الفصل 314 - لست بحاجة لأكون هنا
كانت نور في الثامنة من عمرها عندما بدأت تدرك أن هناك شيئًا خاطئًا في منزلها.
لم يكن والداها يصرخان عليها، ولم يضرباها، ولم يحرمَاها من الطعام أو اللعب. على العكس تمامًا، كانا يوفران لها كل ما تحتاجه، وكانا يهتمان بمستقبلها أكثر مما يفعل معظم الآباء بأطفالهم.
لكن ذلك الاهتمام كان له ثمن.
المقارنة.
منذ أن بدأت نور تفهم معنى الكلمات، كانت تسمع اسم أخيها أكثر مما تسمع اسمها.
“أخوك تمكن من حل هذه المسألة عندما كان في عمرك.”
“انظري كيف يفكر أخوك.”
“لو ركزتِ قليلًا، ربما استطعتِ أن تصلي إلى مستواه.”
“لا نريد منك أن تكوني عادية.”
كان أخوها أكبر منها بعدة سنوات، لكنه كان مختلفًا عن بقية الأطفال بطريقة جعلت الجميع يلاحظونه منذ الصغر.
كان عبقريًا.
لم يكن مجرد طفل ذكي، بل كان يمتلك عقلًا يفوق عمره بكثير. يستطيع حفظ صفحات كاملة بعد قراءتها مرة واحدة، ويحل مسائل يعجز عنها البالغون، ويتذكر التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
وكان يحب الشطرنج.
أما نور، فكانت تجلس أمامه كل مساء تقريبًا.
كانت رقعة الشطرنج توضع بينهما، وتبدأ اللعبة.
“كش.”
كان أخوها يقولها بهدوء.
تنظر نور إلى الرقعة، ثم تحرك قطعة أخرى.
“كش.”
مرة أخرى.
كانت تحاول التفكير كما يفكر هو، لكنها لم تكن تفهم كيف يستطيع رؤية كل الاحتمالات بهذه السرعة.
وفي النهاية، كانت تخسر.
دائمًا تقريبًا.
ومع ذلك كانت تبتسم.
“مرة أخرى.”
كان أخوها يرفع حاجبه.
“لقد خسرتِ خمس مرات.”
“إذن سأفوز في السادسة.”
“هذا ليس منطقيًا.”
“لا يهم.”
ثم تبدأ المباراة من جديد.
لم تكن نور تكره الشطرنج.
بل كانت تحبه.
لأنها في تلك اللحظات لم تكن تشعر بأنها الطفلة التي يحاول والداها تحويلها إلى نسخة أخرى من أخيها.
كانت فقط أخته الصغيرة.
وكان هو فقط أخاها الأكبر.
لكن الأمور تغيرت عندما بدأ والداها يدركان أن نور لا تسير في الطريق نفسه.
كانت ذكية، نعم، لكنها لم تكن عبقرية مثل أخيها.
وكانت سريعة التعلم، لكنها لم تكن تستطيع الوصول إلى الإجابة قبل الجميع.
لذلك بدأ الضغط يزداد.
أصبحت ساعات الدراسة أطول.
اللعب أقل.
والشطرنج لم يعد مجرد لعبة.
أصبح اختبارًا.
في إحدى الليالي، جلست نور أمام رقعة الشطرنج وهي تحدق في القطع.
كان أخوها قد أنهى حركته منذ عدة ثوانٍ.
قال والدها من خلفها:
“فكري جيدًا.”
كانت نور تعرف أن والدها ينتظر منها شيئًا.
كانت تعرف أن أمها تراقبها.
وكانت تعرف أيضًا أن أخاها قد وجد الحل بالفعل.
حركت حصانها.
نظر أخوها إلى الرقعة.
ثم قال:
“خسرتِ.”
توقفت يدها.
لم تبكِ.
لم تغضب.
لكنها شعرت بشيء ينكسر بداخلها.
لم تعد تريد الفوز.
كانت تريد فقط أن يتوقف الجميع عن النظر إليها وكأنها نسخة ناقصة من أخيها.
في اليوم التالي، خرجت من المنزل وجلست وحدها بالقرب من السور الحجري خلف الحديقة.
وضعت ذراعيها حول ركبتيها، وأخفضت رأسها.
“أنت حزينة.”
رفعت نور رأسها.
كانت فتاة صغيرة تقف أمامها.
شعرها القصير مربوط بطريقة بسيطة، وعيناها تحملان ذلك اللمعان الذي لم تكن نور تراه في عيون أي شخص آخر.
إيمي.
صديقتها الوحيدة تقريبًا.
“أنا لست حزينة.”
قالتها نور بسرعة.
جلست إيمي بجانبها.
“أنت تكذبين.”
“لا أكذب.”
“إذن لماذا تجلسين هنا بدلًا من اللعب؟”
لم تجد نور إجابة.
ظلت صامتة للحظات، ثم قالت:
“أريد أن أكون ذكية.”
“أنت ذكية.”
“ليس بما يكفي.”
قطبت إيمي حاجبيها.
“بالنسبة إلى من؟”
لم تجب نور.
“أخوك؟”
خفضت نور رأسها.
“أبي وأمي يريدان مني أن أكون مثله.”
صمتت إيمي قليلًا.
ثم مدت يدها وأمسكت بيد نور.
“لكن أنتِ لستِ هو.”
رفعت نور عينيها.
“ماذا؟”
“أنتِ نور.”
قالتها إيمي ببساطة وكأن الأمر لا يحتاج إلى تفسير.
“ولستِ بحاجة لأن تكوني شخصًا آخر.”
ظلت نور تنظر إليها.
“لكن ماذا لو كنت أقل منه؟”
هزت إيمي كتفيها.
“وماذا في ذلك؟”
“أنت لا تفهمين.”
“ربما.”
ابتسمت إيمي.
“لكنني أعرف شيئًا واحدًا.”
“ماذا؟”
“إذا كان أخوك يستطيع أن يفعل شيئًا لا تستطيعين فعله، فهذا لا يعني أنك تستطيعين فعل شيء لا يستطيع هو فعله.”
تجمدت نور.
كانت جملة بسيطة.
لكنها بقيت في عقلها طويلًا.
ولأول مرة، بدأت تفكر في الأمر بطريقة مختلفة.
ربما لم تكن المشكلة أنها ليست عبقرية.
ربما المشكلة أنها كانت تحاول أن تصبح شيئًا لم تكن بحاجة إلى أن تصبحه أصلًا.
مرت السنوات.
كبرت نور قليلًا، وبدأت تكتشف شيئًا لم يتوقعه أحد.
لم تكن عبقرية في الحساب.
ولا في الشطرنج.
ولا في حفظ المعلومات.
لكنها كانت تمتلك شيئًا آخر.
عينان تلاحظان التفاصيل.
يد ثابتة.
وصبرًا لا ينفد بسهولة.
وفي أحد الأيام، أخذها أحد أفراد عائلتها إلى ساحة التدريب.
كان هناك قوس صغير موضوع فوق الطاولة.
نظرت إليه نور باستغراب.
“ما هذا؟”
“قوس.”
“أعرف أنه قوس.”
قالت إيمي من خلفها وهي تضحك.
“كنتِ تسألين وكأنك رأيتِ سيفًا أسطوريًا.”
أمسكت نور بالقوس.
كان أثقل مما توقعت.
وضعت السهم في مكانه، لكنها لم تعرف كيف تسحبه.
اقترب منها المدرب وأصلح وضع يديها.
“لا تفكري كثيرًا.”
قال لها.
“فقط انظري إلى الهدف.”
رفعت نور القوس.
كان الهدف بعيدًا.
رفعت السهم.
شدت الوتر.
للمرة الأولى، شعرت بشيء مختلف.
لم تكن بحاجة إلى حساب عشرات الاحتمالات.
لم تكن بحاجة إلى التفكير في إجابة صحيحة.
لم تكن بحاجة إلى أن تكون مثل أخيها.
كانت فقط بحاجة إلى النظر.
ثبتت عيناها على مركز الهدف.
ثم أطلقت.
انطلق السهم.
شق الهواء.
واستقر في مركز الهدف تمامًا.
ساد الصمت.
حتى نور نفسها لم تتحرك.
نظر المدرب إلى الهدف.
ثم إليها.
“مرة أخرى.”
أطلقت السهم الثاني.
في المركز.
الثالث.
في المركز.
التفتت نور نحو إيمي.
كانت صديقتها تبتسم ابتسامة واسعة.
“أظن أنك وجدتِ شيئًا خاصًا بك.”
نظرت نور إلى القوس بين يديها.
لأول مرة، شعرت بالفخر دون أن تضطر إلى مقارنة نفسها بأخيها.
لم تكن بحاجة إلى أن تكون أذكى منه.
كان يكفي أن تكون نور.
مرت السنوات في لمح البصر تلك الفتاة الصغيرة كبرت و أصبحت رامية سهام مرعبة بلغت سنة السابعة عشر حينها مرت بأول شجار لها مع عائلتها شجار كاد ينتهي بحادث لا ينسى
أرادت نور أن تصبح مرتزقة مع صديقتها و وصفتها بإستثمار في موهبتها و لكنها قوبلت برفض قاسي تلك الليلة وصل صوت صراخ والدها آخر الشارع و أخوها يحاول تهدئته
عندما بلغ صبرها حدها رمت آخر ما لديها قائلتا “إذا سأغادر هذه العائلة للأبد” كانت عيناهت مليئتان بالدموع و لكنها شعرت بشعور غريب كان أقرب للتحرر و الحرية
خرجت تلك الليلة لا تعلم أين تخطو خطوتها التالية لا تعلم قد أمضت و هي تمشي حتى وجدت نفسها أمام باب نزل عادي ترددت في طرق الباب
حاولت الطرق عدة مرات مع ذلك غلبها التردد و الخوف فجأة و يدها ممدودة فتح الباب بأقصى قوتها لعل من حسن حظها أن الباب يفتح للداخل فلم تصب به و مع ذلك إستقبلتها صديقتها إيمي بإبتسامتها العادية و قالت “هل حدث أمر جميل لك نور؟”
“أمر جميل…؟”
“نعم فهذه أول مرة أراك بهذه الإبتسامة الواسعة”
تحسست نور وجهها لم تكن تعلم حتى أنها كانت تبتسم فقالت بصوت يملئه السعادة
“لقد طردت من المنزل”
ارتعبت إيمي خائفة
“ماذا لماذا ماذا بحقك تبتسمين لأمر كهذا”
احتضنتها نور بقوة و تشبثت بها بصعوبة و قالت بصوت طفولي
“لأنني سأتمكن من أن أصبح مرتزبة معك أخيرا…”
إستوعبت إيمي كلمات نور و سحبتها معها للداخل قائلتا
“سأقنع خالتي أن تسمح لك بالنوم معي في غرفتي”
صمتت قليلا و قالت
“أنت لا تمانعين مشاركتي السرير نور؟”
هزت رأسها بسعادة كانت نور في قمة سعادتها حقا
مضت الأيام و قررت نور و إيمي الذهاب لنقابة المرتزقة بخطوات مترددة
شعرت نور و إيمي بسعادة لأن موضفة الإستقبال ماري كانت لطيفة معهما بل و شرحت لهما كيفية قبول المهمات و الرتب الخمسة للمرتزقة
كانت نور تتمنى حقا إستمرار حياتها هكذا للأبد هي و إيمي معا و لكن هذا كان مستحيل لم يسمح لها العالم بالراحة و التأمل و التمني
كان أول حدث قابلها هو أخوها الأكبر قابلها في أحد الأزقة بعد بحث بسيط
“نور أعلم أنني كنت إزعاجا لك في حياتك و لكنني أريدك أن تعرفي أنني أحبك”
مد أخوها يده إلى جيبه و أخرج قلادة من جيبه و أهداها لها و قال
“إحدى العواصم الثلاثة الكبرى عاصمة العلم سوميير تمكنت من الحصول على منحة لأصبح أحد علمائها و أنا سأغادر الليلة”
لم تحزن نور على فراق أخيها و مع ذلك لم تستطع التخلي عن تلك القلادة
الحدث الثاني كان بعد شهرين من إنضمامهما إلى نقابة المرتزقة حيث قابلهم مرتزق أقدم منهم بعامين بشعر فضي و عيون زرقاء و أول تصور لنور عنه كان
أحمق متعجرف
كان مقاتلا ماهرا بسيفين عند خصره لم يكن أحد من المرتزقة لا يعرف عن مهارته في استخدام السيف و لكنه كان نرجسي
بجانبه كان هناك رجل في الثلاثين من عمره كان ضخما بحق لو قارنته بنفسها لكان ثلاث أضعافها أو اربع
لسبب ما انكسرت الحواجز بينهم و أصبح من السهل التكلم معهم سرعان ما تطور الأمر إلى تشكيل فريق عندما قالت إيمي و هي تضحك نحن الأربعة نشكل توازنا مثالي كفريق
و كان هذا تشكيل فريقها الأول كمرتزقة