الفصل 313 - لا تتركني في صمت
تجمد كارل في مكانه.
لم يعرف كيف يرد عليها.
كان يستطيع تحمل الألم، الجروح، الدماء وحتى الموت. لقد رأى خلال هذه الحرب أشياء كافية تجعل أسوأ الكوابيس تبدو عادية، لكنه لم يكن مستعدًا لسماع نور تتحدث عن نفسها بهذه الطريقة.
اقترب منها ببطء، ثم جثا أمامها.
“لا تقولي هذا.”
خرجت الكلمات من فمه بصعوبة.
رفعت نور وجهها نحوه، لكن عينيها لم تتحركا معه. كانتا مغلقتين تمامًا، وحول جفنيها امتدت آثار الدم والجروح.
“ماذا؟”
“لا تقولي إنك لم تكوني مميزة.”
ساد الصمت بينهما.
مد كارل يده نحو وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها. لم يعرف أين يمكنه لمسها دون أن يؤلمها.
ثم قال بصوت خافت:
“أنتِ نور.”
ابتسمت نور ابتسامة صغيرة.
“وهذا يفترض أن يعني ماذا؟”
“يعني أنكِ نور.”
قالها وكأنه لا يملك تفسيرًا أفضل.
“الشخص الذي كان يستطيع إصابة هدف من مسافة لا يستطيع أحد حتى رؤيتها منها. الشخص الذي كان يسبقنا جميعًا إلى الخطر. الشخص الذي ظل يطلق السهام حتى عندما لم يعد بإمكانه تحريك ذراعه.”
تغيرت ملامح نور قليلًا.
تابع كارل:
“أنتِ التي أنقذتِ حياتي مرتين.”
لم يجد كارل شيئًا يقوله.
كان يعرف أن نور فقدت عينيها، لكنه لم يستوعب بعد معنى ذلك.
بالنسبة إلى شخص مثلها، شخص عاش حياته وهو يعتمد على بصره، كان فقدان عينيه أشبه بفقدان سلاحه، ومكانه في العالم، وربما جزءًا من هويته.
لكن نور لم تكن تبكي.
وهذا ما أخاف كارل أكثر.
مد يده هذه المرة ووضعها على كتفها.
“سنخرج من هنا.”
قالها بحزم.
ضحكت نور بخفة.
“أنت لا تعرف حتى مدى إصابتي.”
“لا يهم.”
“كارل…”
“قلت لا يهم.”
كان صوته أكثر حدة.
“سنخرج من هنا، وسنعالجك. وإذا لم يستطيعوا علاجك هنا فسأحملك إلى أقرب مدينة. وإذا لم يستطيعوا هناك فسأذهب إلى مدينة أخرى.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“وإذا احتجت إلى عبور نصف العالم فسأفعل.”
ابتسمت نور.
لكن هذه المرة كانت ابتسامتها مختلفة.
لم تكن تلك الابتسامة المتكلفة التي وضعتها على وجهها منذ لحظات.
كانت ابتسامة حقيقية.
“أنت عنيد جدًا.”
“وأنتِ مزعجة جدًا.”
“لم يتغير شيء إذن.”
“بالضبط.”
مد كارل ذراعيه ثم حملها بحذر شديد.
شهقت نور عندما ارتفع جسدها عن الأرض، فأسرع كارل إلى تثبيتها.
“آسف.”
“لم تؤلمني.”
قالت نور بهدوء.
ثم وضعت يدها على صدره.
“كارل.”
“ماذا؟”
“هل عيناك ما زالتا تعملان؟”
قطب حاجبيه.
“بالطبع.”
“إذن أخبرني كيف يبدو المكان.”
نظر كارل حوله.
كان الممر مغطى بالدماء والأنقاض. عشرات الأسهم كانت مغروسة في الجدران، وبعضها محطم تحت الأقدام. وفي نهايته كان ضوء الشمس يتسلل من بين المباني المدمرة.
لكنه لم يخبرها بذلك.
قال:
“إنه قذر.”
ضحكت نور.
“هذا كل شيء؟”
“هناك الكثير من الحجارة.”
“مثير للاهتمام.”
“والجدران قبيحة.”
“أنت سيئ جدًا في الوصف.”
“لم أكن مضطرًا لوصف أي شيء طوال حياتي.”
ساد الصمت مجددًا.
ثم قالت نور:
“إذن لا تتوقف عن الكلام.”
نظر إليها كارل.
“لماذا؟”
“لأنني لا أستطيع رؤية شيء.”
تمسكت نور بذراعي كارل بقوة و تشبثت بهما بيأس و قالت بصوت مليء بالرعب
“أرجوك كارل الصمت يقتلني لذلك لا تتوقف عن الكلام”
سارت قشعريرة على طول عموده الفقري اتسعت عيناه و امتلئتا بالدموع و مع ذلك رفض البكاء بل تشبت هو كذلك بها و قال
“هناك الكثير من الركام المبنى المقابل انهار نصفه و الذي خلفه على وشك السقوط”
كان كارل يصف كل شيء يجده أمامه بالنسبة له كان يحاول تذكير نور بذاتها و لعله يكون و لو لمرة واحدة فقط ذا نفع لها
مشى كارل بين الأزقة و الطرقات أراد التوجه إلى إينا و لكنه يجهل مكانها لذلك تحرك بلا هدف واضح
كل خطوة يخطوها كانت أثقل من سابقتها
توقفت خطوات كارل.
لثانية واحدة فقط.
لكن نور شعرت بذلك.
لم تكن بحاجة إلى عينيها حتى تعرف أن شيئًا تغير.
“كارل.”
“أنا هنا.”
“أعرف.”
شد كارل ذراعيه حولها قليلًا.
ثم بدأ يتحرك.
كان كارل منهارا من الداخل و لكنه رفض البكاء و رفض إظهار ضعفه
كان يتقدم بهدوء و بخطوات ثابتة و وجه هادئ بلا ملامح و لكن هذا كان إعتقاده فقط لأن الواقع كان عكس ذلك
حتى عندما طلب منه المعالج الابتعاد قليلًا كي يتمكن من العمل، ظل واقفًا بجانب النقالة، ممسكًا بأطراف أصابعها.
وعندما أُغلقت ستارة الخيمة خلفهما، بقي كارل في الخارج.
جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى أحد الأعمدة الخشبية، ثم أخفى وجهه بين كفيه.
للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب، سمح لنفسه بالبكاء.
لم يبكِ من أجل المدينة التي دُمرت، ولا من أجل الجنود الذين سقطوا، ولا حتى من أجل الجروح التي تغطي جسده.
بكى المرة الثالثة في حياته و لنفس السبب ثلاث مرات على التوالي لقد فقد أحبته كل من إهتم لأمرهم كل من اعتبره صديقا و كل رفيق اهتم له انتهى به الأمر بفقدانهم
داخل روحه إنفتح ظلام عميق و امتزج بدمه و أشعل فيهم نار الحقد.