الفصل 323
اجتمع الجميع حول طاولة مستديرة في إحدى قاعات قصر العدالة.
كانت خريطة الإمبراطورية ممددة فوق سطح الطاولة، وقد وضعت عليها عشرات العلامات الصغيرة التي تمثل المدن والجبهات والمناطق التي تغيرت السيطرة عليها خلال الأيام الماضية.
جلست أوغستا في مقدمة الطاولة.
إلى يمينها جلس ألديريون، وبجواره جينيفير.
وعلى الجانب الآخر جلس نيرون وغارموندو وآدم.
أما سيليكا فكانت واقفة خلف أوغستا، تراقب الخريطة بصمت.
وكان دارون يقف بعيدًا عنهم عند زاوية الغرفة، مستندًا إلى الجدار، وفي يده رسالة مختومة.
قالت أوغستا:
“لنبدأ.”
أشارت إلى الخريطة.
“هدفنا الأول واضح. علينا الوصول إلى المدن التي فقدت السلطة المركزية السيطرة عليها، وإنشاء مراكز آمنة للمدنيين.”
أومأ ألديريون.
“سأشرف على إنشاء الملاجئ واستقبال الفارين.”
قالت جينيفير:
“وسأتولى المستشفيات. لدينا عدد من المعالجين داخل قصر العدالة، لكننا سنحتاج إلى المزيد.”
قال نيرون:
“سأتولى نقل المعلومات. إذا تركنا الأخبار بيد الفصائل المتصارعة، فستتحول الإمبراطورية إلى فوضى من الشائعات.”
ثم أشار غارموندو إلى الخريطة.
“وأنا سأهتم بالطعام.”
ابتسم آدم.
“وأنا سأبحث عن الأشخاص القادرين على إدارة المدن والمناطق التي سنصل إليها.”
هزت أوغستا رأسها.
“جيد.”
أخذت قلمًا ووضعت علامة على إحدى المدن.
“نبدأ من هنا.”
ثم انتقلت إلى المدينة التالية.
“ثم هذه.”
ثم ثالثة.
“وبعدها نتوسع تدريجيًا.”
كان كل شيء يسير بصورة منظمة.
للمرة الأولى، بدا أن قصر العدالة قادر بالفعل على تحويل نفسه من فصيل منعزل إلى قوة حقيقية على الأرض.
لكن بعد مرور بعض الوقت…
توقفت أوغستا.
نظرت إلى الأرقام المكتوبة أمامها.
ثم قالت:
“كم نملك؟”
ساد الصمت.
نظر غارموندو إلى الأوراق أمامه.
“من المال؟”
“نعم.”
تنهد.
“أقل مما نحتاج.”
قالت جينيفير:
“كم أقل؟”
رفع غارموندو عينيه.
“بكثير.”
اقترب ألديريون من الطاولة.
“ماذا تقصد؟”
أجاب غارموندو:
“إذا أردنا إطعام المدنيين في المدن التي نخطط لحمايتها، ودفع تكاليف العلاج، وإعادة بناء المساكن، وتأمين الطرق، وشراء الدواء والسلاح والخيول…”
توقف لحظة.
“سنفلس.”
لم يقل أحد شيئًا.
أضاف:
“حتى لو استخدمنا كل ما نملكه، فلن يكفينا ذلك سوى لفترة قصيرة.”
نظرت أوغستا إلى الخريطة.
كانت أمامها عشرات المدن.
آلاف الجرحى.
مئات الآلاف من المدنيين.
وجيوش متصارعة تتحرك في كل مكان.
قالت بهدوء:
“وماذا عن الضرائب؟”
ضحك غارموندو بمرارة.
“من سيدفع الضرائب؟”
ثم أشار إلى الخريطة.
“هذه المدن خرجت للتو من الحرب.”
“التجار خسروا بضائعهم.”
“المزارع دمرت.”
“الطرقات مقطوعة.”
“والناس الذين نريد حمايتهم بالكاد يملكون ما يكفي لإطعام أنفسهم.”
خفضت أوغستا رأسها.
كان هذا هو أول عدو حقيقي لم تستطع مواجهته بالإرادة.
لا جيش.
لا مجسد.
لا قائد.
بل شيء أبسط بكثير.
المال.
قالت جينيفير:
“يمكننا تقليل النفقات.”
رد غارموندو:
“فعلت.”
“يمكننا تأجيل إعادة البناء.”
“فعلت.”
“يمكننا الاعتماد على التبرعات.”
هز غارموندو رأسه.
“لن تكفي.”
ساد الصمت.
قال نيرون:
“إذن لدينا مشكلة.”
أجاب غارموندو:
“بل لدينا أكبر مشكلة.”
في زاوية الغرفة، كان دارون قد انتهى من قراءة الجزء الأول من الرسالة.
رفع عينيه عن الورقة.
كان مضمونها مختصرًا.
سقوط فيلمونت مؤكد.
انتصار التحالف.
انتهاء الحرب في المدن التابعة له.
لم تكن هناك تفاصيل.
لا أسماء.
لا شرح لما حدث في مدينة البخار.
لكن ذلك كان كافيًا.
أخذ دارون نفسًا هادئًا.
فيلمونت مات.
إذن انتهى أحد أخطر أجزاء الحرب.
عاد نظره إلى الرسالة.
ثم تابع القراءة.
تغيرت ملامحه قليلًا.
كانت هناك فقرة أخرى.
فقرة لم يتوقعها.
قرأها مرة ثانية.
ثم ابتسم.
اقتربت سيليكا منه.
“ماذا هناك؟”
لم يجبها فورًا.
طوى الرسالة.
ثم رفع عينيه نحو أوغستا.
“لدي اقتراح.”
التفت الجميع إليه.
قالت أوغستا:
“ماذا؟”
اقترب دارون من الطاولة ووضع الرسالة فوقها.
“كم تحتاجون من المال؟”
نظر غارموندو إليه باستغراب.
“الكثير.”
“هذا ليس رقمًا.”
تردد غارموندو.
ثم قال:
“إذا أردنا تنفيذ الخطة كاملة؟”
“نعم.”
أخذ غارموندو ورقة وكتب رقمًا.
نظر دارون إليه.
ثم قال:
“يمكننا الحصول عليه.”
تجمد الجميع.
قالت أوغستا:
“من أين؟”
رفع دارون الرسالة.
“فولك.”
ساد الصمت.
قال نيرون:
“فولك؟”
أومأ دارون.
“وصلتني رسالة منه.”
ثم نظر إلى أوغستا.
“أكد فيها سقوط فيلمونت وانتصارنا.”
تغيرت ملامح أوغستا.
لكن دارون تابع:
“وهذا ليس الجزء المهم.”
فتح الرسالة مرة أخرى.
“فولك أنشأ رابطة تجارية.”
اقترب غارموندو.
“رابطة؟”
“نعم.”
قال دارون:
“رابطة تضم جميع المدن التي كانت تحت طغيان فيلمونت.”
أدركت سيليكا الأمر بسرعة.
“لقد استغل سقوط فيلمونت.”
أومأ دارون.
“تمامًا.”
قال:
“المدن التي كانت مغلقة أمام التجار بدأت تفتح أبوابها.”
“الطرق التجارية التي كانت خاضعة لسلطة فيلمونت أصبحت حرة.”
“وفولك جمع التجار وأصحاب رؤوس الأموال من تلك المدن وأنشأ رابطة واحدة.”
ثم ابتسم.
“إنه يبني إمبراطورية تجارية.”
نظر غارموندو إلى الخريطة.
وبدأت الفكرة تتضح أمامه.
“والمدن التي سنسيطر عليها…”
قال دارون:
“ستكون جزءًا من هذه الشبكة.”
تدخلت سيليكا:
“لكن قصر العدالة لن يسمح للتجار بالدخول بحرية.”
قال دارون:
“وهنا يأتي الاتفاق.”
نظر إلى أوغستا مباشرة.
“ننشئ علاقة رسمية بين قصر العدالة وفولك.”
سألته:
“ماذا سيحصل عليه؟”
“حرية دخول المدن التي تقع تحت سيطرة قصر العدالة.”
صمت لحظة.
“تجارته ستصل إلى مناطق جديدة.”
ثم أشار إلى الخريطة.
“سيحصل على أسواق جديدة.”
“طرق جديدة.”
“موارد جديدة.”
“ومع الوقت ستصبح رابطته واحدة من أكبر القوى التجارية في الإمبراطورية.”
قال غارموندو:
“وماذا سنحصل نحن؟”
أجاب دارون:
“المال.”
نظر إليه الجميع.
تابع:
“فولك يمول عملية الإنقاذ.”
“قصر العدالة يوفر له الحماية وحرية التجارة.”
“هو يحتاج إلى الاستقرار.”
“ونحن نحتاج إلى التمويل.”
ثم قال:
“كل طرف يملك ما يحتاجه الطرف الآخر.”
جلست أوغستا صامتة.
كانت تنظر إلى الخريطة.
ثم إلى الرسالة.
ثم رفعت عينيها نحو دارون.
“ألا تخشى أن يصبح فولك قويًا أكثر من اللازم؟”
ابتسم دارون.
“سيصبح قويًا.”
تجمدت أوغستا.
أكمل:
“لكنني لا أرى ذلك مشكلة.”
“لماذا؟”
“لأننا لا نحاول بناء إمبراطورية صغيرة.”
ثم نظر إلى المدن المنتشرة على الخريطة.
“نحن نحاول إنقاذ إمبراطورية تنهار.”
صمت.
“إذا كان نمو فولك التجاري سيساعد على إنقاذ مئات الآلاف من الناس، فما المشكلة في أن يصبح أقوى؟”
قالت سيليكا:
“هناك مشكلة أخرى.”
التفت إليها دارون.
“ما هي؟”
“الثقة.”
قالت:
“كيف نضمن أن فولك لن يستغل نفوذه التجاري للتدخل في شؤون المدن؟”
أجاب دارون:
“بعقد.”
ثم أضاف:
“يُسمح لتجار الرابطة بالدخول والتجارة فقط.”
“لا تدخل سياسي.”
“لا تجنيد.”
“لا تشكيل قوات.”
“ولا امتلاك أراضٍ داخل المدن إلا بموافقة قصر العدالة.”
نظر إلى أوغستا.
“وبالمقابل، نضمن لهم حماية الطرق التجارية وعدم مصادرة بضائعهم أو فرض رسوم تعسفية عليهم.”
صمتت أوغستا طويلًا.
ثم ابتسمت.
“إنها صفقة.”
قال غارموندو:
“بهذه السرعة؟”
التفتت إليه.
“ماذا تريدني أن أفعل؟”
ابتسمت.
“أن أنتظر حتى يموت الناس جوعًا؟”
ضحك غارموندو.
لكن ألديريون لم يضحك.
كان ينظر إلى دارون باهتمام.
“أنت لم تفكر في المال فقط.”
نظر إليه دارون.
“ماذا تقصد؟”
قال ألديريون:
“أنت تبني شيئًا أكبر.”
لم يجب دارون.
لأنه كان يعرف أنه محق.
فولك يحتاج إلى مدن.
وقصر العدالة يحتاج إلى المال.
لكن العلاقة بينهما قد تصبح أكثر من مجرد صفقة.
يمكن أن تصبح شبكة اقتصادية تمتد عبر الإمبراطورية كلها.
قالت أوغستا:
“أرسلوا رسالة إلى فولك.”
ثم وقفت.
“أخبره أن قصر العدالة مستعد للتفاوض.”
نظرت إلى الجميع.
“إذا كان يريد بناء إمبراطورية تجارية…”
ابتسمت.
“فسنساعده على بنائها.”
ثم أضافت:
“وبالمقابل، سيصبح مسؤولًا عن تمويل إنقاذ الناس الذين تركتهم الحرب خلفها.”
ساد الصمت.
ثم قال دارون:
“هكذا يبدأ الأمر.”
سألته أوغستا:
“ماذا؟”
نظر إلى الخريطة.
“بناء القوة.”
ثم ابتعد عن الطاولة.
“يمكن بناء قوة عندما يجتمع التخطيط الجيد و التمويل الكافي”
وفي تلك اللحظة، بدأ أول خيط حقيقي يربط بين قصر العدالة والعالم الخارجي.
لم يكن جيشًا.
ولم يكن تحالفًا عسكريًا.
كان عقدًا تجاريًا.
لكن ذلك العقد الصغير…
كان يحمل في داخله إمكانية تغيير ميزان القوى في الإمبراطورية بأكملها.