الفصل 326 - ما لا ينبغي إيقاظه
لم ينتهِ الاجتماع كما كان ينبغي له أن ينتهي.
غادر بعض الحاضرين القاعة وهم يتحدثون عن الخطوات التالية، بينما بقي آخرون في أماكنهم، يتظاهرون بأن ما حدث قبل قليل لم يترك في نفوسهم أثرًا. كانت الخريطة لا تزال ممددة فوق الطاولة، والرسالة التي أرسلها فولك موضوعة إلى جوارها، لكن الاهتمام الذي حظيت به كلتاهما في بداية الاجتماع اختفى تقريبًا.
فقد ظهر أمر أكثر إلحاحًا من الحرب نفسها، أمر لم يكن أحد مستعدًا للتعامل معه.
دارون.
لم يكن غارموندو من النوع الذي يسمح للمخاوف الغامضة بأن تشغله طويلًا، لكنه وجد نفسه هذه المرة عاجزًا عن التخلص من صورة جينيفير وهي ترتجف على الكرسي. لقد عرف المرأة لسنوات، ورآها تواجه أشخاصًا أخطر بكثير ممن اجتمعوا في تلك القاعة، ولم يسبق له أن شاهدها تفقد رباطة جأشها بهذه الطريقة.
كان ذلك كافيًا لجعله يعيد النظر في كل ما يعرفه عن الرجل الذي يقف إلى جوارهم.
اقترب من أوغستا بينما كانت تتحدث مع ألديريون.
«هل ستتركينه يرحل هكذا؟»
توقفت أوغستا عن الحديث والتفتت إليه.
«إلى أين تريدينني أن أرسله؟ إلى زنزانة؟»
«لم أقل ذلك.»
«لكن هذا ما تفكر فيه.»
عقد غارموندو ذراعيه.
«أفكر في أننا لا نعرف عنه شيئًا. لا ماضيه، ولا حدود قدراته، والآن اكتشفنا أن امرأة تستطيع قراءة الأرواح كادت تفقد نفسها لمجرد النظر إلى ما بداخله. ألا يثير ذلك قلقك؟»
«بالطبع يثير قلقي.»
أجابته أوغستا بجدية، ثم نظرت عبر القاعة إلى دارون الذي كان يتحدث مع نيرون.
«لكنني لن أحوّل جهلي بحقيقته إلى سبب لمعاقبته.»
هز غارموندو رأسه بضيق.
«أنت لا تفهمين. أنا لا أتهمه بشيء، ولا أقول إنه عدو. لكن الثقة لا تعني أن نغلق أعيننا.»
«ومن قال إنني أغلقت عيني؟»
توقفت أوغستا قليلًا، ثم أضافت:
«لو كنت أعتقد أن دارون يشكل خطرًا علينا، لما سمحت له بالبقاء هنا. لكنني لن أطلب منه إثبات أنه إنسان لمجرد أن قدرتنا على فهمه محدودة.»
لم يجد غارموندو جوابًا مباشرًا.
كان يعرف أوغستا جيدًا بما يكفي ليدرك أنها لن تتراجع عن موقفها بسهولة، لكنه لم يكن مقتنعًا بأن الأمر ينتهي عند هذا الحد.
«أتمنى فقط ألا يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أننا وثقنا بالشيء الخطأ.»
ابتعد قبل أن تجيبه.
راقبته أوغستا للحظات، ثم تنهدت.
لم تكن واثقة من كل ما يتعلق بدارون، لكنها كانت واثقة من شيء واحد: الرجل الذي عرفته لم يستخدم قوته لفرض نفسه عليهم، ولم يطالبهم بطاعته، ولم يحاول إخفاء عجزه حين واجه أمرًا لا يفهمه.
ومع ذلك، فإن كلمات جينيفير بقيت عالقة في ذهنها.
فراغ هائل.
لم تستطع تخيل ما الذي يمكن أن يجعل شخصًا يرى روحًا ثم يصفها بأنها غياب للروح نفسها.
في الطرف الآخر من القاعة، كان نيرون يجلس قبالة دارون، وقد وضع أمامه ورقة فارغة لم يكتب عليها شيئًا بعد.
«أريد أن أسألك بضعة أسئلة.»
نظر دارون إلى الورقة، ثم إليه.
«ألم تنتهِ من أسئلتك؟»
«لو كنت قد انتهيت، لما جلست هنا.»
ابتسم دارون ابتسامة خفيفة.
«تفضل.»
أدار نيرون الورقة بحيث أصبحت أمامه.
«عندما استيقظت في السهول، هل كنت تعرف كيفية استخدام الإرادة؟»
«لا.»
«ومتى تعلمت استخدامها؟»
«حين بدأت أواجه الأشياء التي تتطلب مني ذلك.»
رفع نيرون عينيه.
«هذا وصف للنتيجة، وليس للإجابة.»
«لأنني لا أملك إجابة أفضل.»
تأمل نيرون وجهه للحظات، ثم كتب سطرًا على الورقة.
«هل حدث أن شعرت بأن قدرتك تتصرف من تلقاء نفسها؟»
فكر دارون قليلًا.
«ليس كما تتصور. أحيانًا أفهم أشياء قبل أن أتمكن من تفسير كيفية فهمي لها. أرى حركة، أو ألاحظ تغيرًا في سلوك شخص، ثم أجد نفسي قد وصلت إلى نتيجة لم أكن أعرف أنني أبحث عنها أصلًا.»
«العقل الفعّال.»
أومأ دارون.
«نعم.»
«وهل تعتقد أن تلك القدرة مرتبطة بالشبكة التي رأتها جينيفير؟»
«لا أعرف.»
توقف نيرون عن الكتابة.
«أنت تستخدم هذه العبارة كثيرًا.»
«لأنك تسألني عن أشياء لا أعرفها.»
«أو لأنك لا تعرف كيف تميز بين ما تعرفه وما نسيته.»
لم يرد دارون.
لم تكن ملاحظة نيرون بعيدة عن الحقيقة. فمنذ استيقاظه، اعتاد أن يتعامل مع ذاكرته المفقودة باعتبارها جدارًا يفصل حياته الحالية عن حياة لم يعد قادرًا على الوصول إليها. لكنه لم يفكر يومًا في احتمال أن يكون ذلك الجدار نفسه جزءًا من المشكلة.
سأل نيرون:
«هل تشعر أحيانًا بأنك تتصرف وفق قواعد تعلمتها في الماضي، رغم أنك لا تتذكر تعلمها؟»
رفع دارون نظره إليه.
«نعم.»
لم يتوقع نيرون أن تأتي الإجابة بهذه السرعة.
«أعطني مثالًا.»
«طريقة استخدامي للسيف. أحيانًا أعرف كيف أتحرك قبل أن أفكر في الحركة. لا أتذكر من علمني، ولا أين تدربت، لكن جسدي يتصرف كما لو أنه أمضى سنوات في ذلك.»
«وماذا عن إرادتك؟»
صمت دارون.
لم يكن يستطيع إعطاء نيرون إجابة واضحة، لكنه تذكر شيئًا حدث له قبل فترة، حين واجه خطرًا لم يكن لديه وقت لتحليله. في تلك اللحظة، شعر بأن العالم أصبح واضحًا بصورة غير طبيعية، وكأن كل حركة وكل احتمال قد وُضع أمامه قبل أن يحدث.
كان قد نسب ذلك إلى قدرته على التحليل.
والآن لم يعد متأكدًا.
«ربما»، أجاب أخيرًا.
كتب نيرون الكلمة، ثم وضع القلم جانبًا.
«لن أطلب منك أن تتذكر بالقوة. هذا لن يفيدنا. لكن هناك أمرًا يجب أن تفهمه.»
انتظر دارون.
«إذا كانت جينيفير قد رأت شيئًا حقيقيًا، فإننا لا نعرف إن كانت المشكلة في طبيعتك، أم في طبيعة قدرتها، أم في شيء لا نعرفه عن الإرادة نفسها. لا يمكننا اختيار أحد هذه الاحتمالات لمجرد أنه الأكثر إثارة للخوف.»
«أتفق معك.»
«جيد. لهذا أريدك أن تخبرني فورًا إذا حدث أي شيء غير مألوف.»
ابتسم دارون.
«سأفعل.»
نهض نيرون وجمع أوراقه. وقبل أن يغادر، توقف للحظة.
«دارون.»
«نعم؟»
«لا أعرف ما الذي رأته جينيفير، لكنني أعرف أنها لم تكن تتظاهر بالخوف. وهذا يعني أن شيئًا ما قد حدث بالفعل، حتى لو لم نفهمه.»
اختفت ابتسامة دارون.
«أعرف.»
غادر نيرون القاعة، تاركًا إياه وحده أمام الخريطة.
وللمرة الأولى منذ مدة طويلة، لم يعرف دارون ما الذي ينبغي له التفكير فيه.
وجد جينيفير في إحدى الغرف الجانبية، جالسة أمام نافذة مفتوحة. كان الهواء البارد يحرك أطراف شعرها، بينما بقيت عيناها معلقتين بالحديقة في الأسفل دون أن تركزا على شيء بعينه.
لم تكن قد استعادت هدوءها بالكامل.
كان جسدها قد توقف عن الارتجاف، لكن غرائزها لم تهدأ. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة ذلك الفراغ، وتلك الخيوط التي امتدت إلى ما وراء حدود إدراكها.
الأمر الأكثر إزعاجًا أنها لم تستطع تحديد ما إذا كان الخيط الذي اقترب منها قد لاحظ وجودها فعلًا.
ربما كان مجرد حركة عشوائية داخل شبكة لا يمكن لعقلها فهمها.
وربما لم يكن كذلك.
طرق أحدهم الباب.
التفتت بسرعة، ثم تنفست بارتياح حين رأت أوغستا تدخل الغرفة.
«كيف تشعرين الآن؟»
«أفضل.»
جلست أوغستا قبالتها، ولم تحاول إخفاء قلقها.
«أريدك أن تخبريني بالحقيقة. هل تعتقدين أن دارون يشكل خطرًا علينا؟»
لم تجب جينيفير مباشرة.
كان من السهل أن تقول نعم، وأن تترك خوفها يقرر بدلًا منها. وكان من السهل أيضًا أن تنكر ذلك، خصوصًا أنها لم تشعر بأي عداء صادر عنه.
لكنها لم تكن تملك رفاهية اختراع إجابة مريحة.
«لا أعرف.»
أطلقت أوغستا زفيرًا طويلًا.
«بدأت أكره هذه العبارة.»
كادت جينيفير تبتسم، لكنها لم تستطع.
«أنا أيضًا.»
ثم وضعت يديها فوق ركبتيها، ونظرت إلى أصابعها.
«أوغستا، عندما أستخدم قدرتي، لا أرى اللون فقط. هناك إحساس يرافق كل روح. لا أستطيع وصفه بدقة، لكنه يساعدني على فهم ما أراه. الأرواح الهادئة تمنحني شعورًا بالاتزان، والأرواح التي تهيمن عليها مشاعر عنيفة تكون أكثر اضطرابًا. حتى الأرواح التي تبدو مظلمة أستطيع الشعور بوجودها.»
«وماذا شعرت عندما قرأت دارون؟»
رفعت جينيفير رأسها.
«لا شيء.»
«لا شيء؟»
«لم أشعر بالهدوء، ولا بالخوف، ولا بالكراهية. لم أشعر حتى بأنني أنظر إلى روح غريبة. كان الأمر كما لو أنني حاولت لمس شيء، ثم اكتشفت أن الشيء الذي ألمسه يمتد إلى مسافة لا يمكنني إدراكها.»
صمتت قليلًا.
«أتفهمين ما أعنيه؟ لم تكن المشكلة في أنني رأيت روحًا مرعبة. المشكلة أنني لم أستطع معرفة أين تنتهي، أو حتى إن كان ما أراه هو الروح أصلًا.»
أخفضت أوغستا عينيها.
«هل يمكن أن تكون قدرته هي السبب؟»
«ربما.»
ثم أضافت جينيفير شيئًا لم تكن قد أخبرت به أحدًا بعد.
«هناك احتمال آخر.»
انتظرت أوغستا.
«ماذا لو أن دارون لا يخفي شيئًا داخل روحه؟»
قطبت أوغستا حاجبيها.
«ماذا تقصدين؟»
«ماذا لو كان ما رأيته ليس شيئًا مخفيًا داخل روحه، بل شيئًا يحيط بها؟»
ساد الصمت.
واصلت جينيفير، وقد أصبحت كلماتها أبطأ مع كل جملة:
«الشبكة كانت هائلة. لم أستطع تحديد بدايتها أو نهايتها، ولم أعرف إن كانت متصلة بالفراغ أم ممتدة إلى ما وراءه. حاولت التركيز على جزء صغير منها، لكنني شعرت بأنني أغرق في شيء أكبر من قدرتي على الاستيعاب.»
توقفت.
«ربما لم أرَ إرادة دارون وحدها. ربما رأيت شيئًا مرتبطًا به.»
«شيئًا من أي نوع؟»
هزت جينيفير رأسها.
«لا أعرف. وهذا ما يخيفني.»
لم يكن هناك دليل يثبت أن الشبكة تنتمي إلى دارون بالكامل. كل ما استطاعت قوله هو أنها ظهرت عندما حاولت قراءة روحه، وأن الخيط تحرك نحوها حين اقتربت منها.
لكن ذلك وحده كان كافيًا ليجعلها تتساءل عما إذا كانت قد فتحت بابًا على شيء لا علاقة له بقدرتها أصلًا.
وضعت أوغستا يدها فوق يدها.
«لن تجربي ذلك مرة أخرى. ليس قبل أن نفهم ما حدث.»
أومأت جينيفير.
هذه المرة، لم يكن لديها أي اعتراض.
في المساء، عاد دارون إلى غرفته.
أغلق الباب خلفه، ووضع سيفه على الطاولة، ثم جلس على حافة السرير. كان اليوم طويلًا بما يكفي ليشعر بالإرهاق، لكن النوم لم يكن ما يحتاج إليه.
أراد أن يفهم.
منذ استيقاظه، اعتاد التعامل مع الأشياء التي لا يعرفها باعتبارها تحديات تنتظر منه حلها. كان يراقب، ويحلل، ويجرب، ثم يتقدم خطوة بعد أخرى. وحتى حين واجه أمورًا تفوق قدراته، لم يتوقف عن البحث عن تفسير.
لكن هذه المرة، لم يكن لديه شيء يبدأ منه.
لم تكن جينيفير تعرف ما رأته. ولم يكن نيرون يملك تفسيرًا. أما هو، الشخص الوحيد الذي يفترض أن يكون قادرًا على الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بنفسه، فلم يكن يعرف حتى إن كانت تلك الأسئلة تخصه فعلًا.
رفع يده أمام عينيه.
بدت عادية.
أدارها قليلًا، وتأمل خطوط كفه.
«شبكة من الإرادة…»
تمتم بالكلمات، ثم أغلق عينيه.
حاول التركيز على إحساسه الداخلي، بالطريقة التي يفعلها عندما يستعد لاستخدام إرادته.
في البداية، لم يحدث شيء.
كان هناك جسده، وأنفاسه، والأصوات البعيدة القادمة من الممر.
ثم شعر بذلك الإحساس المألوف الذي يرافق استخدام قدرته.
لكن هذه المرة لم يحاول تحليل شيء من حوله.
حاول النظر إلى الداخل.
للحظة قصيرة، خُيّل إليه أنه يقف أمام مساحة واسعة لا يستطيع تحديد حدودها. لم يرَ شبكة، ولم يرَ خيوطًا، ولم يظهر أي لون غريب.
كان هناك إحساس مبهم بالعمق.
عمق لا يستطيع تفسيره.
وفجأة، مر شيء في ذهنه.
صورة خاطفة لمكان لم يعرفه.
أرضية حجرية سوداء، تمتد فوقها خطوط دقيقة تشبه الشقوق. وفي وسطها دائرة واسعة، تقف داخلها هيئة بشرية لا يستطيع رؤية وجهها.
لم تستمر الصورة أكثر من لحظة.
لكن دارون فتح عينيه بعنف.
كان قلبه ينبض بسرعة، ويداه باردتين.
لم يكن ذلك حلمًا عاديًا. لم يشعر بأنه اخترع الصورة أو تخيلها، بل كما لو أن بابًا انفتح لثانية ثم أُغلق قبل أن يتمكن من رؤية ما وراءه.
نهض من السرير، وتوجه إلى النافذة.
حدق في الظلام طويلًا.
من تكون تلك الهيئة؟
وأين رأى ذلك المكان؟
ولماذا شعر، في اللحظة التي ظهرت فيها الصورة، بأنه كان يقف هناك من قبل؟
حاول استحضارها مرة أخرى، لكنه لم يستطع. كلما ركز، تلاشت التفاصيل من ذاكرته، تاركة خلفها إحساسًا ثقيلًا لا يعرف مصدره.
ثم انتبه إلى شيء آخر.
لم تكن الهيئة هي أكثر ما أثار قلقه.
بل الدائرة التي وقفت داخلها.
كانت الخطوط المحفورة على الأرض متشابكة بطريقة بدت مألوفة على نحو غير مفهوم. لم يستطع تذكر شكلها كاملًا، لكنه شعر بأنه رأى نمطًا مشابهًا من قبل.
لم يعرف أين.
ولم يعرف متى.
لكنه لم يستطع التخلص من إحساس واحد.
أنه لم يكن ينظر إلى شيء غريب عنه، بل إلى شيء نسي أنه يعرفه.
في مكان بعيد عن القاعة والغرف التي نام فيها أعضاء المجموعة، كانت جينيفير تحاول أخيرًا الاسترخاء.
أطفأت المصباح، واستلقت على سريرها، ثم أغمضت عينيها.
لم تكن تتوقع أن تنام بسرعة، لكنها أرادت على الأقل أن تمنح عقلها فرصة للهدوء.
وبعد وقت لم تستطع تحديده، بدأت أفكارها تتلاشى.
ثم عادت الصورة.
الفراغ.
الخيوط.
والخيط الذي تحرك نحوها.
فتحت عينيها فجأة، واعتدلت في جلستها.
كان قلبها يخفق بعنف، لكنها هذه المرة لم تكن ترتجف بسبب الخوف وحده.
لقد تذكرت شيئًا.
أثناء قراءتها لروح دارون، وقبل أن يبدأ الخيط بالتحرك، شعرت بوجود شيء لم تنتبه إليه في البداية.
لم يكن داخل الفراغ.
ولم يكن جزءًا من الشبكة.
كان أقرب إلى أثر باهت، شيء بقي في المكان بعد أن اختفى صاحبه.
لم تستطع رؤيته بوضوح، ولم تكن متأكدة حتى من أنه كان حقيقيًا.
لكنها تذكرت الإحساس الذي رافقه.
إحساس يشبه النظر إلى أثر قدم قديمة في أرض لم يزرها أحد منذ قرون.
أثر لا يخبرك من صاحبه، لكنه يخبرك بأن أحدًا كان هنا.
رفعت جينيفير يدها إلى صدرها، وحاولت تهدئة أنفاسها.
«من أنت يا دارون؟»
لم يكن سؤالًا عن هويته الحالية.
لقد بدأت تشك في أن الإجابة لن تكون موجودة في اسمه، ولا في ذكرياته المفقودة، ولا حتى في تلك الشبكة الهائلة التي رأتها.
ربما كانت الإجابة أقدم من ذلك كله.
وربما لم يكن دارون قد فقد ماضيه فحسب.
ربما كان ماضيه قد ترك وراءه شيئًا لا يزال موجودًا، ينتظر اللحظة التي يتذكر فيها صاحبه أنه كان هناك.