الفصل 316 - حين سقطت الأقنعة
لم تكن إينا تعرف كم مضى من الوقت منذ انتهت المعركة.
كل ما كانت تعرفه أن مدينة البخار لم تعد تشبه المدينة التي دخلتها أبدًا.
غطى الدخان السماء، وانعكست ألسنة النيران على المباني المدمرة، بينما كان صوت الصراخ وألم الفقدان لا يزال يتردد في الأحياء البعيدة. كان الجنود يركضون في كل اتجاه؛ بعضهم يحمل الجرحى، وآخرون يبحثون عن رفاق فقدوهم وسط الفوضى.
وقفت إينا للحظات بين الأنقاض، تحاول التقاط أنفاسها.
كانت يداها ترتجفان قليلًا.
ليس من الخوف، بل من الإرهاق.
رفعت رأسها عندما سمعت خطوات تقترب بسرعة.
كان أحد جنود المقاومة يركض نحوهم، ووجهه شاحب بشكل واضح.
“إينا!”
التفتت إليه.
“ماذا حدث؟”
توقف الرجل أمامها، محاولًا استعادة أنفاسه.
“وصلتنا أخبار من الجهة الشرقية…”
ثم نظر خلفها، وكأنه يبحث عن شخص معين.
“أين إيمي؟”
قبل أن تجيبه، ظهرت إيمي من بين الدخان، وسيفها القصير لا يزال في يدها.
“أنا هنا.”
نظر إليها الجندي مباشرة.
ترددت الكلمات في حلقه للحظة.
ثم قال:
“لقد أصيبت نور.”
تجمدت إيمي.
لم يتحرك شيء في وجهها في البداية.
لكن عينيها اتسعتا قليلًا.
“ماذا قلت؟”
“نور أصيبت خلال المعركة… لقد نقلوها إلى خيمة العلاج.”
تقدمت إيمي نحوه خطوة.
“ما مدى خطورة إصابتها؟”
خفض الجندي عينيه.
“لا أعرف.”
كانت الإجابة أسوأ من أي شيء آخر.
استدارت إيمي فورًا.
“أين الخيمة؟”
أشار الجندي إلى الجهة الجنوبية من المدينة.
“هناك.”
لم تنتظر إيمي بقية كلامه.
انطلقت مباشرة.
تبعتها إينا دون تردد.
—
كان إيفان واقفًا بالقرب من الطريق المؤدي إلى وسط المدينة.
وصل إليه الخبر بعد لحظات فقط.
كارلا مصابة.
لكنه لم يتحرك نحو خيمة العلاج.
ظل صامتًا للحظات، وعيناه مثبتتان على القصر البعيد الذي كان يعلوه دخان أسود.
قصر الدوق.
قال بوريس وهو يقف بجانبه:
“إيفان.”
لم يجبه.
“إيفان، خيمة العلاج في الجهة الأخرى.”
أغمض إيفان عينيه للحظة.
ثم فتحهما.
“أعرف.”
“إذن لماذا تتجه نحو القصر؟”
نظر إيفان إلى المبنى البعيد.
“لأن شخصًا ما يجب أن ينهي ما بدأناه.”
ثم تحرك.
تردد بوريس لثانية واحدة فقط قبل أن يلحق به.
“انتظرني.”
لم يلتفت إيفان.
“كنت سأفعل ذلك على أي حال.”
—
كانت خيمة العلاج مزدحمة.
المصابون في كل مكان.
أصوات الأطباء والممرضين تختلط بصرخات الألم، بينما كانت رائحة الدم والأعشاب الطبية تملأ الهواء.
دخلت إيمي الخيمة بسرعة.
“نور!”
توقفت.
كانت عيناها تتحركان بين الأسرّة، واحدًا تلو الآخر، حتى رأتها في نهاية الخيمة.
كانت نور مستلقية فوق سرير بسيط، جسدها ساكن، وقطعة قماش بيضاء تغطي عينيها.
اقتربت إيمي ببطء.
لأول مرة منذ بداية المعركة، لم تعرف ماذا تفعل.
توقفت إينا بجانبها ولم تقل شيئًا.
كان الاثنان ينظران إلى نور فقط.
ثم تحركت أصابع نور قليلًا فوق الغطاء.
فتحت إيمي فمها.
“نور…؟”
لم تجب.
اقتربت إينا خطوة أخرى.
وفي تلك اللحظة، جاء صوت ضعيف من خلف الضمادات.
“إيمي…؟”
توقفت إيمي تمامًا، ثم انحنت نحوها.
“أنا هنا.”
ظهرت على وجه نور ابتسامة صغيرة.
“جئتِ…”
لكن ابتسامتها لم تستمر طويلًا.
لأن إيمي لاحظت شيئًا آخر.
كانت الضمادات حول عيني نور ملطخة بالدم.
لم تصدق إيمي في البداية ما رأته، حتى أخبرها الطبيب بالواقع.
لم تفهم إيمي الكلمات في البداية.
كانت تقف أمام سرير نور، وعيناها مثبتتان على الضمادات البيضاء التي تغطي وجهها.
“عمى؟”
خرجت الكلمة من فمها بصوت خافت.
نظر الطبيب إليها بتردد.
“الإصابة دمرت عينيها بشكل كامل.”
حدقت إيمي فيه.
“لكنها ستتعافى.”
لم يجب الطبيب.
اقتربت إيمي خطوة.
“قلت إنها ستتعافى.”
“الجروح يمكن أن تلتئم، لكن…”
توقف.
“لا يوجد شيء يمكننا فعله لاستعادة بصرها.”
ساد الصمت.
كانت إيمي تحدق فيه وكأنها تنتظر منه أن يتراجع عن كلامه.
ثم التفتت إلى نور.
“هي فقط تحتاج إلى بعض الوقت.”
قالتها هذه المرة وكأنها تقنع نفسها.
“أليس كذلك؟”
لم يجب أحد.
انحنت إينا فجأة نحو نور.
“دعيني أفحصها.”
رفعت يدها نحو الضمادات، ثم توقفت للحظة.
“نور، هل تسمحين؟”
حركت نور رأسها ببطء.
“افعلي.”
بدأت إينا بفحصها بنفسها.
كانت أصابعها تتحرك بحذر حول وجه نور، تتحسس الجروح والأنسجة المحيطة بعينيها، ثم وضعت يدها فوق جبهتها وأغلقت عينيها.
حاولت استخدام قدرتها بأقصى ما تستطيع.
مرت ثوانٍ.
ثم أكثر.
تغير تعبير وجهها تدريجيًا.
سألت إينا:
“نور… هل تستطيعين رؤية أي شيء؟”
“لا.”
“حتى الضوء؟”
صمتت نور للحظة.
“لا.”
ابتلعت إينا ريقها.
حاولت مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
كانت تبحث عن أي استجابة.
أي شيء.
لكنها لم تجد شيئًا.
سحبت يدها ببطء.
نظرت إلى إيمي.
ولم تقل شيئًا.
فهمت إيمي الإجابة قبل أن تسمعها.
“قوليها.”
ترددت إينا.
“إيمي…”
“قوليها.”
أخذت إينا نفسًا عميقًا.
“الضرر كامل.”
لم تتحرك إيمي.
“ماذا يعني ذلك؟”
“يعني أن عينيها لن تستعيدا وظيفتهما.”
انخفض صوت إينا.
“نور لن ترى مرة أخرى.”
بقيت إيمي واقفة.
ثوانٍ طويلة.
ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة، فارغة تمامًا من الفرح.
“لا.”
نظرت إلى إينا.
“هذا ليس مضحكًا.”
“أنا لا أمزح.”
“إذن أنت مخطئة.”
“إيمي…”
“قلت إنك مخطئة.”
ارتفع صوتها.
التفت بعض الموجودين في الخيمة نحوها، لكنها لم تهتم.
“نور أقوى من هذا.”
قالتها بعناد.
“لقد خرجت من أشياء أسوأ.”
صمتت لحظة.
ثم نظرت إلى نور.
“أليس كذلك؟”
ابتسمت نور ابتسامة ضعيفة.
“ربما.”
اقتربت إيمي منها وأمسكت يدها.
كانت يد نور باردة.
“سنجد حلًا.”
قالت إيمي.
“أي حل.”
لم تجب نور.
ضغطت إيمي على يدها أكثر.
“حتى لو اضطررت للبحث في كل مكان.”
هذه المرة تحدثت نور بهدوء.
“إيمي.”
“ماذا؟”
“لا تكذبي عليّ.”
توقفت إيمي.
“أنا أعرف.”
خفضت نور رأسها قليلًا.
“أعرف أنني لن أرى مجددًا.”
ارتجفت أصابع إيمي.
لكنها لم تترك يدها.
“إذن سأكون عينيك.”
رفعت نور وجهها نحو الصوت.
لم تستطع رؤية وجه إيمي، لكن لسبب ما كانت تعلم أن وجهها مليء بالإحباط والألم.
بعد كل شيء…
كانت صديقتها.
—
بعد وقت قصير، خرجت إيمي من الخيمة.
كانت تحتاج إلى الهواء.
لكنها لم تبتعد كثيرًا.
فور خروجها، رأت كارل.
كان واقفًا على بعد عدة أمتار.
لم يكن كارل الذي تعرفه.
سيفه لم يكن في يده.
كانت ملابسه ممزقة ومغطاة بالدم والتراب، ووجهه شاحب، بينما كان ذراعه ملفوفًا بضماد سميك.
لكن أكثر ما لفت انتباه إيمي كان عيناه.
كانتا فارغتين.
كأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل بهما.
توقفت أمامه.
لم يتحدث أي منهما.
ثم سأل كارل:
“كيف حالها؟”
عرفت إيمي فورًا من يقصد.
“نور؟”
أومأ.
خفضت إيمي عينيها.
“لقد فقدت بصرها.”
تجمد كارل.
لم يقل شيئًا.
فقط أغمض عينيه.
ظل هكذا لثوانٍ.
ثم سأل:
“إلى الأبد؟”
“نعم.”
صمت كارل، وهو غارق في أفكاره، قبل أن يستفيق على صوت شهقات متقطعة.
رفع رأسه ناحية الصوت.
عندها سقطت كل الأقنعة وكل مظاهر كبح النفس والثبات.
لم يبقَ سوى فتاة منهارة، تبكي كطفلة صغيرة.
تردد كارل، وسرت قشعريرة في جسده، قبل أن يقول بصوت مرتجف:
“إيمي؟ هل أنتِ بخير؟”
لم يفهم لماذا سأل هذا السؤال، ولا حتى سبب سؤاله.
كان عقله غارقًا في الظلام، عاجزًا عن التفكير.
تقدم كارل ووضع يديه على كتفيها.
“اهدئي، إيمي… اهدئي.”
استمرت نوبة بكاء إيمي، واشتدت أكثر فأكثر.
مسحت الدموع عن وجهها، لتغطيه دموع أكثر، وهي تردد:
“أهدأ… هل تطلب مني أن أهدأ؟ آه…!”
“أيها الأحمق! أتتوقع مني أن أتصرف بشكل طبيعي وصديقتي المقربة أصابها العمى؟!”
“كنت حمقاء… حمقاء عظيمة. ركزت كامل تركيزي على بحث سخيف، مدفوع بمشاعر طفولية…”
صرخ كارل في وجهها:
“إيمي، لا تقوليها!”
“توقف عن الكذب، كارل! الكل يعلم هذا. دارون ميت بالفعل، وأنا مجنونة تلاحق ظله!”
صرّ كارل على أسنانه.
لكن قبل أن يقول شيئًا، طغى عليهما ظل ضخم من خلفهما.
وضع جين يديه بينهما وقال بصوت هادئ:
“توقفا… كلاكما مخطئ.”
أجابته إيمي بصوت مكسور:
“مخطئة في ماذا، جين؟ ما الذي تفهمه أصلًا؟”
صمت جين قليلًا.
ثم قال:
“لماذا برأيكما لم تقم نور بإلقاء اللوم على أحد؟”
تردد كلاهما، وساد الصمت بينهما.
أكمل جين:
“لأنها لم ترغب في بدء خلاف بيننا.”
صمت للحظة.
“حتى وهي أكثرنا تألمًا وحسرة، كان كامل تفكيرها في مساعدتنا.”
حاولت إيمي قول شيء، لكن جين قاطعها بجملته الأخيرة:
“لطالما كانت عقل فريقنا الحكيم… وستبقى دائمًا كذلك.”
سقطت إيمي على ركبتيها، تبكي بصوت عالٍ.
أما كارل، فاختار اللجوء إلى إحدى الزوايا البعيدة والجلوس هناك بصمت.