الفصل 311 - فتى البحر
لم يعد الألم يؤلم.
هذا ما اكتشفه ويليام أولًا وهو ممدد تحت أنقاض المبنى الذي انهار فوقه، نصفه السفلي مدفون بين الحجارة والحديد الصدئ، وذراعه اليمنى ممدودة أمامه كأنها ما زالت تبحث عن رمحه. كان يعرف أن عظامه محطمة، وأن الحروق أكلت ظهره وكتفيه، وأن ما تبقى منه يقاتل الموت بعناد لا يفسره شيء سوى العادة.
على بعد أمتار قليلة، كانت جثة روديك اللهب متناثرة بين الرماد، نصف الرجل الذي كان يضحك قبل ساعات وهو يقول إنه لن يعده بشيء.
نظر إليها ويليام بعين واحدة تكاد تنطفئ، وابتسم.
“وجهي لم يحترق”، تمتم. “هذا ما يهم.”
لكن النكتة لم تصمد طويلًا. مرّت بين الحجارة ريح ضعيفة، خيط رفيع من الهواء، وعرفها على الفور. لقد قرأ الرياح طوال عمره، وهي لم تكذب عليه مرة.
أغمض عينه. وعادت به الريح إلى الخليج.
كان الخليج الأزرق قبل أن يصير خليجًا للقراصنة ميناءً يُضرب به المثل.
مدينة كبيرة مبنية على نصف دائرة من الحجر، بثلاث بوابات تطل على اليابسة وميناء يتسع لعشرات السفن الضخمة وأكثر من مئة سفينة صغيرة. بناه ملاحون قدماء حين كانت الإمبراطورية ما تزال شابة، وكانت أساطيله تحمل الحبوب والحديد بين الجنوب والشمال. كان كل طفل في المدينة يعرف أن الرياح هنا لا تخدع أهلها… حتى جاء اللحية السوداء.
عشر سنوات كاملة.
عشر سنوات من الأشرعة السوداء والرسوم المفروضة على كل مرساة. لم يكن القراصنة مجرد لصوص؛ كانوا سلطة. يبيعون الحماية ويقتلون من يرفضها، وخلفهم، كما عرف الجميع لاحقًا، يدٌ تمول وتصمت: يد الدوق فيلمونت، الذي لم يُرد لهذا الميناء أن يزدهر بعيدًا عن جيبه. ومع الوقت تحولت المدينة إلى ظل نفسها؛ بحّارة هزيلون، وسفن متآكلة، ووجوه لم تعد تنظر إلى البحر.
وفي هذا الخليج، قبل خمس سنوات، ظهر رجل بشعر بني طويل مربوط من المنتصف، وابتسامة ساخرة، ورمح غريب لم يستطع أحد أن يعرف مما صُنع.
لم يكن ويليام من الخليج.
جاء من مكان بعيد تركه وراءه، ولم يكن يحب الحديث عنه. كل ما حمله معه ثلاثة أشياء: رمح، وعينان تقرآن الرياح، وذكرى أب.
كان أبوه قبطان سفينة في زمن ما، رجلًا عاش فوق الماء أكثر مما عاش فوق اليابسة، وورث عن أجداده قدرة نادرة: البرق. حين كان يرفع الرمح، تنحني له السماء. وعلّم ابنه أن القوة لا تُمسَك بالقبضة، بل تُقاد كما تُقاد السفينة؛ بالإصغاء أولًا.
“لا تقاتل الريح يا ويليام”، كان يقول له وهو صبي. “اقرأها.”
“الرياح حليفك يا بني و أنت ولدت بقوة تسخيرها”
وحين مات الأب، لم يترك لابنه سفينة ولا ذهبًا. ترك له الرمح وجملة واحدة قالها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:
“حين لا تكفيك قوتك… ناده.”
لم يفهم ويليام حينها ما يعنيه. ولم يكن مستعدًا لفهمه إلا بعد سنوات، في غابة محروقة، وهو يرفع الرمح في وجه قناص لا يُرى ويصرخ بصوت مبحوح: “امنحني قوتك مرة أخرى يا أبي.”
في أول أيامه في الخليج، لم يكن أحد يعرف ذلك. كانوا يرون فقط رجلًا يجلس على برميل فارغ ويضحك، ثم ينهض فجأة ويقول لصاحب السفينة القريبة:
“لا تبحر اليوم. ثلاث ساعات، ثم ستأتيك عاصفة من الشمال.”
وكان ينجو من يصدقه.
هكذا بدأ اسمه ينتشر: الشاب الذي يقرأ الريح قبل أن تهب، والتيارات قبل أن تتحرك. سمّى قدرته عين الأعماق، لأنه كان يرى تحت الماء ما لا يراه أحد فوقه. في البحر كانت توقعاته لحركة الأعداء شبه كاملة، حتى قال يومًا لضيف لم يكن يعرفه: “لو لم أملكها، لما بقيت حيًّا حتى اليوم.”
كان لا بد أن يلتقي بإيلينا.
كانت في ذلك الحين تعمل على متن سفينة صغيرة، قصيرة الشعر الأشقر الذي يلامس خط فكها، وغرة مستقيمة فوق جبين لا يعرف الخوف. لم تكن تحب الصمت، ولا تحب المجاملة، وكانت قدرتها، كما قالت له في أول يوم، غريبة بعض الشيء:
“كلما طال القتال، ازدادت قوتي. إن لم تنهِ المعركة بسرعة، فستندم أنت لا أنا.”
“هل هذا تهديد؟”
“إنه تحذير.”
ضحك ويليام. وكانت تلك أول مرة يضحك فيها منذ وصل.
وانضمت إلى طاقمه، ولم يتركها بعدها يومًا.
بدأ الطاقم صغيرًا، ثم كبر: سفينة متوسطة الحجم، وثلاثة وأربعون رجلًا وامرأة، سبعة وثلاثون منهم مقاتلون عاديون، وستة متحكمون. لوكاس، العملاق الذي يرفع المرساة بيده وحدها، وقدرته تُدعى قبضة الجبل. والتوأمان راين ويون، اللذان يزداد بأسهما كلما قاتلا معًا، ويضعفان كثيرًا إذا افترقا. وليون، الفتى الأشقر ذو الوجه اللطيف، الذي تزداد سرعته مع كل خطوة حتى يصير أقرب إلى ريح لا تُرى. وإيلينا.
لم يكن طاقمًا مثاليًا. كانوا يتشاجرون على الطعام، ويتسابقون على الغنائم، وكان ويليام نفسه يقضي وقتًا أطول من اللازم أمام المرآة المعلقة في مقصورته.
“وجه مثل وجهك يستحق الصيانة”، كان يقول لها وهو يعدّل خصلة شعر.
“وجه مثل وجهك يستحق الصفعة”، تجيب إيلينا.
ثم تصفعه فعلًا، وتضحك، ويضحك معها.
لم يقل لها قط إنه يفتقد الضحك الذي كان يملأ سفينة أبيه، ولم تقل له قط إنها لاحظت.
قبل ثلاث سنوات، كان أسوأ يوم في حياة ويليام.
كان اللحية السوداء قد صار أسطورة؛ ثلاثون سفينة، وثلاثون متحكمًا أوليًّا على الأقل، وسبعة متحكمين متقدمين هم قادته، وهو نفسه متحكم شامل لا يعرف أحد قدرته. لكن الخليج اختنق، وقرر بعض الرجال أن الاختناق أسوأ من الموت.
اجتمع عشرة متحكمين أوليين وأربعة متحكمين متقدمين، وكان ويليام بينهم، ومعه ليون. كانت الخطة بسيطة بقدر ما كانت يائسة: قتل اللحية السوداء في عقر داره.
لم تستغرق المعركة خمس دقائق.
لم يعرف ويليام ماذا حدث بالضبط. كل ما يتذكره أن ثقلًا هائلًا هبط على صدره، ثقلًا لا يشبه أي شيء عرفه من قبل، كأن جسده تضاعف ثقله عشرات المرات. رأى رجالًا يحاولون رفع أسلحتهم فلا تطيعهم أذرعهم. رأى شيئًا أسود يمر فوق الرؤوس. ثم الصمت.
نجا اثنان فقط: هو وليون.
عادا إلى السفينة في الفجر، مجروحين، بلا كلام. كانت إيلينا تنتظر على الرصيف لأنه أمرها ألا تأتي. رأت اثنين فقط ينزلان من القارب، فنظرت خلفهما تبحث عن الباقي، ثم فهمت.
لم تصرخ.
اقتربت منه ببطء وصفعته بكل ما لديها من قوة، ثم انهارت على صدره.
“لا تفعلها ثانية”، قالت بصوت مكسور. “لا تتركني أنتظر.”
لم يعدها بشيء. كان يعرف أنه لا يستطيع الوفاء به.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يقود رجاله إلا إلى معارك يستطيع إخراجهم منها.
بعد ذلك بعامين، وفي ظهيرة عادية، وصل إلى الميناء رجل غريب.
كان ويليام جالسًا على برميله يراقب الأفق حين سمع وقع خطوات ثقيلة. رأى رجلًا ضخمًا يتقدم نحوه، يليه شاب قصير نسبيًا يرتدي عباءة بيضاء، وخلفهما امرأة شقراء بدا أنها تسمع أكثر مما تنظر.
“أنت هو ويليام إذًا”، قال الضخم.
“ماذا لدينا هنا؟ رجل عجوز يبحث عني. ماذا بعد، أتريد قتالًا؟”
كانت تلك نبرته الدائمة؛ سخرية تخفي حذرًا. لكن الحذر تحول إلى شيء آخر حين التقت عيناه بعيني الشاب ذي العباءة.
تراجع خطوات، وقال بصوت جعل رجاله يتبادلون النظرات:
“ماذا… هل أحضرت معك وحشًا أيضًا؟ متحكم شامل؟ تبًا، ماذا تريدون؟”
كان اسمه دارون.
تحدث عن سنوات القراصنة العشر، وعن الشاب الذي ظهر قبل خمس سنوات وصمد أكثر من أي أحد. ثم قال ما لم يتوقع ويليام سماعه:
“أريد قوتك.”
انفجر ويليام ضاحكًا. لكن الضحك لم يدم.
لأن الغريب، بدل أن يُجمّل الأمر، قال الحقيقة. أخبره من هو الممول الحقيقي. أخبره عن الدوق فيلمونت. أخبره أن ثمة معركة أكبر بكثير من الخليج.
وفي مقصورة السفينة، حين جلس الجميع، أشار ويليام إلى طاقمه واحدًا تلو الآخر، كما يفعل أب يقدم أبناءه. وحين وصل إلى إيلينا، قال دارون بهدوء تام:
“بالمناسبة، حجم صدرك ضخم جدًا. ألا يعيقك في القتال؟”
ساد صمت مطبق.
رمشت إيلينا مرتين.
ثم دوّت الصفعة.
ثم الثانية، حين حاول الرجل إصلاح الأمر بقوله إن صدرها “جميل”.
ثم الثالثة، حين سأل ببراءة إن كان قد تعلم قواعد الحديث مع الفتيات.
حاول ويليام ألا يضحك. فشل.
لأول مرة منذ سنوات، ضحك الطاقم كله، وكانت الغرفة تبدو أحيانًا وكأنها تعود إلى ما كانت عليه قبل الخمس دقائق.
لم تكن الخطة سهلة.
ثمانية سفن ضد ثلاثين، وقادة سبعة، واللحية السوداء نفسه بقدرة لا يعرفها أحد. لكن الرجل الغريب أخبرهم أن الحرب لا تُكسب بالعدد، بل باختيار ساحة القتال.
في الليلة الأخيرة، اقتربت سفنهم الثماني بلا مشاعل نحو الجزيرة، وكان الثقل المألوف يضغط على صدر ويليام من بعيد. رجع إليه الإحساس القديم: ذلك اليوم، الخمس دقائق.
التفت إليه دارون وقال: “هل أنت بخير؟”
“سأكون.”
وحين تفرقوا، كان نصيبه قناصًا.
رجل لا يُرى. لا شكل ولا رائحة ولا صوت. حتى عين الأعماق لم تستطع أن تعطيه أكثر من مساحة تقريبية يختبئ فيها. تلقى ثلاثة سهام: اثنان في ظهره، وواحد في ذراعه، ثم رابع في فخذه أسقطه أرضًا.
نظر ويليام إلى الأشجار من حوله، وشعر بضيق صدره يعود.
ثم رفع الرمح.
“امنحني قوتك مرة أخرى يا أبي.”
كانت جملة لم يقلها منذ موت أبيه. لكن الرمح استجاب. اشتعل برق ضخم، ارتفع نحو السماء حتى بلغ قمة الأشجار، ثم انفجر في ضربة واحدة شملت الغابة بأكملها.
وحين خفت الضوء، كان ويليام على ركبتيه يلهث. وعلى بعد عشرات الأمتار، جثة متفحمة لرجل يحمل قوسًا.
لم يبتسم.
في تلك الليلة، سقط اللحية السوداء. وفي الصباح، كان الخليج يتنفس لأول مرة منذ عشر سنوات.
بعدها، كل شيء حدث بسرعة.
أوسترين. المجلس. التحالف. الشهر الأخير الذي قضاه يتعلم كيف يجمع تياراته المبعثرة في مجرى واحد، حين قال له دارون: “ليس جمع الماء كله دفعة واحدة، بل توجيه تيار رئيسي يقود البقية.”
ثم السراديب.
في أعماق مدينة البخار، حيث خانته قدرته لأول مرة. تلك الجدران الكاتمة التي تعطل كل قدرة كشف. حيث وقف بين سكارليت وإيفان، وقال ساخرًا إن الهرب من وحش بهذا الرعب ليس خيارًا.
ثم قالت سكارليت، الفتاة الشقراء التي لا تتجاوز أوائل العشرينيات، إنها “تنادي إيفان عمًّا”.
“ليس من الأدب”، احتج إيفان.
“وما المشكلة؟ أنت في أواخر الثلاثين، وأنا في أوائل العشرين.”
نظر إليه ويليام وإيفان في اللحظة نفسها وقالا بتزامن مرعب: “ماذا؟!”
“لا تقلقوا أيها الأعمام، لن أسخر منكم لبقائكم عزّابًا حتى هذا العمر.”
رفع ويليام حاجبه، وقال لإيفان بنبرة متهكمة: “يبدو أنها شملتني معك يا عجوز.”
“اصمت أيها الصعلوك.”
ضحك ويليام، وشعر بشيء يشبه الدفء في صدره. كان يقف بين أناس غرباء عنه قبل عام، وأصبحوا اليوم أقرب إليه من أي أحد.
في الفجر الذي سبق المعركة، وبينما كانت سكارليت تلقي خطابها على آلاف المقاتلين، اقتربت منه إيلينا.
“أنت لا تأخذ الأمر بجدية كافية.”
“التراخي واللامبالاة ليسا الشيء نفسه.”
“تقول ذلك كل مرة.”
“وفي كل مرة أعود حيًّا.”
نظرت إليه طويلًا. كانت عيناها تقولان شيئًا لم يجد لسانها الشجاعة لنطقه.
“الموت سيأخذ كل من يتراخى اليوم”، قالت أخيرًا.
“إذن لن يأخذني.”
ابتسم لها تلك الابتسامة التي كانت تكرهها وتحبها معًا، ثم أدار وجهه نحو البوابة.
لم يكن يعرف أنها ستكون آخر مرة يراها فيها وهي تقف أمامه.
وقف أمامه مقاتل بشعر أحمر ياقوتي وعينين خضراوين، يحيط به لهب يعزز سيفه.
عرف ويليام من النظرة الأولى أنه أحد القادة السبعة. روديك اللهب.
لم يتبادلا كلمة واحدة قبل الهجوم.
اختفى ويليام. لم تكن خطواته تُسمع؛ كلما لامست قدماه الأرض انفجرت شرارة زرقاء، ثم اختفى جسده قبل أن يظهر في مكان آخر. وحين ارتطم رمحه بسيف روديك، انفجرت موجة من البرق والنار في كل الاتجاهات.
لكن الرجل كان جيدًا. ظهر خلف ويليام، وهبط سيفه قبل أن يستدير، فانزلق ويليام عشرات الأمتار، وترك وراءه أخدودًا طويلًا في الحجر.
“البرق سريع”، قال روديك ببرود، “لكن النار لا تحتاج إلى اللحاق بك.”
انفجرت النار حوله. لم تعد ألسنة لهب، بل وحشًا يلتف على جسده.
“إذن أنت من ذلك النوع.”
“أي نوع؟”
“الذي يتحدث كثيرًا.”
اصطدمت النار بالبرق في منتصف الشارع. اهتزت المباني وتحطمت النوافذ وتحولت الحجارة إلى شظايا. اخترق رمح ويليام اللهب، لكن روديك مال بجسده فمر الرمح بجانب قلبه بفارق ضئيل، ومر سيفه بمحاذاة كتف ويليام فشق الدرع وفتح جرحًا طويلًا.
لم يتراجع أحد منهما.
وفي اللحظة التي كان فيها العالم يضيق عليهما حتى لم يبقَ سوى صوت الاصطدام، سمعا صوتًا آخر.
ثقيلًا، عميقًا، قادمًا من أعماق المدينة.
توقف القتال.
رفع ويليام رأسه نحو الأفق. ظهر ضوء هائل، ثم شعر الهواء كله بالاهتزاز.
“هذا ليس انفجار قدرة.”
ابتسم روديك. “لا.”
رفع سيفه وأضاف: “إنه مدفع.”
شدّ ويليام قبضته حول رمحه. “مدفع بهذا الحجم… إنه متجه إلى جيشنا.”
اختفت ابتسامة روديك، للمرة الأولى منذ بدء القتال.
“إن أصابهم…” قال ويليام.
“فسنخسر آلاف الرجال”، أكمل روديك.
ساد صمت قصير بينهما. رجلان من معسكرين متعاديين، يقفان في مدينة تحترق، ينظران إلى الشيء نفسه.
“إذن ماذا ستفعل؟” سأل روديك.
نظر إليه ويليام، ثم ابتسم. “سأوقفه.”
“وأنا؟”
“حاول ألا تقتلني بينما أفعل.”
ضحك روديك. “لا أعدك.”
وانطلقا معًا، لكن هذه المرة لم يكن اتجاههما نحو بعضهما. بل نحو المدفع.
لم يعرف ويليام كم استغرقا ليوقفا ذلك الشيء.
كل ما يعرفه أن النار والبرق عملا، لأول مرة، في الاتجاه نفسه. أن روديك، الرجل الذي يقاتل في صف فيلمونت، كان يكره ذلك المدفع أكثر مما يكرهه هو. وأن الشيء الضخم تصدع في النهاية، وانهار، وصمت.
ثم التفت كل منهما إلى الآخر.
لم يكن هناك اتفاق على المتابعة. لم تكن هناك هدنة. كانا يعرفان أن ما فعلاه لا يغير شيئًا.
“حسنًا”، قال روديك وهو يرفع سيفه. “لقد أنجزنا أمرًا جيدًا معًا.”
“مؤسف أنه لن يمنعني من قتلك.”
“لن يمنعني أنا أيضًا.”
عادت المعركة، لكن بشكل مختلف. أقل غضبًا، وأكثر احترامًا. كانت نارًا وبرقًا يتجاوزان حدود المدينة، يشقان الأبنية ويصهران الحجارة.
اندفع روديك أولًا. ضربة بسيفه، ثم ثانية، ثم ثالثة. وكل ضربة تترك وراءها قوسًا من النار.
تراجع ويليام، صد الأولى، تفادى الثانية، ثم قفز فوق الثالثة. استدار في الهواء.
صاعقة.
سقط البرق على رمحه. هبط ويليام بقوة فانفجر الشارع تحته، لكن روديك خرج من الدخان، ونصف وجهه مغطى بالدم.
“الآن بدأت أستمتع!” ضحك. “أرني أيها البرقي… هل تستطيع مواكبة اللهب؟”
خفض ويليام رمحه. تجمعت عشرات الشرارات حول جسده.
“لا.”
اختفى.
“أنا لا أواكبك.”
ظهر أمام روديك مباشرة.
“أنا أتجاوزك.”
وكانت تلك آخر ضربة.
لم يعرف أحد منهما أي نار ولا أي صاعقة بدأت الانهيار. كل ما يعرفه ويليام أن المبنى من حولهما بدأ يتشقق، وأن سقفًا ضخمًا اهتز فوق رأسه، وأن روديك، الرجل الذي سقط أمامه ممزقًا، نظر إليه آخر نظرة وقال بصوت لا يكاد يُسمع:
“كان… قتالًا جيدًا.”
ثم جاء الانهيار.
الآن
عاد كل شيء إلى الحجارة والرماد.
عرف ويليام أنه ينتصر. عرف أنه يموت. وعرف أن الفرق بين الأمرين لا يهم كثيرًا.
تذكر الخليج. أباه الواقف خلفه عند الفجر. الثقل على صدره قبل ثلاث سنوات. عيني إيلينا الواسعتين، وصفعتها التي كانت أقسى من أي سيف. ضحكة دارون حين قال إنه لا يفهم النساء. “أيها العم”. الميناء الذي عاد يتنفس.
مرّت الريح مرة أخرى، وهذه المرة لم تكن ضعيفة.
كانت تحمل شيئًا.
وقع أقدام. بعيد جدًا، يقترب بسرعة، متعثرًا، لاهثًا، كأن صاحبه يركض بجراح لا تُحتمل.
عرف من هو قبل أن يسمع الاسم.
إيلينا.
ابتسم، والدم يلون أسنانه.
كان يعرف منذ زمن. منذ ذلك الفجر على الرصيف حين ضربته ثم انهارت. كان يعرف ما تحمله في قلبها، وكان ينوي أن يجيبها حين تنتهي الحرب. لم يكن جاهزًا فحسب، كان جبانًا بطريقته، قبطانًا يخاف الميناء الوحيد الذي يحتاجه.
“تأخرتِ”، همس.
كان يريد أن يعتذر لأنه وعدها بالعودة ولم يستطع. أن يقول إن وجهه، ذلك الوجه الذي كانت تسخر منه، لم يكن يستحق كل هذا الاهتمام، لكنه احتفظ به لأنه كان الشيء الوحيد الذي كانت تنظر إليه حين تبتسم.
لكن الريح كانت تخفت.
ومد يده الممدودة قليلًا إلى الأمام، نحو الضوء الرمادي المتسلل من الشقوق، كأنه يحاول أن يمسك آخر خيط يربطه بالبحر.
اقرأ الريح يا ويليام.
قرأها.
وكانت تقول ما لم يجرؤ على قوله لأحد: لاشيء.
لكنها كانت الريح، وهي لم تكذب عليه قط.
هذا يعني أنها توقفت.