الفصل 322 - الأمل
ساد الصمت بعد كلمات أوغستا.
لم يكن صمت احترام.
كان صمت أشخاص يحاولون استيعاب ما قالته للتو.
وقفت القديسة فوق الدرج، تنظر إلى الفضائل الخمسة المجتمعين أمامها دون أن تتراجع خطوة واحدة.
كان غارموندو أول من كسر الصمت.
ضحك بسخرية قصيرة، ثم عقد ذراعيه أمام صدره.
“في مركزها؟”
رفع رأسه نحو أوغستا.
“هل تدركين أصلًا ما تقولينه؟”
لم تجبه.
تابع بصوت أكثر جدية:
“الإمبراطورية لا تمر بأزمة عادية. الجبهة أعلنت تمردها، والإمبراطور لن يسمح لها بالتمدد، والنبلاء بدأوا بتحريك ثرواتهم لحماية أنفسهم. هناك مجسدون في كل جانب، وجيوش كاملة بدأت بالتحرك.”
أشار بيده نحو العاصمة.
“وأنت تريدين أن تقفي بينهم وتحمي الشعب؟”
قالت أوغستا بهدوء:
“نعم.”
اختفت السخرية من وجه غارموندو.
“ولماذا؟”
“لأنهم يحتاجون إلى من يحميهم.”
ضحك مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان ضحكه أقرب إلى الغضب.
“هذا ليس جوابًا.”
“بل هو الجواب الوحيد الذي أحتاجه.”
تجمد غارموندو للحظة.
تقدمت جينيفير خطوة إلى الأمام.
كانت ابتسامتها المعتادة قد اختفت.
“أوغستا، أفهم رغبتك في مساعدة الناس، لكن عليك التفكير بعقلانية.”
نظرت إليها أوغستا.
“أنا أفكر بعقلانية.”
“لا.”
هزت جينيفير رأسها.
“أنت تفكرين بقلبك.”
ساد الصمت من جديد.
قالت جينيفير:
“وهذا جميل بالنسبة لقديسة، لكنه خطير بالنسبة لشخص يقود فصيلًا.”
خفضت أوغستا عينيها للحظة.
ثم رفعت رأسها.
“وماذا تريدين مني أن أفعل؟”
لم تجب جينيفير.
تابعت أوغستا:
“أن أغلق الأبواب؟”
خطت خطوة إلى الأمام.
“أن أجلس هنا في مكان آمن بينما يموت الناس في الشوارع؟”
خطوة أخرى.
“أن أراقب الإمبراطورية وهي تحترق وأخبر نفسي بأنني لم أكن أملك القوة الكافية؟”
ارتفع صوتها تدريجيًا.
“إذا كان هذا هو معنى أن أكون قائدة، فأنا أرفضه.”
نظر إليها نيرون بصمت.
كان أصغر الفضائل سنًا، وملامحه البريئة المعتادة لم تعد موجودة.
قال:
“وماذا سنفعل إذا فشلنا؟”
أجابته أوغستا دون تردد:
“سنفشل ونحن نحاول إنقاذهم.”
“وماذا لو مات أحدنا؟”
“سنموت ونحن نحاول.”
“وماذا لو خسرنا كل شيء؟”
ابتسمت أوغستا ابتسامة هادئة.
“عندها على الأقل لن نخسر أنفسنا.”
ساد الصمت.
كان آدم يراقبها منذ البداية دون أن يتدخل.
أما غارموندو فكان لا يزال رافضًا.
“كلمات جميلة.”
قالها ببرود.
“لكن الكلمات لا توقف السيوف.”
ثم أشار إلى نفسه.
“أنا لا أملك جيشًا.”
وأشار إلى الآخرين.
“هم كذلك.”
ثم رفع يده نحو أوغستا.
“وأنتِ حتى الآن لا تملكين سوى اسم القديسة.”
لم تتغير ملامح أوغستا.
“إذن سنبدأ بما نملك.”
“وماذا نملك؟”
أجابت:
“بعضنا.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
“ثم نبحث عن الباقي.”
هز غارموندو رأسه.
“هذا جنون.”
استدارت أوغستا نحو الطريق الممتد خلفهم.
“ربما.”
ثم قالت:
“لكنني لن أختبئ.”
تجمد غارموندو.
“أنا لن أختبئ.”
كانت الكلمات بسيطة.
لكن شيئًا في نبرة أوغستا جعلها أثقل من أي خطاب.
“سأبدأ عملية الإنقاذ اليوم.”
رفعت يدها وأشارت نحو المدينة.
“سنفتح أبواب قصر العدالة أمام الجرحى والفارين.”
ثم أشارت إلى الطرق.
“سنرسل فرقًا إلى المناطق التي انهارت فيها السلطة.”
“سننقل الطعام والدواء.”
“سنحمي المدنيين.”
“سنستقبل الجنود الذين ألقوا أسلحتهم.”
ثم التفتت إليهم.
“ومن يريد أن يعيش بعيدًا عن هذه الحرب، سنحميه.”
كانت عيناها تلمعان.
“ومن يريد العودة إلى عائلته، سنساعده.”
“ومن لا يملك عائلة…”
توقفت للحظة.
ثم قالت:
“سيجد عائلة هنا.”
لم يجب أحد.
استدارت أوغستا وبدأت بالنزول من الدرج.
لكن قبل أن تخطو خطوتها الأخيرة، جاء صوت من الخلف.
“انتظري.”
توقفت.
كان ألديريون.
الرجل الأكبر سنًا بين الفضائل.
رفع رأسه ببطء.
كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن السابق.
لم يكن غاضبًا.
لم يكن مترددًا.
كان ينظر إلى أوغستا وكأنه يرى شيئًا آخر من خلالها.
شيئًا بعيدًا جدًا.
شيئًا دفنه الزمن منذ سنوات طويلة.
تقدم خطوة.
ثم أخرى.
كانت عيناه مثبتتين عليها.
“أوغستا…”
التفتت إليه.
“نعم؟”
لم يجب.
ارتجفت يده قليلًا.
لم يفهم أحد سبب ذلك.
لكن ألديريون كان يرى أمامه صورة أخرى.
امرأة قديمة.
قديسة سبقت أوغستا بسنوات طويلة.
قديسة حملت الاسم نفسه ذات يوم.
كانت تقف أمام الناس بالطريقة نفسها.
بلا جيش.
بلا سلطة.
وبلا ضمان للنصر.
ومع ذلك كانت تفتح أبوابها لكل من يطرقها.
كان يتذكر يومًا بعيدًا.
كان صغيرًا آنذاك.
وقد وقف بين مجموعة من اللاجئين، يراقب جنودًا يطردون الناس من أمام أحد المعابد.
ثم ظهرت هي.
القديسة السابقة.
لم تكن تملك جيشًا.
لكنها وقفت أمام الجنود وحدها.
قالت لهم يومها:
“إذا كنتم تبحثون عن شخص يخاف منكم، فأنتم أخطأتم المكان.”
ثم فتحت أبواب المعبد.
ولم تسأل أحدًا عن اسمه.
ولا عن أصله.
ولا عن الطرف الذي كان يقاتل معه.
قالت فقط:
“من يحتاج إلى المساعدة يدخل.”
كان ألديريون قد نسي الكثير من تلك الأيام.
نسي أصوات الناس.
نسي وجوه الجنود.
نسي حتى شكل المعبد.
لكنه لم ينسَ تلك الجملة.
والآن…
كانت فتاة أخرى تقف أمامه وتقول الشيء نفسه تقريبًا.
لم تكن هي.
كان يعرف ذلك.
لكن روحها…
كانت متشابهة بشكل مخيف.
شعر ألديريون بشيء يتحرك في صدره.
حزن قديم.
حنين.
ندم.
وأمل.
كلها اجتمعت في لحظة واحدة.
رفع يده ووضعها على صدره.
ثم أغمض عينيه.
تمتم بصوت لم يسمعه سوى القريبون منه:
“بعد كل هذه السنوات…”
فتحت أوغستا عينيها باستغراب.
رفع ألديريون رأسه.
كانت عيناه تلمعان.
ثم تقدم حتى أصبح أمامها.
“كنت أظن أنني لن أرى ذلك مجددًا.”
سألته أوغستا:
“ماذا؟”
ابتسم ألديريون ابتسامة حزينة.
“قديسة تؤمن بالأمل للشعب أكثر مما تؤمن به لنفسها”
ساد الصمت.
قالت أوغستا:
“أنا لا أعرف من تتحدث عنه.”
“أعرف.”
ابتسم.
“لكنني أعرف ما أراه.”
ثم استدار نحو بقية الفضائل.
“كنت مخطئًا.”
نظر غارموندو إليه باستغراب.
“ماذا؟”
قال ألديريون:
“كنت أظن أن بقاءنا بعيدًا عن الصراع هو الرحمة.”
خفض رأسه قليلًا.
“لكنني نسيت أن الرحمة لا تعني أن نغلق أعيننا عن الألم.”
ثم رفع رأسه.
“إذا كانت أوغستا تريد حماية الشعب…”
نظر إليها مباشرة.
“…فسأقف معها.”
اتسعت عينا جينيفير.
أما نيرون فبقي صامتًا.
وغارموندو قطب حاجبيه.
“ألديريون، فكر جيدًا.”
“لقد فكرت.”
“أنت تعرف حجم الخطر.”
“أعرف.”
“وقد نموت.”
“أعرف.”
“وقد نخسر.”
“أعرف.”
ثم ابتسم ألديريون.
“لكنني سئمت من النجاة بينما يموت الآخرون.”
ابتسم ألديريون ابتسامة متعبة
“أنا بالفعل رجل عجوز عاش قرنين من الزمن ما الذي يخيفني في المخاطرة”
تجمد غارموندو.
أما أوغستا فلم تقل شيئًا.
كان ألديريون ينظر إليها الآن وكأنه يرى أمامه فرصة أخيرة.
فرصة لإكمال شيء بدأ منذ زمن بعيد.
ثم انحنى أمامها.
“سأكون أول من يفتح أبواب ملجئنا.”
رفعت أوغستا حاجبيها.
“ألديريون…”
رفع رأسه.
“لا ترفضي.”
كانت ابتسامته هادئة.
“لقد انتظرت طويلًا جدًا لأرى قديسة أخرى تسير على نفس النهج الذي سارت عليه”
صمت للحظة.
ثم قال:
“لن أجعلها تقف وحدها هذه المرة.”
شعرت أوغستا بشيء دافئ في صدرها.
لم تعرف ما الذي رآه ألديريون فيها.
لكنها فهمت شيئًا واحدًا.
لم تعد وحدها.
استدار ألديريون نحو الآخرين.
“من معي؟”
لم يجب أحد.
مرت ثوانٍ.
ثم تقدمت جينيفير.
اختفت ابتسامتها المترددة وعادت ابتسامة أخرى أكثر دفئًا.
“إذا كان ألديريون قد قرر المخاطرة…”
وضعت يدها على صدرها.
“…فلا أستطيع أن أكون أقل شجاعة منه.”
تقدم نيرون بعدها.
“أنا أيضًا.”
نظر الجميع إلى غارموندو.
كان وجهه متجهمًا.
تنهد بعمق.
“تبًا…”
مرر يده في شعره المبعثر.
“أنتم تجعلون رفضي يبدو كأنني جبان.”
ضحك ألديريون.
“لأنك جبان.”
“اصمت أيها العجوز.”
ثم تقدم غارموندو.
“سأساعد.”
وأخيرًا نظر الجميع إلى آدم.
ظل صامتًا للحظات.
ثم انحنى لأوغستا.
“إذا كان هذا هو الطريق الذي اخترته…”
رفع رأسه.
“فسأمشي فيه.”
نظرت أوغستا إلى الجميع.
لأول مرة منذ وصولها إلى هذا المكان، شعرت أن العبء فوق كتفيها أصبح أخف.
لم تحصل على جيش.
لم تحصل على سلطة.
لم تحصل على ضمان للنصر.
لكنها حصلت على شيء ربما كان أهم من كل ذلك.
أشخاص يؤمنون بها.
ابتسمت أوغستا.
ثم استدارت نحو الطريق.
“إذن لنضيع المزيد من الوقت.”
رفع ألديريون رأسه.
“إلى أين؟”
أجابت:
“إلى الناس.”
ثم بدأت بالسير.
وخلفها تحركت الفضائل واحدًا تلو الآخر.
وفي مكان بعيد عنهم، كانت الإمبراطورية تدخل واحدة من أكثر لياليها ظلامًا.
الجبهات تنهار.
الإمبراطور يستعد للحرب.
النبلاء يحشدون ثرواتهم.
والمدن تستعد للفوضى.
لكن للمرة الأولى…
بدأ ضوء صغير يظهر في مكان ما.
ضوء لم يكن جيشًا.
ولا سيفًا.
ولا قوة مجسد.
بل امرأة قررت أن تقف أمام العاصفة وتقول:
“لن أسمح لكم بقتل الأمل.”