الفصل 315 - ثمن الحرب
كان فريقهم متناسقًا حقًا. خاضوا معًا معارك متعددة، بعضها انتصروا فيه، وبعضها اضطروا إلى الهرب منه.
لا تزال نور تتذكر ذلك اليوم الذي هرب فيه كارل وهو يبكي من الخوف أمام ذئب عملاق، ولا تزال تتذكر فرحته عندما حصل على جائزة التبليغ عنه.
كان فريقهم مليئًا بالضحك والمرح والجدية، لكنه كان قبل كل شيء المكان الذي تشعر فيه نور بالراحة والطمأنينة.
في أحد الأيام، لمحت نور كارل وهو يغادر المدينة، فقررت اللحاق به.
سار كارل حتى وصل إلى مقبرة قريبة من المدينة، تلك المقبرة التي يُدفن فيها جميع موتى فيرون وبعض القرى المجاورة.
ركع كارل أمام قبرين.
في ذلك اليوم، رأت نور وجهًا آخر لكارل. لم تتحمل المنظر أمامها، فتقدمت إليه.
“هل هما شخصان تعرفهما؟”
لم يُبدِ كارل أي ردة فعل، بل اكتفى بالإيماء، ثم قال:
“إنهما أمي وأختي الصغيرة…”
لم تجد نور كلمات تساعد بها رفيقها، فاكتفت بالصمت.
لكنه أكمل قائلًا:
“لقد ماتتا بسبب قطاع طرق هاجموا قريتي قبل سنوات طويلة.”
“كنت عاجزًا حينها… ضعيفًا، ومع ذلك حفظت ذلك الحقد داخلي جيدًا.”
نظر إليها كارل بعينين قاتمتين.
“نور… الضعف خطيئتي في الحياة، وسأقاتل حتى أكفّر عنها.”
لم تجد نور أي كلمات لتقولها.
لأول مرة، خانها ذكاؤها.
ومنذ ذلك اليوم، لم تنظر إلى عيني كارل أبدًا.
مرت السنوات، وأصبحوا مرتزقة معروفين، حتى وصل خبر إلى فيرون.
الخصام الذي دام سنوات بين فيرون وسبارك تحول إلى حرب. ومع ذلك، وبسبب قوانين إمارة نوران، فرض الدوق كاسيان على كلتا المدينتين حشد جيش لا يتجاوز ألفي مقاتل وسبعة متحكمين، وفرض إنهاء الصراع عبر قتال بين الفارسين الكبيرين.
لم تهتم نور بهذا الأمر أبدًا…
ليس قبل أن تقرر صديقتها إيمي الانضمام.
في ذلك اليوم، وقفت نور خلف بوابة المدينة وهي تراقب الجنود يغادرون.
كانت إيمي بينهم.
ارتدت درعها وحملت سيفيها، بينما كانت ملامحها أكثر جدية من المعتاد.
حدقت نور فيها طويلًا.
“هل أنتِ خائفة؟”
ابتسمت إيمي.
“قليلًا.”
“إيمي.”
“ماذا؟”
“لا تموتي.”
ضحكت إيمي.
“سأحاول.”
“أنا جادة.”
تغيرت ابتسامة إيمي.
ثم اقتربت منها ووضعت يدها على رأسها.
“سأعود.”
كانت تلك آخر مرة رأتها فيها نور قبل أن تغادر.
مرت الأيام ببطء، ثم الأسابيع.
انتظرت نور بصبر لا مثيل له عودة صديقتها المقربة، حتى بلغها خبر فوزهم في الحرب.
ومع ذلك، لم تفرح.
بل على العكس، ازداد قلقها على صديقتها، وانتظرتها أكثر.
في اليوم الذي وصل فيه جيش فيرون إلى المدينة، جلست نور بالقرب من نزل سارة تنتظر.
في ذلك اليوم، شعرت نور بشعور لا يمكن وصفه عندما رأت إيمي حية.
ومع ذلك، لم تتحرك من مكانها.
أرادت الاندفاع واحتضانها، لكن مكانها ودورها حصل عليه شخص آخر.
كان شابًا في أوائل العشرينات، يسير بجانب إيمي.
ومع ذلك، كان كامل تركيز نور على تعابير صديقتها.
كانت ترى ابتسامة لم ترها من قبل، وتسمع نبرة صوت لم تسمعها من قبل.
ومع ذلك، لم تشعر بالأمان تجاهه.
كان غريبًا، وكان يمنحها إحساسًا بالخطر الخفي.
في اليوم التالي، ذهبت نور إلى نقابة المرتزقة.
كان كارل وجين في انتظارها.
لم يدم انتظارهم طويلًا، حتى دخلت إيمي مع الشاب نفسه.
سجلته كمرتزق وعرّفته إليهم.
كان شابًا عاديًا بكل ما تعنيه الكلمة، بعيدًا عن الإحساس الغريب الذي يمنحه وجوده.
وفوق كل شيء، كانت نور قادرة على تمييز مشاعر إيمي تجاهه.
مضت الأيام، ثم الأشهر.
بلغت نور رتبة الفهم، وفعلت قدرتها لأول مرة.
وتبع ذلك حرب العصابات.
ذلك الشاب الذي بالكاد تعرفت إليه منذ وقت قصير ارتقى بسرعة، وأصبح في وقت قصير محط أنظار الجميع.
كانت نور قد قرأت كثيرًا عن هذا النوع من الناس.
كان يشبه البطل.
وكما يحدث مع كل بطل…
تأتي نهايته.
في تلك الليلة التي فقدوا فيها بطلهم، دارون، أدركت نور مهمتها.
كانت مهمتها مساندة صديقتها في محنتها.
جلست نور في تلك الليلة واحتضنت صديقتها الباكية.
أرادت مساعدتها، وتقاسم ألمها.
أرادت إخبارها بأنها ستكون بجانبها دائمًا، لكنها عجزت عن قول شيء.
اكتفت بالصمت.
لم تقل شيئًا.
تمنت من أعماق قلبها أن يكون وجودها، ولو قليلًا، مساعدًا لصديقتها.
رفعت إيمي نظرها، وسارت نحو النافذة، ثم نظرت إلى السماء.
وأقسمت بصوت مليء بالحزن والحزم:
“سأجده… سأجده حتمًا، مهما كلفني الأمر.”
كان نظر إيمي متجهًا نحو السماء، أما نور فكان كامل تركيزها على عيني صديقتها.
ثم لمحت شيئًا.
شيئًا لم يكن من المفترض أن تراه.
شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها خوفًا.
حدقتا عيني إيمي تحركتا، ودارتا بأسلوب غريب لا يشبه شيئًا يمكن لكائن حي فعله.
تجمدت نور في مكانها.
طغى عليها شعور واحد.
الرعب.
صديقتها لم تكن بشرية.
‘ماذا يحدث ماذا بحقك؟ هذا غير منطقي… هذا غير منطقي… هذا غير منطقي… هذا غير منطقي…’
امتلأ رأسها بأفكار لا نهاية لها.
‘متى حدث هذا؟ منذ متى وهي هكذا؟’
لم تقل نور شيئًا.
كان الصمت جزءًا من حياتها بعد كل شيء.
تظاهرت بأنها لم تر شيئًا، وأكملت حياتها.
أمضت بعدها السنوات الثلاث التالية برفقة فريقها، يبحثون عن ظل الرجل الذي ترك في نفوسهم ما لم يتركه أي أحد آخر.
سافروا، وحاربوا، وارتقوا حتى بلغوا جنوب القارة، حيث يوجد اتحاد القبائل، ولم يجدوا شيئًا.
غزوا عدة أطلال لحضارة السحر والنجوم، ولم يحدث شيء.
وجدوا كنوزًا وآثارًا قديمة.
لكن كل شيء تغير عندما دخلوا آثار حضارة الميكانيك.
صديقتها المقربة مرت بنفس الشيء في ذلك اليوم.
لم يقتصر الأمر على عينيها فقط، بل امتد إلى أفعالها.
لم تعد أفعالها منطقية.
ولم يلاحظ أحد غيرها ذلك.
وعندما بلغ الرعب في داخلها أقصى ما تستطيع تحمله، حملت نفسها وسارت بالفريق لمغادرة المكان.
لم ترغب نور أبدًا في تصديق ما يحدث مع صديقتها.
أبدًا.
وأخيرًا، أتى اليوم الذي تلقوا فيه مهمة إنقاذ الأميرة.
لكن عندما قيل إن مدينة البخار مبنية فوق أطلال حضارة الميكانيك، لم تشعر نور بالأمان.
ومع ذلك، لم تعترض.
عندما قرر المعلم دخول سراديب الهلاك، أحدثت نور مشهدًا معترضةً على دخول صديقتها معهم، وقد نجحت.
حتى أثناء الحرب، لم تتوقف عن استراق النظرات إلى صديقتها خوفًا.
حتى في مواجهة عدوها إيرفين، كانت مشتتة.
ومع ذلك، نالت ثمن تشتتها…
وفقدت بصرها.
أرادت حقًا أن تكون صديقتها هي من يساعدها وهي في تلك الحالة.
لكن السماء لا تستمع إلى الأماني.
من قابلها كان كارل.
لم تغضب لأن أمنيتها لم تتحقق.
بل على العكس…
كان كارل خيارًا أفضل من صديقتها.
لسبب ما، شعرت بالأمان معه.