الفصل 309 - إيفان
تمكنت إينا من معالجة جراح إيفان وخياطتها بدقة، ولكنها مع ذلك وقفت عاجزة أمام جرح صدره، واصفةً إياه بإصابة قاتلة.
عاد إيفان إلى هيئته العادية، مما جعل إصاباته أشد ترويعًا مما بدت عليه وهو متحول، والأسوأ أن الإصابة على صدره ظهرت بكامل تفاصيلها؛ برزت العظام وأنسجة العضلات الممزقة.
وقفت إينا وهي تستدير إلى إيمي بخطوات متثاقلة، وهي تتمتم بين شفتيها بنبرة قاسية: «الثاني على التوالي… تبًا».
قبل أن تكمل إينا طريقها نحو إيمي، برز رجل ضخم البنية من مكان قريب. كان يسحب سيفًا ضخمًا إلى جانبه، قبل أن يلمح إيفان، فصرخ بكامل قوته:
«إيفاااان!!!!»
رمى سيفه بلا أي اعتبار، وسابق الزمن وصولًا إلى إيفان الطريح، وهو يهزه برفق ويقول:
«انهض إيفان، انهض! ماذا سأقول لمارتا عندما أعود؟ إذا سألتني أم باروس وإيلينا عنك، ماذا سأقول…؟»
تمسك بوريس بكم صديقه، والدموع تتجمع في زوايا عينيه.
«إذا طلبت مني ابنتي أن أقص لها عن قصتنا، ماذا سأروي لها…؟»
صمت قليلًا، بينما انسابت القطرات الأولى من دموعه، وأكمل بصوت مكسور لا يشبه صوت رجل رزين:
«هل أخبرها أن والدها الضعيف فشل في إنقاذ رفيقه…؟»
نظرت إينا إلى الرجل الباكي بنظرة ألم حقيقي. لقد اختبرت هذه المشاهد عشرات المرات، بل مئات المرات، لذلك فهي تدرك تمامًا وتفرق بين الحزن الحقيقي والمزيف.
صرخ بوريس بأعلى صوته. لم يكن صوتًا غليظًا ولا صوتًا رقيقًا؛ كان مكسورًا، يخلو من كل مظاهر الحزم والرزانة.
كانت صرخة حزن لا يمكن وصفها.
فتح إيفان عينيه، وهو ينظر لصديقه منهارًا تمامًا أمامه. شعر بعشرات الجراح التي قامت إينا بخياطتها، وطغى عليه ألم صدره فوق كل ألم آخر.
قال بصوت ضعيف:
«بوريس، اهدأ يا رجل، أنا لن أموت…»
استفاق بوريس من حزنه عندما لمح عيني رفيقه، قبل أن يسحبه إلى حضن عميق مليء بالدموع والشهيق.
كانت إينا بالفعل في منتصف علاج إيمي، بعد أن منحتها أمصالًا متنوعة تدعم رئتيها المتضررتين، حتى توقفت بالكامل عندما لمحت أن إيفان استعاد وعيه. غريزتها كطبيبة عملت لعقود أخبرتها أنه مستحيل، ولكن ما حدث أمامها كان يفوق غريزتها.
فتحت فمها في دهشة وقالت:
«مستحيل… من المفترض أن تموت…»
صمتت قليلًا، بينما بدأت تسير ببطء نحوه.
«أنت… كيف فعلتها؟ أنت لا يفترض أن تعيش…»
نظر إليها إيفان من الأسفل بنظرات فضول، قبل أن يبتسم لها ويقول:
«يبدو أنه كُتبت لي حياة جديدة».
فتحت إينا فمها قبل أن تنقض عليه وتثبته بقوة أرضًا، وبدأت تفحص جرحه.
تمنت إينا لو أنها لم تفعل كل ما تعلمته. كل ما عاشته لم يكن له معنى.
ذلك الجرح الذي لا يمكن وصفه تضائل، لا بل تجدد. ليس تجددًا كاملًا، بل كمعجزة فصلته عن الموت.
انهارت إينا في عدم تصديق، ورفض عقلها العمل تحت وطأة المشهد أمامها.
بصوت مرتجف وخوف بدائي لا يعرف المنطق، قالت إينا:
«أنت مما خُلقت يا هذا؟ أنت لست إنسانًا أبدًا».
حاول إيفان الاعتراض على كلامها، ومع ذلك استمرت في ترديد تمتمات غير مفهومة:
«ظننته الوحيد غير المنطقي… كان الوحيد الذي لم أفهم آلية عمل جسده، ذلك الفتى. والآن يظهر شخص آخر بنفس الشكل».
أمسكت إينا رأسها بقوة، وصاحت في انهيار تام:
«فقط أي نوع من الكائنات تعيش معنا دون أن ندرك ماهيتها…؟»
تراخت إينا، وشعرت بنوع من اللامنطق لأول مرة في حياتها. اختارت التغافل عما لم تستطع فهمه، وقالت بصوت هادئ:
«مبروك نجاتك يا فتى. إنها لمعجزة حقًا أنك حي…»
استعادت عينا إينا بريقهما، وعادت لإكمال علاج إيمي. رفض كل من كان شاهدًا الضغط عليها وسؤالها عما تقصده، واختاروا الصمت حلًا لحالتهم.
لم يعرف أحد اللحظة التي انتهت فيها الحرب حقًا.
لم يكن هناك إعلان، ولا بوق يعلن النصر، ولا قائد يقف فوق الأنقاض ليخبر الجنود أن كل شيء انتهى. فقط… بدأت أصوات السيوف تختفي واحدًا تلو الآخر.
في الشوارع المدمرة، أخذ الجنود يخفضون أسلحتهم ببطء. بعضهم جلس فوق الحجارة عاجزًا عن الوقوف، وآخرون ظلوا يحدقون أمامهم بصمت، وكأن عقولهم لم تستوعب بعد أن المعركة التي استمرت طوال ذلك اليوم قد انتهت.
توقفت الانفجارات.
انقشع الدخان تدريجيًا عن سماء مدينة البخار، وبدأ ضوء الفجر يتسلل من بين الغيوم الثقيلة، ليسطع على الأبنية المحطمة والجثث المنتشرة في الطرقات.
كان مشهدًا غريبًا.
مدينة كاملة بدت وكأنها خرجت من بين أنياب وحش.
رفع أحد الجنود رأسه نحو السماء، ثم ألقى سيفه جانبًا. تبعه آخر، ثم ثالث، حتى بدأت الأسلحة تتساقط في كل مكان.
لم يعد هناك من يقاتل.
كانت المقاومة قد انتصرت.
لكن لم يشعر أحد بالنصر.
كان الناجون يبحثون بين الأنقاض عن رفاقهم، والأطباء يركضون من جريح إلى آخر، بينما كان بعض الجنود يحتضنون أصدقاءهم الذين نجوا، وآخرون يجلسون بجوار جثث من لم يحالفهم الحظ.
وفي مكان بعيد عن الجميع، بقيت أياكاشي جالسة بين الأنقاض، تحتضن جيرمان بصمت.
انتهت الحرب.