الفصل 327 - ما وراء النسيان
كانت السماء بلا شمس، ومع ذلك لم يكن الليل قد حل.
وقف دارون وسط سهل أبيض يمتد إلى ما وراء الأفق، أرض لا تحمل أثر عشب أو حجر، ولا تنعكس عليها ظلال الأشياء. لم يكن هناك ريح، ولم يكن هناك صوت، حتى أنفاسه بدت غريبة في ذلك السكون، كأنها صادرة عن شخص يقف خلفه لا عنه.
نظر إلى يديه.
كانتا يديه بالفعل، لكنه لم يستطع الشعور بوزنهما. حاول التحرك، فاستجاب جسده بصورة طبيعية، ومع ذلك انتابه إحساس مزعج بأنه لا يقف على الأرض، بل إن الأرض هي التي تسمح له بالوقوف.
«أين أنا؟»
لم يتردد صوته في المكان. خرج من فمه ثم اختفى، كأن العالم ابتلعه قبل أن يصل إلى أي شيء.
استدار دارون ببطء، فرأى في البعيد بوابة سوداء ترتفع فوق السهل. كانت ضخمة إلى حد يصعب معه تقدير ارتفاعها، مكونة من عمودين متصلين بقوس لا يحمل أي زخرفة. وعلى سطحها امتدت خطوط رفيعة، تشبه شبكة من الشقوق التي حُفرت في حجر قديم.
توقف عن الحركة.
لقد رأى ذلك الشكل من قبل.
لم يستطع تذكر أين، لكنه شعر بذلك اليقين الغريب الذي ينتاب الإنسان حين يرى شيئًا من ماضٍ بعيد، شيء ظن أنه نسيه إلى الأبد.
تقدم نحو البوابة.
ومع كل خطوة، كانت الخطوط المحفورة عليها تصبح أوضح، حتى لاحظ أن بعضها لم يكن شقوقًا في الحجر، بل خيوطًا دقيقة تتوهج بوهج خافت. تقاطعت الخيوط، وتفرعت، ثم اختفت في مواضع لم يستطع تتبعها بعينيه.
مد يده ليلمس أحدها.
وقبل أن تصل أصابعه إليه، جاءه صوت من خلف البوابة.
«لقد تأخرت.»
تجمد دارون.
كان الصوت لرجل، هادئًا ومتعبًا، وكأنه انتظر طويلًا حتى فقد القدرة على الشعور بالدهشة.
«من هناك؟»
لم تأته إجابة.
بدلًا من ذلك، انفتح الباب دون أن يصدر عنه أي صوت.
وراءه لم يكن هناك ممر أو غرفة، بل مدينة هائلة تحت سماء أرجوانية، تتدلى فيها أضواء تشبه النجوم، رغم أنها كانت قريبة بما يكفي ليراها تتحرك ببطء بين المباني.
كانت المدينة جميلة بطريقة يصعب وصفها. أبراجها مرتفعة، وشوارعها واسعة، وجسورها تمتد بين مبانٍ لا يبدو أنها تخضع لقوانين الهندسة التي يعرفها. لم تكن هناك علامات على الحرب أو الخراب، ولم يكن في المكان ما يوحي بأنه مهجور.
بل على العكس.
كانت المدينة تعج بالحياة.
رأى أشخاصًا يسيرون في الشوارع، وآخرين يجلسون حول طاولات طويلة، ومجموعات تتحدث وتضحك أمام نوافذ مضاءة. لكن شيئًا واحدًا جمع بينهم جميعًا.
لم يستطع رؤية وجوههم.
كانت ملامحهم مطموسة، كأن طبقة من الضباب تغطي مواضع العيون والأنوف والأفواه. استطاع تمييز أشكال رؤوسهم وشعرهم وملابسهم، لكنه كلما حاول التركيز على وجه أحدهم، شعر بأن تفاصيله تنزلق من ذاكرته قبل أن يتمكن من تثبيتها.
تقدم بينهم بحذر.
مر رجل يرتدي معطفًا طويلًا بجواره، يحمل تحت ذراعه مجموعة من الأوراق. التفت الرجل نحوه للحظة، ثم تابع طريقه دون أن يبدي أي اهتمام بوجوده.
وبالقرب من نافورة تتدفق منها مياه فضية، كانت امرأة تجلس إلى جوار شخص آخر، تحرك يديها بحماس وهي تتحدث. لم يستطع سماع كلماتها، لكنه استطاع سماع ضحكتها.
ضحكة حقيقية.
خفيفة ودافئة.
توقف دارون للحظة.
لم يكن يعرف لماذا أثرت فيه تلك الضحكة، لكنه شعر بشيء يتحرك في أعماقه، شيء يشبه الحنين إلى أيام لم يعشها، أو إلى أشخاص لم يلتقِ بهم قط.
ثم سمع صوتًا من خلفه.
«إدوارد نيلسون.»
استدار بسرعة.
كان رجل يقف على درجات مبنى قريب، يرتدي ملابس داكنة ذات تصميم لم يره من قبل. كان طويل القامة، ويمسك بيده كتابًا مغلقًا. وجهه مطموس مثل وجوه الآخرين، لكن صوته كان واضحًا.
«إدوارد نيلسون، هل تسمعني؟»
لم يظهر أحد.
رفع الرجل رأسه، كما لو كان ينتظر إجابة من السماء.
«أنت تعرف أن الوقت ينفد.»
شعر دارون بانقباض في صدره.
إدوارد نيلسون.
لم يكن الاسم مألوفًا له، لكنه لم يشعر بأنه غريب تمامًا. تكرر في ذهنه كصدى بعيد، وكأن شخصًا ناداه به في زمن لم يعد قادرًا على تذكره.
اقترب من الرجل.
«من هو إدوارد نيلسون؟»
لم يلتفت الرجل إليه.
«لقد وعدتنا.»
صمت قليلًا، ثم أضاف بصوت خافت:
«وعدتنا أنك لن تسمح بحدوث ذلك مرة أخرى.»
شعر دارون بأن الأرض تميل تحته.
«أنا أتحدث إليك!»
رفع صوته هذه المرة، لكن الرجل لم يسمعه، أو ربما اختار ألا يسمعه.
فتح الكتاب الذي كان يحمله.
كانت صفحاته بيضاء، باستثناء اسم واحد كُتب في منتصف الصفحة الأولى بحروف سوداء.
إدوارد نيلسون.
وفي اللحظة التي قرأ فيها دارون الاسم، اختفت المدينة.
وجد نفسه واقفًا في حديقة واسعة، تحت سماء زرقاء صافية.
كانت أشعة الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار، وتنعكس على بركة صغيرة تتوسط الحديقة. تناثرت الزهور على امتداد الممرات، بينما كانت الطيور تحلق فوق الأسوار الحجرية وتعود إلى أعشاشها.
لم يكن هناك أي أثر للمدينة السابقة.
ولا للرجل.
ولا للبوابة السوداء.
هذه المرة، سمع ضحكة قريبة منه.
التفت.
كانت فتاة تقف فوق جسر صغير، تنحني إلى الأمام وهي تحاول استعادة توازنها بعد أن تعثرت بحافة الجسر. كانت ترتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، تتدلى أطرافه حول ساقيها، وشعرها الأبيض الصافي ينساب خلف ظهرها حتى تجاوز خصرها.
لكن أكثر ما لفت انتباه دارون لم يكن شعرها.
كانت طويلة بصورة غير مألوفة.
بلغ طولها مترين وأربعين سنتيمترًا تقريبًا، حتى إن الدرابزين الحجري بدا منخفضًا إلى جوارها. كانت بشرتها فاتحة جدًا، نقية كأنها لم تعرف يومًا أثر الشمس أو التعب، وعلى الرغم من طولها اللافت، كانت حركاتها خفيفة ومرحة.
ضحكت مرة أخرى، ثم رفعت يديها في الهواء.
«لقد كدت أسقط!»
لم يكن هناك أحد يجيبها، ومع ذلك تصرفت كما لو أن شخصًا يقف أمامها ويشاركها المزاح.
اقتربت من البركة، ثم جلست على حافتها وخلعت حذاءها، وغمرت قدميها في الماء. أخذت تحركهما بمرح، فتناثرت قطرات الماء حولها، ثم أطلقت ضحكة صافية جعلت الطيور تطير من الأشجار القريبة.
بدت مستمتعة بيومها إلى أبعد حد.
لم تكن تفكر في شيء سوى اللحظة التي تعيشها. رفعت وجهها نحو السماء، وأغمضت عينيها تحت أشعة الشمس، ثم تمددت على العشب دون أدنى اكتراث بثوبها الذي تلطخ ببعض التراب.
راقبها دارون بصمت.
لم يستطع رؤية وجهها.
كلما حاول النظر إلى ملامحها، شعر بأن شيئًا ما يحجبها عنه، لكنه لم يشعر تجاهها بالنفور أو الخوف. على العكس، كان في وجودها شيء مريح، شيء جعله يشعر كما لو أنه عاد إلى مكان يعرفه جيدًا بعد رحلة طويلة.
فتحت الفتاة عينيها فجأة.
«أنت هناك منذ وقت طويل.»
تجمد دارون.
كانت تنظر إليه مباشرة.
لم يستطع رؤية وجهها، لكنه شعر بأنها تبتسم.
«هل ستبقى واقفًا هكذا؟»
لم يعرف كيف يجيب.
نهضت الفتاة عن العشب، ونفضت التراب عن ثوبها، ثم اقتربت منه بخطوات واسعة. كان طولها يجعلها تبدو مهيبة حتى وهي تتصرف بهذه العفوية.
توقفت أمامه، ثم انحنت قليلًا لتصبح أقرب إلى مستوى عينيه.
«أنت تغيرت.»
لم يتكلم.
مدت يدها، وكأنها تريد أن تلمس رأسه، لكنها توقفت قبل أن تصل إليه.
«لا، ليس هذا صحيحًا.»
مالت برأسها قليلًا.
«أنت لم تتغير. لقد نسيت فقط.»
شعر دارون ببرودة تسري في أطرافه.
«ماذا نسيت؟»
ضحكت الفتاة، ثم استدارت وبدأت تسير نحو الأشجار.
«أشياء كثيرة.»
«انتظري!»
توقفت، لكنها لم تلتفت.
«هل أعرفك؟»
سكتت لثوانٍ.
ثم أجابت بصوت خافت، خالٍ من مرحها السابق:
«هذا يعتمد على ما بقي منك.»
اختفت ابتسامتها من نبرة صوتها، رغم أنه لم يستطع رؤيتها.
«إذا كنت لا تتذكرني، فهذا يعني أن الأمور أصبحت أسوأ مما توقعت.»
استدار الهواء حول الأشجار، وبدأت أوراقها تتساقط رغم أن الجو كان هادئًا قبل لحظات.
التفتت الفتاة إليه أخيرًا.
«لا تسمح لهم بإيقاظه.»
وقبل أن يتمكن من سؤالها عمن تتحدث، انطفأت الشمس.
لم يسقط الليل على الحديقة.
بل انشقت السماء.
ظهر فيها صدع طويل، يمتد من الأفق إلى أعلى، كجرح في نسيج العالم. ومن خلفه تدفقت أضواء حمراء وبنفسجية وبيضاء، تتراقص على سطح السماء كما لو أن عوالم أخرى تتسرب إلى هذا العالم من خلال الشق.
تراجعت الفتاة خطوة.
للمرة الأولى منذ رآها، لم تبدُ مستمتعة.
«لقد وجدونا.»
كان صوتها مختلفًا الآن، وقد اختفى منه كل أثر للمرح.
اهتزت الأرض تحت قدمي دارون، وبدأت الأشجار تتفتت إلى ذرات مضيئة. البركة، والجسر، والزهور، كل شيء أخذ يتلاشى ببطء، كأن العالم يُمحى من الوجود.
ثم ظهرت سبعة أضواء في السماء.
لم تكن نجومًا.
كانت أشخاصًا.
وقف السبعة فوق طبقات من الضوء المتشابك، يفصل بينهم فراغ شاسع، ومع ذلك شعر دارون بأنهم مرتبطون بشيء واحد، بشيء يتجاوز أجسادهم والسماء التي يقفون تحتها.
لم يستطع رؤية وجوههم.
كانت ملامحهم مطموسة، كما كانت وجوه سكان المدينة، لكن حضورهم كان مختلفًا تمامًا. لم يكونوا أشخاصًا عاديين فقدوا وجوههم، بل بدا الأمر كما لو أن العالم نفسه عاجز عن الاحتفاظ بصورهم.
الأول كان يرتدي رداءً طويلًا تتدلى من أطرافه خيوط سوداء. حيثما تحرك، اختفت الأشياء من حوله، لا تتحطم ولا تحترق، بل تُمحى من الوجود وكأنها لم تكن موجودة قط.
ومن أعماق المكان، سمع دارون صوتًا لا يعرف مصدره:
«سيد النسيان… الذي يمحو حتى الطريق المؤدي إلى الحقيقة.»
تراجع دارون خطوة.
لم يكن يعرف من يتحدث، لكن الكلمات اخترقت وعيه بوضوح مرعب.
أما الثاني، فقد كان جسده مغطى بطبقات من الظلال المتحركة. أطرافه طويلة على نحو غير طبيعي، ووراء ظهره امتدت أشكال تشبه المخالب والأجنحة، تتبدل باستمرار، وكأن جسده لم يستقر على هيئة واحدة منذ بداية وجوده.
«ملك الوحش… الذي يذكر العالم بما حاول العالم دفنه.»
الثالث وقف وسط دوامة من اللهب الأحمر.
لم تكن النيران تحرق جسده، بل كانت تخرج منه وتلتف حوله، وكلما اشتدت حركتها، اهتزت السماء من حوله. لم يكن غضبه موجهًا نحو أحد بعينه، بل بدا وكأن العالم بأكمله يقف في موضع الاتهام أمامه.
«سيد الغضب… الذي لا يهدأ ما دام هناك شيء لم يُنتقم منه.»
الرابع كان مختلفًا عن البقية.
لم تحط به النيران أو الظلال، ولم تتشوه المساحة من حوله. وقف ساكنًا وسط دوائر هائلة من الرموز والخطوط، تتفرع منها طرق لا تُحصى، بعضها ينتهي قبل أن يبدأ، وبعضها يمتد إلى نقاط بعيدة في السماء.
«ناسج القدر… الذي يرى الطرق قبل أن يسلكها أصحابها.»
رفع ذلك الشخص يده، فتحركت الخطوط حوله في وقت واحد.
شعر دارون بأن شيئًا ما في صدره انقبض.
لم يكن يعرف السبب، لكنه شعر للحظة بأن تلك الخطوط لا ترسم طرقًا في العالم فحسب.
كانت ترسم احتمالات.
احتمالات حياته هو أيضًا.
أما الخامس، فكان يقف مائلًا قليلًا، ورأسه يتحرك بين اتجاهات مختلفة كما لو أنه يستمع إلى أصوات لا يسمعها سواه. امتدت حوله أشكال غير مكتملة، وجوه تضحك وتبكي وتصرخ، ثم تتبدل إلى أشياء لا يمكن وصفها.
«مجنون الهاوية… الذي رأى ما لم يكن ينبغي لأحد أن يراه، ثم نسي كيف يبدو العقل.»
السادس كان محاطًا بكتل من الحطام.
مدن تنهار، جبال تتشقق، وبحار ترتفع في الهواء ثم تتحطم إلى أمواج من الضوء. لم يكن يتحرك كثيرًا، لكن كل حركة صغيرة منه كانت تترك أثرًا من الدمار في المساحة المحيطة به.
«مبيد العوالم… الذي يترك وراءه نهاية الأشياء.»
أما السابع، فكان جالسًا على عرش مكسور، تحيط به سلاسل طويلة تمتد إلى ظلام لا قرار له. لم يكن هناك دم، ولم تظهر على جسده جروح، ومع ذلك شعر دارون بألم خافت يتسلل إلى صدره كلما نظر إليه.
لم يكن ألمًا يصيب الجسد.
بل شيئًا أعمق، كأن ذكرى مؤلمة تخص شخصًا آخر قد انتقلت إليه دون إذن.
«سجين العذاب… الذي يحمل ما لا يستطيع العالم احتماله.»
الأبطال السبعة.
لم يعرف دارون من أين جاءت هذه العبارة، لكنه أدرك أنها الاسم الذي يطلق عليهم.
الأبطال السبعة.
سبعة أشخاص يقفون فوق العالم، أو خارجه، أو في مكان لا ينتمي إلى أي منهما.
لم يستطع تحديد أي الاحتمالات هو الصحيح.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
كان السبعة يواجهون شيئًا ما.
شيئًا لم يظهر بعد.
تبدلت السماء فجأة.
اختفت الأضواء المتشابكة، وانطفأت الرموز التي تحيط بناسج القدر. توقفت النيران حول سيد الغضب، وسكنت الظلال التي تغطي ملك الوحش.
للمرة الأولى، تحرك السبعة في الوقت نفسه.
التفتوا جميعًا نحو نقطة واحدة خلفهم.
نحو الفراغ.
لم يكن الفراغ الذي رأته جينيفير في روح دارون.
هذا كان مختلفًا.
لم يظهر على هيئة مساحة سوداء أو ظلام يمتد إلى ما وراء الأفق، بل بدا كغياب كامل لكل ما يمكن أن يوجد. مساحة لم تستطع عيناه إدراك حدودها، ولم يستطع عقله تحديد ما إذا كانت تقترب أم أن العالم كله يتحرك نحوها.
ثم بدأ الفراغ بالاتساع.
تراجعت الأضواء.
انهارت الخطوط التي نسجها ناسج القدر، وتلاشت الرموز التي كانت تطفو حوله. حاول مجنون الهاوية رفع يده، فانفجرت الأشكال التي تحيط به إلى شظايا مضيئة. أما مبيد العوالم، فقد اندفعت من حوله موجة من الدمار، لكنها اختفت قبل أن تصل إلى حافة الفراغ.
لم يتوقف أي شيء.
حتى سيد النسيان، الذي محا الأشياء من الوجود بمجرد مروره، بدا عاجزًا أمام ما يحدث.
لأول مرة، رأى دارون الأبطال السبعة يتراجعون.
لم يكن تراجعهم ناتجًا عن خوف بشري مألوف، بل عن إدراك أن القوة التي يواجهونها لا تخضع للقواعد التي اعتادوا استخدامها.
رفع سجين العذاب يده، فانطلقت سلاسله نحو الفراغ.
اختفت السلاسل.
ولم تترك وراءها أي أثر.
ثم انطلق ملك الوحش في هجوم خاطف، متحولًا إلى هيئة هائلة غطت جزءًا من السماء.
ابتلعه الفراغ.
لم يسمع دارون صرخة.
لم يرَ مقاومة.
فقط اختفى.
اندفع سيد الغضب بعده، وانفجرت من حوله نيران هائلة، حتى بدا للحظة أنه يحرق السماء نفسها. لكن النيران خمدت واحدة تلو الأخرى، ثم ابتلع الفراغ صاحبها دون أن يتباطأ.
حاول مبيد العوالم تدمير المساحة المحيطة به، بينما أخذ مجنون الهاوية يضحك بصوت مرتفع، ضحكة لم يستطع دارون تحديد ما إذا كانت تعبيرًا عن الجنون أم عن إدراك حقيقة مرعبة.
أما ناسج القدر، فقد رفع يديه، وبدأت الخطوط التي تحيط به تتفرع بسرعة جنونية.
مسارات لا تُحصى.
احتمالات تتوالد وتختفي.
طرق للهروب، وطرق للمقاومة، وطرق لم تصل إلى أي نهاية.
ثم توقفت جميعها.
انقطعت الخطوط دفعة واحدة.
وللمرة الأولى، بدا ناسج القدر عاجزًا عن رؤية الطريق التالي.
التفت سيد النسيان نحو البقية.
لم يسمع دارون كلماته، لكنه رأى حركته، ورأى الأبطال الآخرين يتجمعون حوله.
سبعة أضواء.
سبعة مفاهيم.
سبعة أشخاص وقفوا أمام الفراغ، بينما كان كل شيء من حولهم يختفي.
ثم حدث شيء لم يفهمه دارون.
بدأت أجسادهم تتوهج.
لم تكن أضواء عادية، بل وهجًا أبيض نقيًا، تتخلله ألوان مختلفة، كأن كل واحد منهم يحمل نجمًا في أعماقه. أخذت تلك النجوم تزداد سطوعًا حتى أصبحت الأجساد نفسها أشبه بكتل من الضوء المتوهج.
للحظة، بدا أنهم يقاومون.
أنهم يحاولون تثبيت وجودهم في مواجهة شيء يريد محوهم.
لكن الفراغ استمر في الاتساع.
ابتلع سجين العذاب أولًا، ثم مجنون الهاوية، ثم مبيد العوالم.
لم تتوقف النجوم عن التوهج حتى بعد أن اختفت أجساد أصحابها.
واحدًا تلو الآخر، انطفأت الأضواء من أطرافها، بينما ظلت مراكزها مشتعلة للحظات، كأنها ترفض الاستسلام.
كان دارون يراقب المشهد دون أن يستطيع التحرك.
شعر بشيء ينكسر داخله مع كل نجم يختفي.
لم يعرف هؤلاء الأشخاص.
لم يعرف أسماءهم الحقيقية، ولا ما الذي جمعهم، ولا ما الذي دفعهم إلى مواجهة ذلك الفراغ.
ومع ذلك، كان يشعر بأنه يشاهد نهاية شيء كان يجب ألا ينتهي.
بقي نجمان.
أحدهما أحمر، والآخر أبيض تتخلله خيوط سوداء.
ثم ابتلعهما الفراغ معًا.
اختفت الأضواء.
اختفت السماء.
اختفى كل شيء.
ولم يبقَ سوى الفراغ، ممتدًا في جميع الاتجاهات، لا بداية له ولا نهاية.
وجد دارون نفسه واقفًا أمام البوابة السوداء مرة أخرى.
لكن المدينة اختفت.
والسماء الأرجوانية اختفت.
حتى الأرض البيضاء التي وقف عليها في البداية لم تعد موجودة.
كان معلقًا في مساحة لا تحمل أي علامة على وجود شيء آخر.
ثم سمع صوتًا.
لم يأتِ من أمامه أو خلفه، ولم يأتِ من مكان يمكنه تحديده.
كان قريبًا جدًا، إلى درجة أنه شعر بأن الكلمات تُقال داخل رأسه مباشرة.
«لقد حدث ذلك من قبل.»
تصلب جسد دارون.
كان الصوت هادئًا، لكنه حمل ثقلًا غريبًا، كما لو أن صاحبه عاش زمنًا طويلًا إلى درجة أن الكلمات فقدت عنده القدرة على التعبير عن الدهشة.
«لقد وقفوا أمامه من قبل.»
ظهرت أمام دارون صورة خاطفة للأبطال السبعة.
هذه المرة لم يكونوا متوهجين.
كانوا يقفون في دائرة، محاطين بخيوط الإرادة التي رأتها جينيفير. امتدت الخيوط بينهم، ثم تجاوزتهم إلى مسافات لا يمكن تصورها، حتى بدا أنهم جزء من شبكة هائلة تمتد عبر عوالم متعددة.
وفي مركز الشبكة…
كان هناك شخص.
لم يستطع دارون رؤية وجهه.
كان يرتدي ملابس سوداء، ويقف وظهره إلى الأبطال السبعة، كأنه لا يلاحظ وجودهم. امتدت من جسده خيوط دقيقة تتصل بالشبكة، لكن دارون لم يستطع معرفة إن كانت الخيوط تنبع منه أم تتجه إليه.
شعر بقلبه ينبض بقوة.
«من هذا؟»
لم يجبه الصوت.
تلاشت الصورة، ثم ظهرت صورة أخرى.
هذه المرة، رأى الفتاة ذات الشعر الأبيض.
كانت تقف في المكان نفسه، لكن ملامحها المرحة اختفت تمامًا. لم تعد تضحك، ولم تعد تتحرك بخفة. كانت تحدق في الشخص ذي الملابس السوداء، ويداها مقبوضتان إلى جانبيها.
قالت بصوت لم يسمعه دارون من قبل:
«لا يمكنك فعل ذلك مرة أخرى.»
لم يتحرك الشخص.
«لقد وعدتنا.»
صمتت الفتاة، ثم اقتربت منه خطوة.
«قلت إنك ستتذكر.»
للحظة، شعر دارون بألم حاد في رأسه.
كأن الكلمات لم تكن موجهة إلى ذلك الشخص وحده.
كأنها كانت موجهة إليه هو.
حاول الاقتراب، لكن المسافة بينه وبين الصورة لم تتغير.
صرخت الفتاة:
«انظر إليّ!»
تحرك الشخص ببطء.
بدأ يدير رأسه نحوها.
وللمرة الأولى، شعر دارون بأنه على وشك رؤية وجهه.
لكن قبل أن يتمكن من ذلك، انطفأت الصورة.
عاد الفراغ.
وسمع صوتًا آخر، أكثر عمقًا من الأول.
«لقد نسي اسمه.»
توقفت أنفاس دارون.
«لقد نسي وعده.»
بدأت الخيوط تظهر حوله، واحدة تلو الأخرى.
امتدت من الفراغ، وتقاطعت أمامه، ثم أخذت تلتف حول جسده دون أن تلمسه.
«لقد نسي لماذا بدأ كل شيء.»
حاول دارون التراجع.
لم يستطع.
شعر بأن الخيوط لا تقيده، بل تمنعه من الابتعاد عن شيء يقترب منه من أعماق الفراغ.
ثم سمع اسمًا واحدًا.
«إدوارد نيلسون.»
تردد الاسم في كل مكان.
هذه المرة، لم يكن صوت الرجل الذي يحمل الكتاب.
ولم يكن صوتًا غريبًا.
كان الاسم يحمل ثقلًا هائلًا، كأنه مفتاح لشيء أغلق عليه الزمن أبوابه، أو كلمة أخيرة بقيت بعد اختفاء عالم كامل.
حاول دارون أن يصرخ.
لم يخرج صوت من فمه.
تدفقت الصور في ذهنه بسرعة.
البوابة السوداء.
المدينة تحت السماء الأرجوانية.
الفتاة ذات الشعر الأبيض.
الأبطال السبعة وهم يتوهجون كنجوم قبل أن يبتلعهم الفراغ.
والشخص الذي لم يستطع رؤية وجهه.
تداخلت الصور، واختلطت الأصوات، حتى لم يعد قادرًا على التمييز بينها.
ثم ظهر أمامه شيء واحد.
فراغ هائل.
وفي أعماقه، شبكة لا نهائية من الإرادة.
تحرك أحد خيوطها نحوه.
لم يستطع الهرب.
اقترب الخيط ببطء، حتى أصبح على مسافة لا تتجاوز ذراعه.
وفي اللحظة التي ظن فيها أنه سيلامسه، سمع صوت الفتاة للمرة الأخيرة.
لم تكن تصرخ هذه المرة.
كان صوتها هادئًا، حزينًا، وكأنها تقول كلمات انتظرت طويلًا حتى تجد من يسمعها.
«تجاوز النسيان.»
ثم انقض الفراغ.
استيقظ دارون بهلع.