الفصل 317 - فيلمونت
كان القصر المركزي آخر مكان بقي هادئًا في مدينة البخار.
خلف أسواره، كانت الحرب تلتهم المدينة.
أبراج تحترق، مبانٍ منهارة، ودخان أسود يغطي السماء حتى بدت الشمس كجرح أحمر بعيد.
لكن القصر ظل قائمًا.
صامتًا ونظيفًا.
وكأن الحرب لم تصل إليه أصلًا.
دفعت سكارليت الباب الرئيسي بيدها، ودخلت.
تبعها ستارك، ثم إيفان وبوريس.
لم يتحدث أحد.
كانت خطواتهم الأربعة تتردد في القاعة الرخامية الطويلة.
كان المكان فارغا لا أحد يتواجد فيه لا حرس لا خدم و لا حتى جنود.
قال بوريس بهدوء
“هذا المكان يشعرني بعدم الإرتياح”
لم يستجب أحد لكلامه.
كانت سكارليت أشدهم حذرا لأن جدران القصر كانت تمتص الأصوات.
رفعت سكارليت نظرها نحو آخر الممر هناك كان باب ضخم من الخشب الأسود مصقول بعناية.
“يبدو أننا بلغنا هدفنا”
كان تركيز الجميع منصبا نحو الباب الخشبي الضخم.
سار الأربعة بخطوات متزامنة و هادئة حتى أصبح الباب على بعد خطوة واحدة منهم.
ببطء مدت سكارليت يدها نحو الباب و دفعته برفق.
صدر صوت أزيز عالي تبعه فتح الباب.
خلفه كانت غرفة تحمل طابعا من الفخامة الغير طبيعية مكتبة بلغت حتى السقف مليئة بالكتب المتعددة
على الأرض سجاد مطرز بدقة و بفراء عالي الجودة.
كان هناك أثاث يمكن وصفه من النظرة الأولى أنه لا مثيل له
وسط كل هذا ارتفعت نافذة هائلة تكشف كامل المدينة منها و أمام تلك النافذة وقف رجل
كان يرتدي ملابس سوداء فاخرة بخطوط ذهبية دقيقة، مصممة بعناية تجعل مظهره أقرب إلى أحد النبلاء الذين لا يسمحون لأنفسهم بارتداء شيء غير كامل.
شعره مرتب.
استدار الرجل لمقابلتهم وجها لوجه
كان وسيما لا كان جميلا.
ببساطة كان قمة الوسامة و الجمال كبشري لدرجة أن الجميع انتفضوا من النظرة الأولى
العجيب أنه بدا كشاب في مقتبل العشرين من عمره رغم تأكيد فولك على أن عمره على باب الستينات
فوق كل هذا أدرك كل من إيفان و سكارليت و ستارك شيء واحد لا يمكن تجاهله
كان متحكما و الأكثر من هذا كان متحكما شاملا.
لم يكتفي الأمر عند هذا الحد
كان أول ما ظهر حول عنقه وشاح أثري أسود، يتحرك رغم عدم وجود أي ريح.
ثم خواتم كثيرة في كلتا يديه تقريبًا.
ثلاث حلقات أذن، كل واحدة منها أثر مختلف.
سواران أثريان حول معصميه.
وتحت ملابسه، شعرت سكارليت بوجود المزيد.
الكثير من الآثار.
حتى إن الرجل بدا وكأنه يحمل ترسانة كاملة فوق جسده.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة و لطيفة و مع ذلك كان كافيا لغرس الرعب داخلهم.
“أربعة أشخاص إذا هذا كل من إستطاع الوصول هنا”
نظر فيلمونت إليهم واحدا تلو الآخر و قال
“قائدة من التحالف و قائد فرقة إنقاذ سيفيا و نكرة يحاول التمسك بظل صديقه…”
التفت فيلمونت نحو إيفان و قال
“الوحش الذي سيخلف لوري كروز”
قال ستارك بدهشة
“أكنت تعرف كل شيء؟”
ظهرت على وجه فيلمونت أول تعبير حقيقي و الغريب أنه كان أقرب للدهشة
“إنتظر يا فتى هل كنتم تعتقدون حقا أنني لا أعرف خططكم…”
أكمل بهدوء
“أنا دوق في هذه الإمبراطورية الشاسعة و لدي عيون في كل مكان و حلفاء لا يمكنكم تصورهم”
هذه المرة أجابت سكارليت
“إذا كنت تعلم كل شيء فلماذا لم تحاول إيقافنا؟”.
نظر إليها فيلمونت في صمت ثم نظر إلى المدينة تحته و
قال
“حسنا سأخبركم بهذا لجهلكم بالوضع…”
“أولا كنت سأنتهي عاجلا أم آجلا…”
“ماذا…” حاول إيفان مقاطعته لكن فيلمونت أكمل قائلا
“حاليا الجبهات الخمس في الشمال تحت ضغط هائل و كاستر فارس الرحمة مشغول و أيضا بعد فتح خط قتال جديد إنها مسألة وقت فقط لتنهار الجبهات الشمالية”
قالت سكارليت بتردد
“أتقول إن الإمبراطورية ستخسر”
صمت فيلمونت قليلا ثم قال
“في الحقيقة لم نكن لنخسر أبدا لدينا تسعة مجسدين بعد كل شيء”
رفع يده و مسح على شعره و قال
“التاج الساقط ستتدخل مرة أخرى فبعد كل شيء هدفهم الأسمى خلق الفوضى و الدمار”
سأل بوريس بفضول
“التاج الساقط؟…”
تنهد فيلمونت بعمق و قال
“إنهم من تسببوا في الحرب العظمى قبل خمسة قرون و بصفتي أكثر من يعرف عنهم سيأتون لقتلي”
ضحك فيلمونت بسخرية و قال
“بعد كل شيء كنت أعظم حليف لهم في الإطاحة بالمبجل أرين”
“المبجل؟ ما الذي تتكلم عنه ماذا بحقك؟”
ضحك فيلمونت بجنون و قال
“لن تفهموا شيئا لن تفهموا أبدا ما يحدث في هذا العالم ”
ضحك فيلمونت و تصاعدت قهقهاته
“أنتم تسمّونني طاغية لأنني فعلت ما لم تملكوا الشجاعة لفعله.”
“هل تظنون أن الإمبراطوريات تُبنى بالنوايا الحسنة؟ هل تعتقدون أن آلاف الجنود يموتون في الحروب لأن أحدهم أراد ذلك؟ لا… يموتون لأن رجلًا واحدًا قرر أن مصلحته أهم من حياتهم.”
“الفرق بيني وبينكم أنني لم أكذب على نفسي.”
“أنتم تقولون: هذا شريف، وهذا خائن. هذا بطل، وهذا مجرم. هذا يستحق الحياة، وهذا يستحق الموت… لكن عندما تتغير موازين القوة، تتغير أسماء الأشياء معًا.”
“الخيانة ليست خيانة عندما ينجح الخائن.”
“والقتل ليس جريمة عندما يكتب المنتصر التاريخ.”
“لقد دسست المكائد، نعم. جعلت الرجال يقتلون بعضهم، نعم. أسقطت عائلات كاملة، وتسببت في موت من لا أعرف حتى أسماءهم… وهل تظنون أنني أشعر بالندم؟”
“الندم رفاهية من يملك وقتًا ليحلم بعالم كان يمكن أن يكون أفضل.”
“أنا لا أريد عالمًا عادلًا. العدالة كذبة اخترعها العاجزون كي يواسوا أنفسهم عندما يخسرون.”
“أريد عالمًا واضحًا.”
“عالمًا يعرف فيه كل إنسان مكانه. القوي يأمر، والضعيف يطيع. ومن يرفض… يصبح مثالًا لمن يفكر في الرفض.”
ثم يبتسم بهدوء:
“أتدرون ما أكثر شيء أحبه في السلطة؟”
“أنني لا أحتاج إلى أن أكون محبوبًا.”
“يكفيني أن يخافني الجميع.”
“فالحب يتغير… والامتنان يزول… وحتى الولاء يمكن شراؤه.”
“أما الخوف، فذلك شيء لا يحتاج إلى تصديق.”
“ولهذا سأبقى.”
“حتى لو كرهني العالم كله.”
“فالعالم لا يتذكر الرجل الذي كان طيبًا.”
“العالم يتذكر الرجل الذي امتلك القوة ”
“التاريخ يتذكر الأقوياء فقط”
تجهم وجه إيفان بغضب لا مثيل له غضب سيطر على كيانه و روحه و غريزته و قال بصوت واحد
“هل هذا ما مفهومك عن الحياة هل هذا ما تراه بعينيك هاتين؟”
صمت فيلمونت و هو يحدق في إيفان
“هل تظن أن العالم قائم حولك؟”
كانت جملة واحدة جملة واحدة هي الفاصل الذي جعل من فيلمونت ينهار تحت وطأة جنونه
“أيجرؤ حشرة على التقليل من شأني، ما كانت لتقوم هذه الإمبراطورية من دوني، أنا من كنت الركيزة التي أبقتكم قوتا واحدة متحدة”
حرك فيلمونت ذراعه بسرعة و توجهت خواتمه ليتحرر ضغط هائل حطم زجاج النافذة
“أنا الدوق الأعظم في تاريخ هذه الإمبراطورية التافهة…”
تموج وشاح فيلمونت و توهجت عدة أثار كان يرتديها محاولا مهاجمة الجميع
قبل أن يحدث أي شيء طغت إرادة هائلة مزقت سماء مدينة البخار و شملت كامل المدينة
تمزق شرخ هائل في منتصف الطريق الذي أمام النافذة
نظر فيلمونت إلى الشرخ جيدا
خرج رجل واحد طويل القامة رفيع البنية بذراع واحدة كان النصف العلوي من وجهه مغطى يقطع قماش واحدة و يحمل على ثيابه رمز تاج يجتمع فيه سبعة أسيف
تجهم وجه فيلمونت و قال بصوت غليظ
“إذا لقد أتيت بعد كل شيء أيها المطهر”