.
كانت تعمل بكفاءة، لكن عقلها لم يعد يتركها تنسى سبب كل ذلك.
إنها ستذهب معه.
ستكون هناك عندما يواجه كاستر.
ولن تضطر إلى البقاء في المدينة، عاجزة عن معرفة ما يحدث له.
كانت تلك الفكرة وحدها تمنحها شعورًا بالرضا، حتى إنها لم تنتبه إلى مرور الوقت إلا عندما جاء دارون ليتأكد من استعدادها.
«يبدو أنك أخذتِ الأمر بجدية كبيرة.»
رفعت رأسها إليه. «هل تظن أنني لن أكون مستعدة؟»
«لم أقل ذلك. لكنك جمعتِ معلومات أكثر مما توقعت.»
«أريد أن أتأكد من أننا لن نضطر إلى اتخاذ قرارات عشوائية في الطريق.»
أومأ دارون بإعجاب خفيف. «هذا جيد. سأراجعها الليلة.»
ناولته الأوراق، لكن أصابعها ترددت للحظة قبل أن تتركها. لم تكن تريد أن تنتهي المحادثة بهذه السرعة، ولم تكن تعرف كيف تطيلها دون أن يبدو الأمر مفتعلًا.
ثم قال دارون: «أقدر مساعدتك يا جينيفير.»
كانت جملة عادية، قالها بصدق وهدوء، لكنه لم يكن يعلم ما فعلته بها.
شعرت بدفء ينتشر في صدرها، وكأن الكلمات البسيطة منحتها تأكيدًا كانت تنتظره منذ أيام. لم تكن تحتاج إلى مديح كبير، ولا إلى وعد بأن تكون قريبة منه. لقد أرادت فقط أن تعرف أن ما تفعله يصل إليه، وأن وجودها ليس عبئًا عليه.
ابتسمت، وهذه المرة لم تحاول إخفاء سعادتها.
«أنا سعيدة لأنني أستطيع مساعدتك.»
نظر إليها دارون للحظة، ثم حمل الأوراق وغادر.
وبمجرد أن اختفى، بقيت جينيفير واقفة في مكانها، تستعيد عبارته في ذهنها.
أقدر مساعدتك.
كان ينبغي أن تكون تلك الكلمات نهاية الأمر. لكن عقلها أخذ يعيدها، ويمنحها معنى أكبر في كل مرة. بدأت تتخيل الرحلة، والحديث الذي قد يجمعهما، واللحظات التي قد يحتاج فيها إليها. ثم انتبهت إلى أنها لم تعد تفكر في كاستر بالقدر الذي ينبغي، رغم أن الرجل كان سبب الرحلة كلها.
لقد أصبح دارون هو المحور الذي تدور حوله بقية التفاصيل.
الخطر، والطريق، والاستعدادات، وحتى مستقبلها القريب؛ كلها أصبحت مرتبطة بالسؤال نفسه: كيف ستكون إلى جانبه؟
جلست ببطء، ووضعت يديها على ركبتيها.
كان في داخلها شعور عميق بالطمأنينة، لكنه لم يكن طمأنينة خالصة. فقد امتزجت به رغبة في الاقتراب، وخوف من الرفض، وقلق من أن يكون كل ما تشعر به نابعًا من شيء لا تفهمه. كانت تعرف أنها تتغير، وأن هذا التغير لا يحدث وفق إرادتها وحدها، لكنها لم تكن تعرف إن كان سيبادلها يومًا هذه المكانة.
لكنها لم تعد تحتاج إلى إجابة الآن.
كان يكفيها أن تذهب معه.
ولم تدرك جينيفير بعد أن أخطر ما في تعلقها لم يكن مقدار ما شعرت به تجاه دارون، بل السرعة التي بدأت بها تقيس عالمها كله من خلاله