الفصل 324 - روح دارون
ظل الصمت مسيطرًا على القاعة بعد كلمات دارون.
كانت الخريطة لا تزال ممددة فوق الطاولة، وعشرات العلامات الصغيرة موزعة عليها كأنها جروح مفتوحة في جسد الإمبراطورية. المدن التي سقطت، الطرق التي انقطعت، المناطق التي أعلنت ولاءها لفصيل أو آخر… كل شيء بدا أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل ساعات.
لكن وسط ذلك كله، ظهرت للمرة الأولى نقطة يمكن البناء عليها.
فولك.
كان غارموندو أول من مد يده نحو الرسالة.
“أعطني إياها.”
رفع دارون الرسالة قليلًا قبل أن تصل إليها يده.
“لماذا؟”
“لأقرأ ما كتبه الرجل الذي ستضع أموالنا في يده.”
أجابه دارون بهدوء:
“أموالنا؟”
ابتسم غارموندو ابتسامة جانبية.
“لا تنظر إليّ هكذا. إذا كان سيمولنا، فجزء من ماله سيصبح جزءًا من مسؤولياتنا. وأنا لا أثق برجل لا أعرف كيف يفكر.”
ترك دارون الرسالة له.
أمسك غارموندو بها وبدأ يقرأها ببطء. لم يكن يقرأ كما يقرأ نيرون، الذي كان يلتقط كل كلمة ويبحث عن معناها الخفي، بل كان يقرأ كما لو أنه يفحص قطعة سلاح قبل استخدامها.
توقف عند منتصف الرسالة.
“رابطة تجارية…”
قالها بصوت منخفض.
ثم أكمل القراءة.
بعد لحظات رفع عينيه.
“هذا الرجل لم يكتفِ بملء الفراغ الذي تركه فيلمونت.”
قال دارون:
“أعرف لقد كان ينتظر سقوطه على الأرجح.”
هز غارموندو رأسه.
“بل كان مستعدًا له.”
كانت سيليكا واقفة بالقرب من النافذة، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها.
قالت دون أن تلتفت:
“وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة.”
نظر إليها دارون.
“لماذا؟”
“لأن الرجل الذي يستعد لانهيار خصمه قبل حدوثه لا يبني تجارة فقط.”
التفتت نحوه.
“إنه يبني نفوذًا.”
لم يعترض دارون كانت هذه النقطة صحيحة لطالما عرض فولك هدفه الأسمى أمامه و إيفان دون إخفاء شيء
“بناء إمبراطورية تجارية”
قالها دارون بصوت مسموع مما جعل الجميع يلتفت إليه.
هذه المرة من تكلم كانت أوغستا بنفسها
“ماذا تقصد بإمبراطورية تجارية دارون؟”
“إنه كما تعتقدون تماما لطالما كان هدف فولك من البداية هو خلق إمبراطورية تجارية تتجاوز الدول”
هز غارموندو رأسه قائلا
“هذا هراء حقيقي اتؤمن بشيء كهذا حقا؟”
نظر دارون في عيني غارموندو لعدة ثواني نظرة باردة جعلته يتلوى في مكانه من التوتر ليقول
“لا يوجد شيء مستحيل غارموندو، طالما تحلم به و تؤمن به فستحققه حتما”
تنهدت أوغستا بعمق قبل أن تعود إلى موضوعها
“إن كان كلامك صحيحا فهذا سبب كافي للثقة به”
اعترض غارموندو
“ماذا هل ستثقين به لسبب كهذا حقا؟”
“ليس تماما أنا لا أثق به أنا أثق أننا نمتلك أهدافا متبادلة”
ضحكت جينيفير ضحكة مطربة قبل أن تقول
“أحمق مثلك لم يفهم هذا غارموندو، تقصد قداستها أن رجلا نعرف هدفه يسهل التفاوض معه فبعد كل شيء نعرف تماما ما يريده”
حاول غارموندو الإعتراض أكثر لكنه توقف عندما رمقه ألديريون بنظرة غضب
“إن كان لديك إعتراض فأعطنا حلا آخر المشكلة ليست أننا نبحث عن الحل الأمثل بعد كل شيء لدينا حل واحد فقط و نحن مجبرون على قبوله”
وقف نيرون من مكانه و على وجهه تعبير قاتم
“أنا لا أثق بكلامه…”
رفع إبهامه اتجاه دارون مسببا بذلك موجة من الذهول
أجابت جينيفير بنبرة مترددة
“عزيزي نير إتهام أحدهم بالكذب غير لائق”
“أنا لم أقل أنه كاذب بل أقول أنني لا أثق به”
ابتسمت جينيفير بصعوبة و قالت
“ما سبب قولك هذا نيرو ”
“جينيفير ربما أكون اصغركم سنا إلا أنني عشت خمسة عقود بالفعل و مع ذلك خلال هذه الفترة أعرفكم جيدا و أثق بكم و لكن سيصعب علي أن أثق بشخص ظهر فجأة وسط كل هذه الفوضى و كأنه زميل قديم”
تململت جينيفير عند كلامه و ساد صمت مطبق غرفة الإجتماعات رغم أنهم لم يقولو شيئا إلا أنهم كانوا يوافقونه الكلام
صاحت أوغستا بأعلى صوتها
“إنتظر لا أعلم مقصدك بالشك من دارون إلا أنني أثق به تماما”
أجاب نيرون بهدوء تام
“أوغستا رغم أنك عشت لأكثر من قرن إلا أن خبرتك شبه معدومة بيننا تماما أن أستبعد كونه خدعك”
ازداد غضب أوغستا
“أستطيع تمييز الأكاذيب و الحيل”
أجابها
“و هناك ألاف الطرق لخداع الناس بقول الحقيقة”
“ربما يكون مخادعا جبارا يمكنه التلاعب بالحقيقة و يخبرك أنه أصدق شخص في عالمين”
ازداد عبوس أوغستا مع زيادة الإتهامات
حينها رفعت جينيفير يدها و قالت بصوت متردد
“يمكنني حل المشكلة بسهولة…”
ذهل الجميع في القاعة من حركة جينيفير الغير متوقعة منتظرين تفسيرا
“أستطيع إستخدام قدرتي عليه…”
صاح نيرون في وجهها
“مهلا لحظة ألم يكن من المفترض انك لا تملكين قدرة”
“يالوقاحتك أنا لم اقل قط أنني بلا قدرة”
اتجهت أوغستا نحو جينيفير و قالت بصوت مكسور
“كيف…؟”
صمتت جينيفير قليلا و قالت بتردد هائل
“أنتم تعرفون أنني لا امتلك قدرة و السبب لأنني رفضت الإعلان عنها دائما لأنها قدرة قذرة حقا”
صاح غارموندو بإستعجال
“هيا توقفي عن المماطلة”
أشاحت جينيفير وجهها جانبا و تمتمت بصوت مسموع
“قدرتي هي قراءة الروح… وكل شخص يحمل لونًا مختلفًا.”
ساد الصمت.
لم يفهم غارموندو ما الذي جعل جينيفير تتحدث عن قدرتها وكأنها تعترف بجريمة، بينما بقيت أوغستا تحدق بها بعينين متسعتين. حتى نيرون، الذي كان قبل لحظات يطالبها بإثبات شكوكه، لم يجد ما يقوله.
قطعت جينيفير الصمت أخيرًا.
“الأمر ليس بهذه البساطة.”
أنزلت يدها ببطء، ثم شبكت أصابعها أمام صدرها.
“أنا لا أرى أفكار الناس، ولا أستطيع معرفة كل ما فعلوه في حياتهم، ولا أستطيع إجبار أرواحهم على كشف أسرارها. ما أراه هو لون الروح.”
رفع غارموندو حاجبه.
“لون؟”
أومأت.
“كل روح لها لون يعكس حالتها الحقيقية. الذهبية تشير إلى روح تميل إلى التضحية والخير، والأزرق إلى روح متزنة وهادئة، والأحمر الداكن يظهر عندما تهيمن على الروح مشاعر العنف والغضب. الرمادي يظهر في الأرواح المتناقضة أو التي فقدت اتجاهها… أما الأسود…”
توقفت للحظة.
لم يكن في وجهها أي أثر للمزاح هذه المرة.
“فالأسود يعني أن شيئًا مظلمًا ابتلع جزءًا من الروح.”
قالت جينيفير ذلك ببطء، ثم أضافت:
“وهناك ألوان أخرى. الأبيض النقي، البنفسجي… ألوان لا تظهر إلا في حالات نادرة جدًا. لكن لا تخطئوا.”
نظر الجميع إليها.
“اللون لا يخبرني إن كان الشخص صالحًا أو شريرًا.”
عبس نيرون.
“لكن هذا يناقض كل ما قلته.”
“لا.”
رفعت جينيفير عينيها إليه.
“إنه الفرق الوحيد الذي يجعل قدرتي مفيدة.”
صمت نيرون.
تابعت:
“الروح لا تحكم على الإنسان. إنها تكشف ما أصبح عليه من الداخل.”
أشارت إلى صدرها.
“رجل قتل مئات الأشخاص ثم ندم بصدق قد لا تكون روحه سوداء. وشخص لم يرتكب جريمة واحدة في حياته قد يحمل روحًا سوداء إذا كان قلبه يتغذى على الكراهية والدمار.”
قالت أوغستا بهدوء:
“إذن لا يمكنك معرفة إن كان الشخص كاذبًا.”
ابتسمت جينيفير ابتسامة صغيرة.
“يمكنني معرفة ما إذا كانت روحه تخفي شيئًا… لكن ليس بالضرورة ما هو الشيء.”
ثم تنهدت.
“ولهذا قلت إن قدرتي قذرة.”
سأل غارموندو:
“ولماذا؟”
لم تجبه فورًا.
بدلًا من ذلك، رفعت إصبعها نحو دارون.
“لأن قراءة الروح ليست شيئًا يمكنني فعله من مسافة.”
توقفت لحظة.
“يجب أن أتصل بروح الشخص.”
تغيرت ملامح نيرون.
“وهذا يعني؟”
“أن أسمح لجزء من روحي بالدخول إلى مجال روحه.”
ثم نظرت إلى الجميع بجدية.
“وإذا كانت روح الشخص أقوى مني… يحدث العكس.”
ساد الصمت من جديد.
قالت أوغستا:
“العكس؟”
“بدلًا من أن أرى روحه…”
ابتلعت جينيفير ريقها.
“…تبدأ روحه برؤيتي.”
تجمد غارموندو.
أما نيرون فحدق بها طويلًا قبل أن يقول:
“وإذا كانت قوته هائلة؟”
“فقد لا أستطيع الانسحاب.”
لم تكن هناك حاجة لأن تشرح أكثر.
فهم الجميع معنى كلماتها.
لو حاولت قراءة روح شخص أقوى منها، فقد تتحول القدرة من وسيلة لكشف الحقيقة إلى باب يسمح لذلك الشخص بالنظر مباشرة إلى أعمق جزء منها.
قال دارون للمرة الأولى منذ بدأ الحديث:
“ومع ذلك تريدين استخدامها علي.”
لم تنظر إليه جينيفير.
“أريد ذلك.”
“لماذا؟”
رفعت عينيها إليه.
“لأنني لا أستطيع تحمل فكرة أن أترك شخصًا مثلك يدخل إلى هذه الحرب دون أن أعرف ما الذي يوجد في داخله.”
بقي دارون صامتًا.
ثم قال:
“افعليها.”
اتسعت عينا جينيفير.
“دارون…”
“هل أنت قلقة.”
كانت نبرته هادئة بصورة غريبة.
“و لكن أنا لا ألومك.”
ثم فتح ذراعيه قليلًا.
“افعليها.”
ترددت جينيفير.
للمرة الأولى منذ عرفها الجميع، بدت خائفة فعلًا.
قالت أوغستا:
“جينيفير، إذا كان هناك أدنى خطر—”
قاطعتها جينيفير.
“أعرف.”
ثم أخذت نفسًا عميقًا و اقتربت من دارون حتى أصبحت أمامه مباشرة.
رفعت يدها ببطء، لكنها توقفت قبل أن تلمس صدره.
أغلقت عينيها وتغير شيء في القاعة.
لم يكن تغيرًا يمكن رؤيته، بل شيئًا شعرت به الأرواح قبل الأجساد.
هدأت أنفاس جينيفير اختفى التردد من وجهها وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعها صدر دارون…
فتحت عينيها في البداية رأت الألوان كما يحدث دائمًا.
كان العالم أمامها قد اختفى، ولم تعد ترى الأجساد أو الملابس أو الجدران.
رأت الأرواح.
روح غارموندو كانت ذات لون دافئ يميل إلى الأحمر، تتخلله خطوط داكنة من الغضب والعناد.
روح أوغستا كانت مشرقة، يغلب عليها لون ذهبي أبيض، لكنها تحمل في أعماقها ظلالًا صغيرة من الخوف والمسؤولية.
أما روح نيرون فكانت رمادية زرقاء، هادئة من الخارج، لكنها مليئة بخيوط متشابكة من الشك والتحليل.
ألوان مختلفة أرواح مختلفة وأسرار مختلفة لكنها جميعًا كانت أرواحًا أرواحًا لها حدود.
أرواحًا يمكن للعقل أن يستوعب وجودها ثم نظرت جينيفير إلى دارون وتجمدت.
لم يكن هناك لون.
لم تكن هناك روح بالمعنى الذي تعرفه.
كان هناك…
فراغ.
فراغ هائل امتد أمام وعيها إلى درجة أنها لم تستطع رؤية نهايته لم يكن أسود.
فالأسود لون وهذا لم يكن لونًا أبدا.
كان غيابًا.
كأن شيئًا ما أخذ قطعة من العالم واقتلعها بالكامل، ثم ترك خلفها مساحة لا تنتمي إلى أي شيء.
شهقت جينيفير لكنها لم تستطع سحب يدها.
“ما… هذا؟”
لم تسمع صوتها.
لم تكن هناك أصوات أصلًا.
ثم رأت شيئًا آخر داخل ذلك الفراغ الهائل…
شبكة.
شبكة هائلة من الإرادة إرادة.
خيوط لا تُحصى تمتد في جميع الاتجاهات، متشابكة فوق بعضها البعض، بعضها رفيع كالشعيرات، وبعضها أعظم من الجبال.
لم تكن مجرد إرادة واحدة.
كانت أشبه بنظام لا تستطيع عيناها فهم حدوده.
كلما حاولت النظر إلى جزء منها، وجدت نفسها أمام جزء آخر أعمق.
ثم شعرت بها.
إرادة.
مجرد إحساس واحد بوجودها وانهارت ركبتاها.
اتسعت عيناها إلى أقصى حد.
لم تكن تشعر بالخوف.
الخوف كان كلمة صغيرة جدًا لوصف ما يحدث.
كان الأمر أشبه بأن روحها وُضعت أمام محيط لا نهاية له، ثم أُجبرت على إدراك أنها ليست سوى قطرة ماء.
ارتجف جسدها بعنف.
“لا…”
خرجت الكلمة هامسة.
حاولت سحب يدها لكنها لم تستطع.
شعرت بشيء يلامس روحها.
ليس هجومًا وليس تهديدًا مجرد وجود هائل.
لكن ذلك الوجود وحده كان كافيًا ليجعل روحها تبدأ بالاهتزاز.
تدفقت في عقلها آلاف الأحاسيس في لحظة واحدة.
العجز.
الضآلة.
الفراغ.
ثم شيء أسوأ.
الإحساس بأنها كانت تقف على حافة شيء لا ينبغي للإنسان أن ينظر إليه.
شعرت وكأن عقلها يتشقق وكأن روحها نفسها بدأت تفقد شكلها.
للحظة، فهمت جينيفير لماذا كانت هذه القدرة قذرة.
ولم يكن ذلك لأن قراءة الروح تكشف أسرار الآخرين بل لأن بعض الأرواح…
لا ينبغي النظر إليها.
تذكرت فجأة شيئًا قديمًا.
أول مرة حاولت فيها استخدام قدرتها على شخص من أصحاب الإرادة القوية.
كان مجرد اختبار.
مجرد محاولة لمعرفة حدود قدرتها.
ذلك الشعور حينها كان كافيًا لجعلها تفقد وعيها لثوانٍ.
لكن ما كانت تشعر به الآن…
لم يكن مشابها لتلك الحادثة أبدا بل كان أقرب لإختبار السديم.
كان الأمر أشد سوءًا من اختبار السديم بمليون مرة.
في اختبار السديم، شعرت أن جسدها عاجز أمام قوة الوجود كانت فقط بحاجة للحفاظ على نفسها بضع ثواني.
أما الآن…
فقد شعرت أن روحها نفسها لا تملك الحق في الوقوف هنا وفجأة، تحركت إحدى خيوط الإرادة.
لم تكن جينيفير متأكدة إن كانت قد تحركت فعلًا أم أن عقلها هو الذي انهار أمام حجمها.
لكنها شعرت بها وشعرت بشيء آخر.
ذلك الفراغ…
كان قد لاحظ وجودها انقطعت أنفاسها.
وفي اللحظة التالية، انطلقت صرخة حادة داخل عقلها.
سحبت يدها بكل قوتها.
تراجعت عدة خطوات وسقطت على الأرض.
“جينيفير!”
اندفعت أوغستا نحوها.
لكن جينيفير رفعت يدها بسرعة، تمنعها من الاقتراب.
كانت تحدق في دارون وجهها شاحب و شفتيها ترتجفان لم تستطع الكلام لعدة ثوانٍ.
ثم قالت بصوت بالكاد خرج منها:
“لا تقرؤوا روحه.”
ساد الصمت.
نظر نيرون إليها.
“ماذا رأيتِ؟”
حدقت جينيفير في دارون ثم ابتلعت ريقها.
“لم أرَ روحًا.”
صمتت.
“رأيت فراغًا.”
تبادل الجميع النظرات.
أما دارون…
فلم يتغير تعبير وجهه.
بقي واقفًا في مكانه.
هادئًا وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن جينيفير كانت تعرف الآن أن هدوءه هو أكثر الأشياء رعبًا في تلك القاعة.