الفصل 325 - بداية الكشف
جلست جينيفير على كرسي و يحيط بها الجميع ما عدا دارون كانت ترتجف من هول ما رأته.
كانت تدرك جيدا ما حدث حينها ذلك الخيط الذي اتجه نحوها لو لمسها لتفتت بالكامل.
كانت غرائزها تثور بشدة رغم أنها تحررت بالفعل إلا أن غرائزها لا تزال ثائرة بجنون.
“جينيفير!”
أتى صوت أوغستا قلقا أخرجها من اعمق أفكارها ظلمتا
رفعت جينيفير نظرها نحو أوغستا لترى نظرة قلق على وجهها لم تكن وحدها بل الجميع كذلك و الأكثر من هذا كان هناك فضول
ابتلعت جينيفير ريقها و قالت بنبرة موجهة نحو دارون
“ماذا تكون ماذا بحقك؟”
أجابها بتردد
“أنا لا أفهم حقا ماذا تتكلمين عنه”
صاحت بغضب
“أنت لست إنسانا بل من المستحيل أن تكون كذلك أنت لا تملك روحا من الأساس”
“ماذا تقصدين”
“كان هناك فراغ هائل طغى على كامل وعيي لم يكن هناك لون كل ما وجدته شبكة غير محدودة من الإرادة”
“شبكة من الإرادة؟”
كبحت جينيفير نفسها و هي تتذكر ذلك المشهد
“لم أكن أعلم حتى أن الإرادة يمكنها اتخاد ذلك الشكل، إرادتك تم تشكيلها كخيوط و نسج شبكة كاملة منها”
سألت أوغستا بفضول
“جينيفير انا لا أفهم حقا ما تقصدين بهذا”
“هذا هو المشكلة حتى أنا لا افهم تلك الشبكة لا يمكن أن تكون من صنع إنسان ماذا تكون ماذا بحقك”
صمت دارون لعدة ثوانٍ، بينما بقيت أنظار الجميع معلقة به. لم يكن في وجهه ما يدل على أنه يخفي شيئًا، لكنه لم يبدُ أيضًا كشخص سمع للتو اتهامًا غريبًا كهذا. كان يفكر في كلمات جينيفير، يحاول فهم ما الذي رأته بالضبط، ولماذا بدا عليها ذلك الرعب الذي لم تستطع إخفاءه حتى بعد انتهاء قدرتها.
«شبكة من الإرادة…»
كرر العبارة بصوت منخفض، وكأنه يتذوق كلمات لا يعرف معناها.
«هل أنت متأكدة أنك لم تريدي شيئًا آخر؟ ربما كانت قدرتك عاجزة عن فهم ما رأته، فحوّلت ذلك إلى صورة تستطيعين استيعابها.»
حدقت جينيفير فيه غير مصدقة.
«أتسخر مني؟»
«لا.»
«كدت أفقد نفسي بالكامل!»
ارتفع صوتها فجأة، وارتجفت أصابعها وهي تقبض على حافة الكرسي.
«أنا أعرف ما رأيته. لقد استخدمت قدرتي على مئات الأشخاص، ورأيت أرواحًا لم أستطع فهمها، وأخرى لم أجرؤ على النظر إليها طويلًا. لكنني لم أرَ شيئًا كهذا قط! لم تكن هناك روح، ولا لون، ولا حتى حدود أستطيع تحديدها. كان هناك فراغ هائل، وفي داخله شبكة من الإرادة لم أستطع رؤية نهايتها.»
توقفت لالتقاط أنفاسها، ثم أضافت بصوت أكثر انخفاضًا:
«وكان هناك خيط واحد… تحرك نحوي.»
شعرت أوغستا بقشعريرة تسري في جسدها.
«تحرك نحوك؟ هل هاجمك؟»
هزت جينيفير رأسها ببطء.
«لا أعرف.»
«كيف لا تعرفين؟»
«لأنه لم يفعل شيئًا!»
خرجت الكلمات منها بحدة جعلت غارموندو يتراجع قليلًا.
«لم أشعر بالعداء، ولم أشعر برغبة في قتلي. لم أشعر بأي شيء يمكنني وصفه. كل ما أعرفه أن ذلك الخيط اتجه نحوي، وعندما رأيته…»
انقبضت أصابعها على حافة الكرسي حتى ابيضت مفاصلها.
«عرفت أنني سأختفي إذا لمسني.»
لم يتكلم أحد.
حتى نيرون، الذي اعتاد التعامل مع أكثر الأمور غرابة ببرود، بدا عاجزًا عن إيجاد تفسير منطقي لما سمعه.
كان الأمر يتجاوز مجرد امتلاك دارون قدرة غريبة. إذا كانت جينيفير صادقة، فإن ما رأته لم يكن شيئًا تستطيع مقارنته بأي إرادة عرفوها. والأسوأ من ذلك أن الخيط لم يحتج إلى مهاجمتها كي يجعلها تشعر بأن وجودها بأكمله على وشك الانهيار.
قالت أوغستا أخيرًا:
«دارون، هل تعرف شيئًا عن هذا؟»
رفع عينيه إليها.
«لا.»
كانت إجابته سريعة، لكنها لم تكن حاسمة بالقدر الذي توقعته.
سأله نيرون:
«هل فقدت ذاكرتك بالكامل قبل أن نلتقي؟»
التفت دارون نحوه.
«أنت تعرف الإجابة.»
«أعرف ما أخبرتنا به. وهذا ليس الشيء نفسه.»
للمرة الأولى، بدا السؤال أكثر أهمية من مجرد محاولة العثور على تناقض في رواية دارون. فقد أمضى نيرون عقودًا في دراسة الناس، وتعلم أن الحقيقة لا تكمن دائمًا فيما يقوله المرء، بل أحيانًا فيما لا يستطيع قوله.
«أنت لا تتذكر ماضيك، لكن هل تتذكر أنك حاولت يومًا استخدام إرادتك بهذه الطريقة؟ هل شعرت بشيء يشبه ما وصفته جينيفير؟ هل سبق أن رأيت تلك الشبكة في حلم، أو أثناء فقدان وعيك؟»
لم يجب دارون فورًا.
حاول استحضار أي شيء.
سهول خضراء لا نهاية لها. سماء واسعة. شعور غامض بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. ثم الاسم الذي بقي معه حين اختفت كل الأشياء الأخرى.
دارون.
لم يكن هناك شيء آخر.
ومع ذلك، حين حاول تخيل الشبكة التي وصفتها جينيفير، شعر بوخزة خفيفة في مؤخرة رأسه.
شيء لم يكن ذكرى، لكنه لم يكن غريبًا تمامًا أيضًا.
كأن السؤال قد طرق بابًا لم يكن يعلم بوجوده.
رفع يده إلى جبينه.
«لا أتذكر.»
راقبته أوغستا بقلق.
«هل أنت بخير؟»
أبعد دارون يده عن جبينه.
«نعم. لكنني لا أستطيع مساعدتكم في شيء لا أعرفه.»
لم يقتنع نيرون تمامًا، لكنه لم يضغط عليه. فقد كان ثمة فرق بين شخص يرفض الإجابة وشخص لا يملك إجابة أصلًا، ولم يكن لديه ما يكفي للحكم على أي الاحتمالين ينطبق على دارون.
أما جينيفير، فلم تكن تنظر إلى وجهه، بل إلى يديه.
كانتا عاديتين تمامًا.
يدين بشريتين، لا تختلفان عن يدي أي رجل آخر في القاعة.
لكنها لم تستطع التخلص من الصورة التي رأتها؛ ذلك الفراغ الذي ابتلع وعيها، وتلك الخيوط التي امتدت داخله بلا نهاية ظاهرة.
كيف يمكن لشيء كهذا أن يختبئ خلف جسد بشري؟
«هناك شيء آخر.»
جعل صوتها الجميع يلتفت إليها.
رفعت جينيفير رأسها ببطء، وقد خفت ارتجافها قليلًا، لكن القلق في عينيها ازداد.
«عندما بدأت قراءة روحه، لم أشعر أنني أواجه روحًا أقوى مني. الأمر لم يكن كذلك.»
عقد غارموندو حاجبيه.
«ما الفرق؟»
«لو كانت روحه أقوى، لكنت شعرت بضغط هائل، أو بمقاومة تمنعني من التقدم. هذا ما يحدث عندما أحاول قراءة شخص يمتلك إرادة تفوق إرادتي.»
نظرت إلى دارون مجددًا.
«لكنني لم أواجه مقاومة. لم يكن هناك شيء يمنعني من الدخول.»
ابتلعت ريقها.
«كان الأمر أشبه بالدخول إلى مكان لا نهاية له، ثم اكتشاف أنني لا أملك الحق في الوجود داخله.»
شعر ألديريون بانقباض في صدره.
«هل تعنين أن إرادته لا حدود لها؟»
«لا أعرف!»
أجابت جينيفير بعصبية.
«لا أعرف إن كانت لا نهائية، ولا إن كانت الشبكة كلها تخصه، ولا حتى إن كنت قد رأيت إرادته فعلًا. كل ما رأيته كان داخل ذلك الفراغ، لكنني لا أستطيع إثبات أن كل شيء ينتمي إليه.»
ثم أضافت، وقد انخفض صوتها إلى همس:
«وربما لم أرَ سوى جزء صغير منها.»
ساد الصمت.
كانت تلك الجملة أسوأ من كل ما سبقها.
إذا كانت الشبكة التي كادت تفقد جينيفير عقلها من مجرد الشعور بها مجرد جزء صغير، فما الذي قد تحتويه بقيتها؟
ولماذا لم يكن دارون نفسه على علم بها؟
جلس غارموندو ببطء، ومسح وجهه بكفه.
«رائع. ببساطة، وجدنا رجلًا لا يعرف ماضيه، وتخبرنا امرأة بأن روحه ليست روحًا، ثم يتبين أن إرادته قد تكون شبكة لا نهاية لها. هل هناك شيء آخر ينبغي أن نعرفه قبل أن أقرر أنني فقدت عقلي؟»
«لا تبالغ.»
قالها دارون بهدوء.
حدق به غارموندو للحظات، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح.
«بالطبع. أنا أبالغ.»
لكن جينيفير لم تضحك.
كانت لا تزال تفكر في الخيط.
ذلك الخيط الذي تحرك نحوها دون أن تشعر منه بأي نية واضحة. لم يكن يشبه سلاحًا، ولم يكن يشبه يدًا امتدت لانتزاعها. كان أقرب إلى جزء من شيء هائل تحرك ببساطة، كما تتحرك إحدى قطرات المطر داخل عاصفة.
ومع ذلك، فإن لمسه كان سيعني نهايتها.
رفعت نظرها فجأة.
«دارون، أريدك أن تجيبني عن سؤال واحد.»
«تفضلي.»
«هل سبق أن شعرت بأن هناك شيئًا داخلك لا تستطيع السيطرة عليه؟»
لم يجب.
للحظة، بدا السؤال بسيطًا للغاية مقارنة بما حدث قبل قليل.
ثم قال:
«لا أتذكر أنني شعرت بشيء كهذا.»
«لم أسألك إن كنت تتذكر.»
توقفت جينيفير قليلًا، ثم تابعت:
«أسألك إن كنت قد شعرت به. حتى لو لم تعرف ماهيته.»
ثبت دارون عينيه عليها.
لم يكن السؤال عن ماضيه هذه المرة، بل عن شيء آخر. عن إحساس ربما رافقه منذ استيقاظه في تلك السهول، شيء اعتاد وجوده حتى لم يعد يلاحظه.
فكر طويلًا.
ثم قال:
«أحيانًا أشعر بأنني أفتقد شيئًا. ليس ذكرى بعينها، ولا شخصًا أعرفه. مجرد إحساس بأن هناك شيئًا ناقصًا.»
تجمدت جينيفير.
«شيء ناقص؟»
أومأ.
«لكنني لا أعرف إن كان لذلك أي علاقة بما تتحدثين عنه.»
خفضت جينيفير رأسها.
لسبب لم تستطع تفسيره، لم تبدُ إجابته كإجابة شخص يخفي سرًا، بل كإجابة شخص يقف أمام باب مغلق ولا يعرف حتى أنه يحمل المفتاح.
وفجأة، تكلمت أوغستا:
«هل يمكن أن تكون قدرته قد تسببت في فقدان ذاكرته؟»
نظر إليها نيرون.
«هذا احتمال.»
«أو ربما فقد ذاكرته لسبب آخر، وبقيت تلك الإرادة معه.»
قال ألديريون ذلك بصوت متأنٍ، ثم نظر إلى دارون.
«لكن هناك سؤالًا أهم. إذا كانت إرادته بهذه الغرابة، فلماذا لم نلاحظ شيئًا من ذلك طوال الفترة التي قضيناها معه؟»
لم يجب أحد.
كان السؤال منطقيًا أكثر مما ينبغي.
لقد وقف دارون بينهم، وتحدث معهم، وخطط معهم، بل وخضع لمواقف كان من المفترض أن تكشف شيئًا عن حقيقته لو كان ما رأته جينيفير جزءًا من إرادته المعتادة.
ومع ذلك، لم يشعر أحد بشيء.
لا ضغط هائل.
لا حضور غير طبيعي.
ولا حتى أثر يدل على أن خلف ذلك الجسد شيئًا مختلفًا عن بقية البشر.
قالت جينيفير ببطء:
«ربما لأنني لم أرَ ما يظهره للآخرين.»
ثم رفعت عينيها نحو دارون.
«ربما رأيت شيئًا لا يظهر إلا عندما يحاول أحدهم النظر إلى داخله.»
لم يتغير وجه دارون، لكن أصابع يده اليمنى انقبضت قليلًا.
لم يلاحظ ذلك أحد.
باستثناء نيرون.
لم يعلّق، بل احتفظ بالملاحظة في ذهنه، ثم عاد إلى مقعده.
«لن نصل إلى شيء بالتخمين. جينيفير، لن تستخدمي قدرتك عليه مرة أخرى حتى نفهم ما حدث. ودارون، إذا تذكرت أي شيء، مهما بدا تافهًا، فأخبرنا به.»
«حسنًا.»
كان جواب دارون عاديًا إلى درجة أثارت انزعاج غارموندو.
كيف يستطيع أن يكون هادئًا إلى هذا الحد؟
لكن دارون لم يكن هادئًا تمامًا.
كان ثمة شيء يشغله، شيء لم يجد له تفسيرًا. حين تحدثت جينيفير عن الخيط، شعر للحظة بأنه يعرف ما تعنيه، لا لأنه يتذكر رؤيته، بل لأن الوصف بدا مألوفًا بصورة يصعب تفسيرها.
كأنه سمع شخصًا يصف جزءًا من جسده لا يستطيع رؤيته.
أو كأنها تحدثت عن شيء كان يعرفه يومًا، ثم نسيه.
أغمض عينيه لثانية، محاولًا الإمساك بذلك الإحساس قبل أن يتلاشى.
لكن لم يبقَ شيء.
فتح عينيه، فوجد أوغستا تراقبه.
«دارون؟»
«أنا بخير.»
لم تسأله مجددًا.
غير أن جينيفير كانت قد سمعت إجابته، ولم تصدقها تمامًا. ليس لأنها اعتقدت أنه يكذب، بل لأنها بدأت تشك في أن ذاكرته لم تكن المشكلة الوحيدة.
ربما لم يكن الماضي هو ما فقده دارون.
ربما كان قد فقد شيئًا أعمق من الذكريات، شيئًا لا تستطيع الكلمات وصفه، ولا تستطيع قدرتها رؤيته.
شيئًا بقي في مكانه بعد أن اختفى كل ما حوله.
شيئًا لم يكن لونًا، ولا روحًا، ولا إرادة بالمعنى الذي عرفته.
وفي مكان بعيد داخل وعيها، بقيت صورة ذلك الخيط عالقة في ذاكرتها.
لم يكن قد لمسها.
لم يكن قد هاجمها.
لكنها كانت متأكدة من أمر واحد.
لو أنه أراد الوصول إليها، لما كانت المسافة بينهما تعني شيئًا.
وعلى الجانب الآخر من القاعة، وقف دارون أمام الخريطة مجددًا، وأعاد نظره إلى المدن التي ما زالت الإمبراطورية تتنازع عليها.
استمر الاجتماع.
تحدثوا عن فولك، وعن التمويل، وعن التحالفات التي سيحتاجون إليها في الأيام القادمة.