الفصل 328 - الوعد الذي لم يُنسَ
ظل دارون جالسًا على حافة السرير، يحدق في الفراغ أمامه بينما كان صدره يرتفع وينخفض بعنف. احتاج إلى وقت قبل أن يستوعب أنه لم يعد داخل ذلك العالم الغريب، وأن الجدران الحجرية المحيطة به ليست جزءًا من الحلم، وأن الصمت الذي يسمعه الآن لا يخفي وراءه شيئًا ينتظر ابتلاعه.
مرر يده على وجهه، ثم أغمض عينيه محاولًا استعادة أنفاسه الطبيعية. لم يكن الخوف الذي شعر به مجرد ردة فعل تجاه كابوس مرعب؛ لقد كان أقرب إلى إحساس غريزي بأن شيئًا ما اقترب منه أكثر مما ينبغي، وأن استيقاظه لم يكن بالضرورة نهاية لذلك الشيء.
حاول استرجاع الحلم.
ظهرت في ذهنه صور متقطعة، كأن أحدهم محا معظمها وترك وراءه بقايا متناثرة لا يمكن جمعها. بوابة سوداء، مدينة غريبة، أشخاص بلا وجوه، سبعة أضواء بعيدة… كلما حاول التركيز على إحدى تلك الصور، تلاشت قبل أن يتمكن من الإمساك بها. لم يبقَ منها سوى فراغ مزعج، وإحساس بأنه نسي شيئًا بالغ الأهمية.
ضغط على صدغيه بأصابعه، وأجبر نفسه على التوقف عن المحاولة. كان يعلم أن الإلحاح لن يفيده، لكنه لم يستطع منع نفسه من البحث عن شيء واحد، أي شيء، يثبت أن ما رآه لم يكن مجرد حلم عابر.
ثم عادت صورتها إلى ذهنه.
فتاة طويلة على نحو غير طبيعي، بشعر أبيض ناصع وبشرة شديدة الشحوب، تضحك في حديقة وكأن العالم لم يعرف الحزن يومًا. لم يتذكر وجهها، بل لم يستطع حتى الجزم إن كان قد رأى وجهها أصلًا، ومع ذلك بقي إحساس غريب يربطه بها. لم تكن صورتها مخيفة، ولم يشعر منها بالخطر. على العكس، كان في ضحكتها شيء مريح، شيء جعله يشعر بأنه يعرفها منذ زمن بعيد، رغم عجزه عن تذكر أي لقاء جمعهما.
«من أنتِ؟»
خرج السؤال من فمه بصوت خافت، ولم يجبه سوى الصمت.
حاول استعادة كلماتها، لكنه لم ينجح إلا في تذكر أجزاء متفرقة، بعضها بدا بلا معنى. غير أن ثلاثة أشياء ظلت واضحة في ذهنه على نحو أزعجه: الفتاة، واسم إدوارد نيلسون، وعبارة واحدة تكررت في أعماق ذاكرته كأنها آخر ما تبقى من عالم كامل.
تجاوز النسيان.
لم يعرف لماذا بدت العبارة مألوفة إلى هذا الحد، ولا لماذا شعر بانقباض في صدره كلما كررها داخليًا. كانت أشبه بوعد قديم نسي صاحبه السبب الذي دفعه إلى قطعه، لكنه ظل يحمل ثقله رغم ذلك.
رفع رأسه أخيرًا، ونظر نحو النافذة.
كان ضوء الصباح قد تسلل عبر الستائر، ورسم خطوطًا باهتة على الأرضية. لم يعد الليل موجودًا، وقد مر وقت أطول مما ظن منذ استيقظ من نومه.
تنهد دارون ونهض عن السرير. غسل وجهه بالماء البارد، وارتدى ملابسه، ثم وقف أمام المرآة للحظات. بدا وجهه طبيعيًا، ولم تظهر عليه أي علامة تدل على الاضطراب الذي اجتاحه قبل قليل. ومع ذلك، لم يستطع التخلص من الشعور بأن شيئًا في داخله قد اختل.
كان عقله في حالة فوضى هائلة.
لم تكن المشكلة في الحلم وحده، بل في تراكم الأسئلة التي لم يجد لها إجابة منذ فقد ذاكرته. قدراته التي لا يفهم مصدرها، ذكرياته التي لا تعود إلا في ومضات مشوشة، والفراغ الذي رأته جينيفير عندما حاولت قراءة روحه. كل ذلك كان يتراكم في ذهنه دون أن يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.
وللمرة الأولى منذ استيقظ في تلك السهول الخضراء، شعر بأن عقله نفسه بدأ يعجز عن تحمل هذا الكم من المجهول.
ومع ذلك، لم يكن من طبعه أن يظل حبيس غرفته بسبب حلم لا يستطيع تفسيره.
غادرها متجهًا إلى القاعة الرئيسية.
كانت أوغستا تجلس إلى طاولة طويلة قرب إحدى النوافذ، وأمامها مجموعة من التقارير التي بدت وكأنها لا تنتهي. جلست جينيفير إلى جانبها، تقلب صفحات وثيقة بينما تستمع إلى حديثها بنصف انتباه. وحين دخل دارون، رفعت أوغستا رأسها ورحبت به بإيماءة هادئة.
«صباح الخير. يبدو أنك لم تنم جيدًا.»
توقف دارون لحظة قبل أن يسحب كرسيًا ويجلس قبالتهما.
«هل يبدو الأمر واضحًا إلى هذه الدرجة؟»
«ليس تمامًا.» ابتسمت أوغستا ابتسامة خفيفة. «لكنني بدأت أميز الفرق بين وجهك عندما تكون منشغلًا بالتفكير، ووجهك عندما تحاول إخفاء أنك لم تنم.»
قالت ذلك بنبرة عفوية، لكن دارون لم يجد ما يرد به. اكتفى بإلقاء نظرة على التقارير المنتشرة أمامها، فاستغلت أوغستا الفرصة لتغيير الموضوع.
«وصلني خبر هذا الصباح. فولك يستعد للمجيء إلى المدينة المقدسة من أجل التفاوض.»
رفع دارون عينيه نحوها. «فولك بنفسه؟»
«نعم. يبدو أن ما حدث في الحرب غيّر حساباته. سقوط فيلمونت وانتهاء القتال يفتحان المجال أمامه للتحرك بحرية أكبر، وهو ليس من النوع الذي ينتظر حتى تستقر الأمور من تلقاء نفسها.»
تدخلت جينيفير قائلة: «من المرجح أنه يريد التفاوض بشأن التجارة وإعادة بناء المدن. الإمبراطورية تحتاج إلى المال والمواد الخام، وهو يملك شبكة تجارية قادرة على توفير الاثنين. لكنه لن يقدم شيئًا دون أن يحصل على مقابل.»
«هذا متوقع منه»، قالت أوغستا. «فولك لا يتبرع بالموارد، بل يستثمرها. والسؤال الحقيقي هو ما الذي يراه في المدينة المقدسة حتى يقرر الحضور بنفسه.»
أراح دارون ظهره إلى الكرسي، وأخذ يفكر في الأمر. كان يعرف أن فولك لا يتحرك بدافع الفضول، وأن كل خطوة يتخذها تحمل هدفًا يتجاوز ظاهرها. قد تكون الحرب انتهت رسميًا، لكن الفراغ الذي تركته سيجذب كل من يملك الطموح والموارد والنفوذ.
«هل حدد موعد وصوله؟» سأل.
«ليس بعد. أرسل رسالة يخبرنا فيها بأنه قادم، وسنحصل على الموعد الدقيق عندما يقترب من المدينة. أريدك أن تكون حاضرًا عندما نلتقي به، إن لم تكن لديك اعتراضات.»
«لا أرى سببًا للاعتراض.»
كان جوابه طبيعيًا، إلا أن جينيفير وجدت نفسها تراقبه منذ اللحظة التي دخل فيها القاعة. حاولت العودة إلى الوثيقة التي بين يديها، لكنها لم تستطع التركيز على سطر واحد. كان انتباهها يعود إليه تلقائيًا، وكأن وجوده في المكان يفرض عليها أن تتأكد من بقائه في مجال رؤيتها.
في البداية، ظنت أنها لا تزال متأثرة بما حدث عندما استخدمت قدرتها عليه. كانت التجربة مخيفة بما يكفي لتترك أثرًا في ذاكرتها، وربما أصبح عقلها يربط وجوده بذلك الخطر الذي شعرت به. كان هذا تفسيرًا منطقيًا، أو هكذا حاولت إقناع نفسها.
لكن الأمر لم يكن منطقيًا تمامًا.
عندما نهض دارون ليصب لنفسه الماء، وجدت جينيفير نفسها تتابع حركته بعينيها. وحين عاد وجلس، شعرت براحة غريبة لم تستطع تفسيرها. لم يكن مجرد ارتياح لعودة شخص تعرفه إلى مكانه، بل إحساس أكثر عمقًا، كأن شيئًا داخلها يهدأ بمجرد أن تتأكد من وجوده بالقرب منها.
عبست دون وعي.
لاحظت أوغستا تغير تعبيرها، فسألتها: «هل هناك ما يزعجك؟»
«لا… لا شيء.»
عادت جينيفير إلى أوراقها، ثم أدركت بعد لحظات أنها لا تتذكر ما كانت تقرؤه. نظرت إلى الصفحة، وأجبرت نفسها على متابعة الكلمات، لكن ذهنها انصرف مجددًا إلى دارون.
لماذا كانت تراقبه هكذا؟
لم تكن خائفة منه. لو كان الخوف هو السبب، لابتعدت عنه، أو على الأقل لحاولت تجنب البقاء في المكان نفسه معه. لكن ما يحدث كان عكس ذلك تمامًا؛ كانت تجد نفسها راغبة في الاقتراب، في سماع رأيه، وفي معرفة ما يدور في ذهنه، حتى عندما لا يكون للحديث أي علاقة بها.
والأسوأ أنها لم تشعر بأن هذا الميل غريب بما يكفي لمقاومته في البداية. كان يبدو طبيعيًا، وكأنها هي من اختارته بإرادتها، ولم تنتبه إلى غرابته إلا عندما بدأت تلاحظ تكراره.
رفعت عينيها نحوه مرة أخرى.
كان دارون يستمع إلى أوغستا، لكنه بدا شاردًا على نحو لا يشبهه. لم يكن ينظر إلى شيء بعينه، ولم يكن تعبيره يدل على أنه يفكر في موضوع الحديث. للحظة، شعرت جينيفير برغبة في سؤاله عما حدث له، وفي معرفة سبب ذلك الشرود، لكنها ترددت.
ثم سبقها دارون بالكلام.
«جينيفير، هل أنت بخير؟»
انتفضت قليلًا في مقعدها، وكأنها لم تتوقع أن يخاطبها.
«أنا؟ نعم، بالطبع. لماذا تسأل؟»
«لأنك تنظرين إليّ منذ عدة دقائق.»
ساد الصمت لحظة.
نظرت جينيفير إلى أوغستا، ثم عادت إليه. «كنت أفكر في التجربة السابقة، لا أكثر.»
«التجربة التي حاولتِ فيها قراءة روحي؟»
«نعم.»
لم يكن هناك ما يدعوها إلى الكذب بشأن ذلك، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بأنها لم تستطع تفسير ما يحدث لها منذ ذلك الحين. لم تكن تملك دليلًا يربط انجذابها الغريب إليه بما رأته في أعماقه، بل لم تكن متأكدة حتى من أن ما رأته كان جزءًا من روحه أصلًا.
قالت أخيرًا: «أريد أن أسألك عن شيء، لكنني لست متأكدة إن كان السؤال مناسبًا.»
«اسألي.»
ترددت قليلًا، ثم قالت: «هل شعرت بأي شيء غير مألوف بعد تلك التجربة؟»
فكر دارون للحظات. كان بإمكانه إخبارها بالحلم، لكنه لم يكن يعرف إن كان ما رآه يستحق أن يتحدث عنه. لم يتذكر منه سوى شذرات لا تكفي لبناء تفسير، ولم يكن يرغب في تحويل صور مشوشة إلى حقائق لمجرد أنها بدت مهمة.
«لا شيء أستطيع الجزم به»، أجاب. «استيقظت هذا الصباح وأنا أشعر بأنني نسيت شيئًا، لكن هذا ليس جديدًا عليّ.»
انخفضت عينا جينيفير قليلًا. «أفهم.»
لم تكن تفهم في الحقيقة، لكنها لم ترغب في الضغط عليه.
أما دارون، فقد عاد إلى شروده فور انتهاء الحديث. لم يكن ما قاله كذبًا، لكنه لم يكن الحقيقة كاملة أيضًا. لقد شعر بشيء غير مألوف، وكان ذلك الشعور يزداد كلما حاول تذكر الحلم. بدت له الكلمات التي سمعها في نومه وكأنها تدور في مكان بعيد من عقله، لا يستطيع الوصول إليها، لكنها لا تتوقف عن التأثير فيه.
تجاوز النسيان.
لماذا شعر أن العبارة موجهة إليه تحديدًا؟
ولماذا بدا اسم إدوارد نيلسون أثقل من مجرد اسم سمعه في حلم؟
حاول أن يترك السؤال جانبًا، لكن عقله عاد إليه مرة بعد أخرى. كان الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بخيوط متشابكة؛ كلما سحب خيطًا، تحركت عشرات الخيوط الأخرى، وازدادت العقد تعقيدًا.
لم يلاحظ أن أصابعه كانت تضغط على حافة الكرسي بقوة حتى آلمته.
«دارون؟»
رفع رأسه فجأة. كانت أوغستا تنظر إليه بقلق.
«هل أنت متعب؟»
ترك حافة الكرسي وأرخى يده. «قليلًا. لم أحصل على نوم كافٍ.»
لم تقتنع أوغستا تمامًا، لكنها لم تضغط عليه. أخبرتهما أن أمامهما يومًا مزدحمًا، ثم عادت إلى مناقشة الترتيبات اللازمة لاستقبال فولك. حاول دارون المشاركة في الحديث، إلا أن أفكاره ظلت تتسلل بعيدًا عنه، وتعود إلى ذلك الفراغ الذي لم يستطع تذكره.
وبينما كان يتحدث، وجد نفسه ينسى أحيانًا ما أراد قوله قبل لحظات، أو يحدق في نقطة ثابتة من دون أن ينتبه إلى مرور الوقت. لم يكن الأمر فقدانًا للوعي، بل اضطرابًا متزايدًا في قدرته على ترتيب أفكاره. كان عقله يعمل أكثر مما ينبغي، يحاول تحليل كل ذكرى ناقصة وكل إحساس غامض، حتى صار التفكير نفسه عبئًا لا يستطيع التخلص منه.
أما جينيفير، فكانت تراقبه بصمت.
لم تستطع أن تتجاهل شعورها بأن ما يحدث له ليس مجرد إرهاق. وكان في داخلها صوت يطالبها بالبقاء بالقرب منه، لا بدافع الفضول وحده، بل برغبة غريبة في التأكد من أنه بخير. حاولت مقاومة ذلك الشعور، لكنها وجدت نفسها، كلما ابتعدت عنه قليلًا، تعود لتسأل أوغستا سؤالًا يتعلق به، أو تبحث عن سبب يسمح لها بالبقاء في القاعة.
لم يكن ذلك من طبيعتها.
وكانت تعرفه جيدًا بما يكفي لتدرك أن شيئًا ما قد تغير.
لكنها لم تعرف ما هو.
مر النهار ببطء، وانشغلت أوغستا بالرسائل والتقارير التي وصلت من مختلف أنحاء الإمبراطورية. كانت نهاية الحرب قد وضعت على عاتقها مسؤوليات جديدة؛ فإعادة ترتيب السلطة، ومعالجة آثار القتال، ومنع اندلاع صراعات أخرى، كلها أمور لا تقل صعوبة عن خوض الحرب نفسها.
أما دارون، فقد حاول الابتعاد قليلًا عن الضوضاء. خرج إلى إحدى الشرفات المطلة على المدينة المقدسة، ووقف يتأمل الشوارع الممتدة أسفل منه. كانت المدينة تستعيد نشاطها تدريجيًا، والباعة يفتحون متاجرهم، والجنود يتنقلون بين الساحات، والعمال يصلحون الأجزاء المتضررة من المباني. بدا العالم من الخارج وكأنه يواصل حياته دون أن يهتم بما يحدث داخل رأسه.
أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.
كان يحتاج إلى الهدوء، لا إلى إجابات فورية. ربما كان الحلم مجرد نتيجة للإرهاق، وربما كانت الأسماء والصور التي علق بها عقله أشياء لا معنى لها. لم يكن مضطرًا إلى تحويل كل إحساس غامض إلى لغز جديد.
لكن حين حاول إبعاد أفكاره، عادت العبارة ذاتها.
تجاوز النسيان.
فتح عينيه بسرعة، ثم وضع يده على صدره. لم يكن الألم جسديًا، بل شعورًا بالضغط، كما لو أن عقله يرفض أن يترك تلك الكلمات تمر دون أن يتوقف عندها.
«ما الذي تحاول تذكيري به؟»
لم يكن هناك من يجيبه.
ولم يكن يعلم إن كان يخاطب الحلم، أم ذاكرته المفقودة، أم شيئًا لم يكن مستعدًا بعد لمعرفته.
مع اقتراب نهاية اليوم، تغيرت الأجواء داخل المقر.
دخل أحد الحراس القاعة بخطوات سريعة، وعلى وجهه علامات توتر واضحة. كان يحمل رسالة مختومة، لكنه لم ينتظر حتى يصل إلى الطاولة قبل أن يتحدث.
«سيدتي أوغستا، وصلتنا أنباء عاجلة من الجبهة.»
رفعت أوغستا رأسها فورًا، وأبعدت الأوراق التي أمامها.
«تحدث.»
ابتلع الحارس ريقه، ثم قال: «كاستر تحرك بقواته. المعلومات التي وصلتنا تؤكد أنه يتجه نحو المدينة المقدسة.»
تغيرت ملامح أوغستا، واختفت من وجهها آثار التعب التي لازمتها طوال النهار. مدت يدها إلى الرسالة، وفتحتها بسرعة، ثم قرأت محتواها في صمت. كلما تقدمت في القراءة، ازداد وجهها جدية.
وقفت جينيفير من مقعدها.
«لماذا يتجه إلى هنا؟ هل هناك ما يشير إلى أنه يريد التفاوض؟»
لم تجب أوغستا فورًا. أعادت قراءة السطور الأخيرة، ثم وضعت الرسالة على الطاولة.
«ليس هناك مجال كبير لسوء الفهم. كاستر لا يحشد قواته من أجل التفاوض، وقد وصلت إلى مصادرنا معلومات تفيد بأنه أعلن نيته قتلي.»
ساد صمت ثقيل.
كان اسم كاستر وحده كافيًا ليعيد إلى الأذهان ما ارتبط به من دماء وخيانات. لم يكن رجلًا يتراجع بسهولة عن قرار اتخذه، ولا من النوع الذي يرسل جيشًا إلى مكان ما دون أن يكون مستعدًا لتحمل عواقب ذلك.
قالت جينيفير بحدة: «إذًا علينا أن نرفع مستوى الاستعداد فورًا. إذا كان هدفه الوصول إليك، فلا يمكننا السماح له باختيار مكان المعركة وتوقيتها.»
«سأصدر الأوامر بعد أن نعرف حجم قواته ومسار تحركه»، أجابت أوغستا. «لا أريد أن نندفع خلف معلومات ناقصة. لكننا لن ننتظر حتى يصل إلى أبواب المدينة.»
بدأت تتحدث عن إرسال كشافة إضافيين، وتعزيز نقاط المراقبة، واستدعاء القادة المسؤولين عن الدفاع. كانت كلماتها هادئة، إلا أن الجميع أدرك أن الوضع لم يعد مجرد تهديد بعيد. بعد انتهاء الحرب، لم يكن أحد يتوقع أن يضطروا إلى الاستعداد لمعركة جديدة بهذه السرعة.
كان دارون يقف على مسافة قصيرة من الطاولة، صامتًا منذ وصول الرسالة.
استمع إلى اسم كاستر، ثم إلى الخبر الذي يؤكد أنه يتجه نحو المدينة المقدسة لقتل أوغستا. للحظات، بدا وكأنه لم يسمع شيئًا آخر. اختفت من ذهنه الفوضى التي لازمته طوال اليوم، وحل محلها إحساس حاد، واضح، كأن فكرة واحدة شقت طريقها وسط كل ذلك التشوش.
كاستر.
القلادة.
أرين.
تصلبت ملامح دارون، بينما بدأت ذكرى بعيدة تتحرك في أعماقه. لم تكن صورة كاملة، ولا مشهدًا واضحًا يستطيع استعادته متى شاء. كانت مجرد إحساس مرتبط باسم أرين، ووعد قطعه له في وقت لم يعد يتذكره.
لقد وعده أن يسلم القلادة إلى كاستر.
لم يكن يعرف لماذا طلب أرين منه ذلك، ولا ما الذي تعنيه القلادة، ولا لماذا كان عليه أن يسلمها إلى رجل يهدد الآن حياة أوغستا. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا في ذهنه: لم يكن ذلك الوعد تفصيلًا يمكنه تجاهله لمجرد أن الظروف تغيرت.
رفع دارون عينيه نحو أوغستا.
كانت تستمع إلى أحد القادة وهو يقترح إرسال قوة لاعتراض كاستر قبل أن يصل إلى محيط المدينة. لم يكن هناك خوف في صوتها، لكنها كانت تدرك حجم الخطر. وإذا كان كاستر مصممًا على قتلها، فلن يكون من الحكمة التعامل مع تحركه كأنه مجرد مناورة سياسية.
في تلك اللحظة، تحرك دارون إلى الأمام.
رفع يده، قاطعًا الحديث الدائر حول الطاولة.
التفت الجميع إليه، حتى أوغستا توقفت عن الكلام ونظرت إليه باستغراب.
قال دارون بهدوء: «سأهتم بكاستر.»
لم يرفع صوته، ولم يحاول إظهار الحماسة أو التحدي. خرجت الكلمات منه بسيطة وحاسمة، كأنه أعلن أمرًا حُسم بالفعل.
ضيقت أوغستا عينيها قليلًا.
«دارون، هل تدرك ما تقوله؟ كاستر ليس خصمًا يمكننا الاستهانة به، ولا أريدك أن تتخذ قرارًا متسرعًا لأنك تعتقد أن عليك إثبات شيء ما.»
«أنا لا أحاول إثبات شيء.»
«إذًا ما السبب؟»
صمت دارون لثوانٍ.
لم يستطع أن يخبرها بالحقيقة كاملة؛ فهو نفسه لم يكن يملك سوى شظايا منها. لم يكن يعرف إن كان وعده لأرين مرتبطًا بما يحدث الآن، أو إن كان تسليم القلادة إلى كاستر سيغير شيئًا في هذه الأزمة. لكنه لم يكن قادرًا على التظاهر بأن ذلك الوعد لا يعنيه.
قال أخيرًا: «هناك أمر يجب أن أفعله معه. لا أعرف بعد كيف سأفعله، لكنني لن أتركه ينتهي قبل أن أواجهه.»
راقبته أوغستا طويلًا، محاولة فهم ما وراء كلماته. لم يكن هذا هو دارون الذي تحدث معها في الصباح عن زيارة فولك، ولا الرجل الذي بدا طوال اليوم غارقًا في أفكاره. لقد تغير شيء في نظرته، وإن لم يكن بوسعها تحديد ماهيته.
أما جينيفير، فقد وجدت نفسها تتقدم خطوة نحوه دون أن تفكر في الأمر. توقفت حين انتبهت إلى حركتها، ونظرت إلى يدها كما لو أنها فوجئت بما فعلته. كانت تريد أن تطلب منه ألا يذهب وحده، وأن تخبره بأنها سترافقه إن لزم الأمر، لكنها لم تفهم لماذا بدت لها فكرة بقائه سالمًا أهم من أي شيء آخر في تلك اللحظة.
شدت أصابعها، وأجبرت نفسها على البقاء مكانها.
قالت أوغستا بعد صمت: «لن أتخذ قرارًا بشأن إرسال أحد قبل أن نعرف المزيد. وإذا كنت مصرًا على مواجهة كاستر، فسنناقش الأمر عندما تتضح المعلومات. لن أسمح لك بالذهاب وحدك إلى معركة لا نعرف عنها شيئًا.»
أومأ دارون، لكنه لم يتراجع عن موقفه.
كان عقله لا يزال فوضويًا، والحلم لا يزال يترك أثره في أعماقه، واسم إدوارد نيلسون لا يزال يطفو في مكان ما من ذاكرته. ومع ذلك، وسط كل تلك الأسئلة التي لم يستطع الإجابة عنها، كان هناك شيء واحد لم يتبدل.
وعد أرين.
ربما نسي دارون الكثير من حياته، وربما كان ماضيه يخفي حقائق لا يستطيع حتى تخيلها، لكنه لم يكن مستعدًا لأن يسمح للنسيان بأن يمحو كل ما تبقى منه.
لم يكن يعرف لماذا كان عليه أن يسلم القلادة إلى كاستر، لكنه سيعرف ذلك عندما يواجهه.
أو على الأقل، كان عليه أن يحاول.