الفصل 308 - جيرمان
سقط جيرمان على ركبتيه يلهث وينزف. كان قد استهلك كامل طاقته، بل ودفع نفسه نحو حدود الموت. حقيقة أنه تبقى له وقت للاحتضار كانت كرمًا حقيقيًا من السماء.
تضاءلت أصوات المعارك وتناقصت، وكانت إعلانًا على أن الحرب على أبواب انتهائها. لم يمتلك إيفان رفاهية القلق بشأن جيرمان، فحالته كانت أسوأ بدورها. كانت عشرات الأسلحة مغروزة في جسمه، خاصة ظهره، من التي أطلقها هارالد، والآن بعد موته اختفت الأسلحة، مما ترك له منافذ عديدة ليخرج منها الدم بغزارة.
ناهيك عن الإصابات، كان هناك شق متقاطع على صدره بعلامة إكس، وكان أحد أشد الإصابات التي تعرض لها، دون ذكر الكسور على مستوى العظام ومفاصله الممزقة، ناهيك عن أنه تلقى شقوقًا على مستوى جمجمته.
لو عُرضت هذه الإصابات على أحدهم لكان الموت يقينًا عليه، ولكن لسبب ما، ربما يرجع لقدرته على التحول، كان حيًا يُرزق. أقلهم إصابة كانت إيمي، ومع ذلك، كونها الأقل إصابة لا يعني أنها مثالية، بل العكس.
تلقت إيمي نصيبها من الإصابات خلال عملية إنقاذ الأميرة سيفيا، وبمجرد أن أخلت الأميرة إلى أحد أقرب ملاجئ المقاومة، سارعت للانضمام إلى القتال لتتعرض لإصابات أكثر وإجهاد عالٍ، ولكنها لا تقارن بإصابة رأيتها.
بعد أن تحطم قناعها عادت معه حدود قدرة إيمي، وبالتالي تركها هذا الأمر أمام وحش يُدعى هارالد بأضعف حالاتها، فلم يكن أمامها سوى المخاطرة نتيجة الإفراط في قدرتها. كان هناك تمزقات بسيطة على رئتيها، وهذه التمزقات كافية لجعلها من أسوأ الإصابات.
لم يدم الأمر طويلًا حتى برزت شخصيتان من بعيد، مسرعتان إلى المجموعة. كانت أياكاشي وإينا.
لم تحتج أياكاشي سوى لحظة واحدة لتحليل الوضع برمته، وفي اللحظة التالية كانت بجوار جيرمان، تحتضنه وتدعمه.
إينا طبيبة، وكانت تملك القدرة على إنقاذهم، ومع ذلك حتى هي لها أولويات. تخطت كلًا من جيرمان وإيفان المتحول، متجهة إلى إيمي بخطوات متسارعة، وبدأت بفحصها.
أمسكت إيمي يد إينا وقالت: «افحصيهما أولًا، فحالتي أفضل. ابدئي بالمعلم، فهو الأسوأ بيننا».
ترددت إينا قليلًا، ثم التفتت إلى الرجل المحتضر أمامها.
بسرعة بديهة قالت: «أياكاشي، أنزليه ببطء وأفرديه بشكل مستقيم».
تأخرت أياكاشي في الاستجابة للحظة قبل أن تنفذ كلماتها.
بدأت إينا تفحصه، بدايةً من ذراعه المبتورة. كانت نظرة واحدة كفيلة بتجهم وجهها، ثم فحصت باقي إصاباته وعظامه.
توقفت إينا وهي تنظر إليه بوجه مظلم…
نفث جيرمان كلماته بصعوبة: «أيتها الفتاة، لا داعي لكل هذا الحزن. هذا ليس ذنبك أبدًا…»
صمت قليلًا ثم أكمل: «إنه خياري، ولست نادمًا عليه».
أشار لها بصعوبة أن تنتقل إلى إيفان. نهضت إينا والتفتت إلى إيفان، وقبل أن تتجه إليه تمتمت بين شفتيها لأياكاشي: «أنا آسفة، هذه حدودي…»
اتجهت إينا إلى الوحش، ففحصت إصاباته وبدأت تخيطها بدقة، تاركةً الرجل المحتضر برفقة أياكاشي.
استمر صمت أياكاشي لثوانٍ قبل أن تخرج كلماتها مكسورة: «هذا ليس ما اتفقنا عليه…»
أجابها بهدوء: «آسف…»
صاحت بغضب مكتوم: «أيها العجوز الأحمق، ألم تخبرني أنك تستثمر فيّ حتى أكون سلاحك في وجه هارالد…؟»
شهقت والدموع تفيض على وجهها، وأكملت:
«إذًا لماذا… لماذا واجهته بدلًا مني؟»
رفع جيرمان يده ومسح الدموع من على وجهها.
«لأنني لم أتحمل فكرة وضع ثقل خطاياي عليك…»
صاحت بغضب وحزن أشد: «ما الذي تتفوه به أيها العجوز؟ أنا مجرد ساموراي فاشل قتل عشيرته. ما المشكلة في تحميلي خطاياك أيضًا…؟»
أجابها بصوت متضائل: «لأنني أردتك أن تعيشي. موت عشيرتك ليس ذنبك، وهارالد ليس عدوك…»
قاوم جيرمان بقوة وهو يخرج كلماته بصعوبة:
«كنت ملازمًا في جيش الإمبراطورية لعقود من الزمن. كنت أطيع بلا سؤال. ارتكبت مجازر في حق الأبرياء باسم الطاعة والولاء، قبل أن أدرك أنه يتم التلاعب بي لخدمة مصالح طاغية مثل فيلمونت».
أظلمت عيناه وهو يقول:
«عندما علمت بالأمر استقلت، وحاولت القيام بأعمال الخير. ساعدت من استطعت حتى التقينا في ذلك اليوم الذي ساعدتك فيه…»
أكمل وقد ظهر على وجهه آثار ندم لا مثيل لها:
«ولكنني كلما قمت بعمل صالح، ظهر فيلمونت ليقوم بعمل أسوأ لا يضاهيه عملي الصالح. حينها أدركت أن خطاياي وجدت لتكفر عن طريق قتله…»
أمسك يد أياكاشي بقوة وقال:
«أياكاشييي! لقد أردت تخليص شعب الإمبراطورية من بطش هذا الطاغية المتوحش، وحياتي ثمن وفداء لهذه الغاية…»
تحركت زاويتا فم جيرمان في ابتسامة رضا وقال:
«أنا سعيد، أياكاشي. لقد قمت بعملي على أكمل وجه. لذلك، ارمِني لمثوى هذا العجوز الأحمق. عيشي حياتك بلا حسرة أو ندم…»
تراخى جسد جيرمان بين يدي أياكاشي، وبدأ البرد ينال منه. تساقطت الدموع على وجهها الجميل، ذلك الوجه الذي لم يعرف عاطفة قط. أرادت أن تنسى ألمها وأن تنسى حزنها، ومع ذلك لم ترغب قط أن تنسى وجه منقذها.
لطالما أحبت أياكاشي الشرب هروبًا من مشاعرها ونسيانًا لذكرياتها، ولكن هذه أول مرة أرادت فيها الشرب بشدة لتنسى ألمها، ومقتت فيه الشرب خوفًا من نسيان منقذها. لم يبقَ أمامها سوى واقع أليم: جثة بين يديها، وألم يمزق صدرها.