الفصل 305 - المعركة المصيرية
وصلت الحرب إلى أقصى مستوياتها. سقط الضعفاء أولًا، وتبعهم الأقوياء ثانيًا، ومع ذلك لم تنتهِ. كانت النهاية تعني أحد شيئين: القضاء الكامل على قادة التحالف والمقاومة، أو قتل فيلمونت وذراعه اليمنى هارالد.
تقدم هارالد بكامل إجلاله وقوته. كان سيفه يشع، وهيئته تعطي انطباعًا واحدًا فقط: القوة. كان قويًا، بل الأقوى في هذه الساحة بأكملها.
وقف في مواجهته رجلان؛ أحدهما في هيئة مستذئب ضخم، والآخر رجل في الخمسينيات من عمره، يحمل وسامة لا تليق بعمره، وطباعًا تعكس انضباطًا شديدًا.
تحرك هارالد في حركة واحدة، فانشق الهواء في حضرته رافضًا مقاومته. كان سيفه أسرع من ومضة العين، وتركيزه يحمل مهارة صقلها لعقود. استهدف صدر إيفان، لكن قبل أن يلمسه بمليمترات، انشق الفضاء أمام سيفه، محرفًا إياه بزاوية غير منطقية، مما منح إيفان فرصة مثالية للهجوم.
سارعت مخالب إيفان نحو الرجل الذي أمامه، لكنها شقت الهواء وانتهت بلا هدف يُذكر.
اختفى هارالد من أمامه، لكنه لم يكن اختفاءً حقيقيًا، بل نتيجة لسرعته. قفز هارالد لأكثر من مترين في لحظة واحدة، وسدد ركلة قوية نحو جمجمة إيفان، تاركًا صدعًا عليها.
تراجع إيفان عدة أمتار، ومخالب قدميه تشق الأرض، ثم بزق نابًا مكسورًا وهو ينظر إلى هارالد. اندفع مرة أخرى على أربعة، كوحش لا يمت للإنسانية بصلة.
استجاب هارالد بحركة خفيفة من سيفه، مزقت صدر إيفان، فكشفت عن مشهد قفصه الصدري للعيان.
أكمل هارالد تلويحته ورفع سيفه ليسدد ضربة أخرى، حينها تقدم جيرمان من خلفه بضربة استهدفت مؤخرة رأسه.
تجنبها هارالد بتحريك رأسه قليلًا، ثم استدار نحو جيرمان وقال:
“لقد مضى وقت طويل منذ أن تقاتلنا هكذا، جيرمان.”
أجابه جيرمان وهو يتخذ وضعية مشابهة له:
“نعم، هذا يشبه أيام الخوالي، معلمي. وللأسف، سيكون هذا نزالنا الأخير.”
ابتسم هارالد وقال:
“معك حق. لا أصدق أنني سأقتل تلميذي بنفسي.”
لم يرد جيرمان على كلامه، بل اكتفى بالاندفاع، ليلتقي الاثنان في سيمفونية من الضربات المتقاطعة.
استخدم كلاهما أسلوب القتال نفسه، مما جعل الأمر يبدو كأنه استعراض لأي شخص بلا خبرة، لكن أولئك الذين خاضوا معارك مميتة سيدركون على الفور أن هجماتهما مشبعة بنية قتل لا يُستهان بها.
على الرغم من استخدامهما لأسلوب القتال نفسه، فقد ظل جيرمان تحت ضغط هارالد طوال القتال. تمكن من تجنب الإصابات القاتلة بصعوبة، لكنه تلقى العديد من الجروح التي يمكن أن تؤثر على أدائه مع مرور الوقت.
لم يقف إيفان مكتوف اليدين، بل هاجم في كل لحظة سنحت له، ومع ذلك، أمام هارالد، لم تكن هجماتهما سوى لعب.
بحركة واحدة من هارالد، أمسك معصم إيفان ولوَاه حتى سُمع صوت مفاصله، ثم رماه في وجه جيرمان.
في تلك اللحظة، خسر جيرمان زخمه، فتراجع حتى لا يصيب حليفه. استغل هارالد ضعفهما، فرفع سيفه عاليًا وأنزله في هجوم قاطع.
صرّ جيرمان على أسنانه ودفع إيفان بعيدًا، ليقف في وجه الضربة التي كانت على وشك قسمه إلى نصفين.
انشق الفضاء أمامه، فحرف ضربة هارالد إلى اليسار، ومع ذلك، كان مستنزفًا وفي مواجهة الموت. وفي مثل تلك اللحظة، كان سيفضل التخلي عن ذراعه مقابل حياته، وهذا ما قام به.
ارتفعت ذراع جيرمان المقطوعة في الهواء، بينما تراجع هو متدحرجًا ومتلوّيًا من الألم. لم يدم ذلك إلا ثواني، حتى نهض بعزيمة أشد.
استمر جرح ذراعه في النزف، مذكرًا إياه بخطورة وضعه، ومع ذلك، بقي واقفًا.
نظر هارالد نحو جيرمان، ثم إلى إيفان الذي تلقى حدَّه الأقصى من الإصابات كذلك، ومع ذلك قال:
“ألم أخبركما؟ هذه الحرب انتهت بالفعل، وهذه خسارتكم…”
صمت هارالد قليلًا، ثم أكمل:
“أتنتظر أحدًا، جيرمان؟ لهذا السبب عملت على كسب الوقت؟ هل هو متجلٍ مبتدئ؟ ورقتك الرابحة لقتلي؟”
صرخ جيرمان في غضب حقيقي:
“لقد أقسمت على ردّ سنين خداعي بقتل ذلك الدوق الطاغية، ولن أتراجع فقط لأنك أنت من وقف في وجهي، هارالد! سأقتلك، وأقتل فيلمونت، تكفيرًا عن ذنوبي التي ارتكبتها نتيجة طاعتي العمياء!”
تقدم هارالد عدة خطوات وهو يقول:
“يا له من أمر مؤسف حقًا. كنت رجلًا مؤهلًا لتكون خليفتي، لكنك اخترت الاستسلام لمشاعرك. جيرمان، ستموت بسبب مشاعرك.”
في تلك اللحظة، ودون أن يتمكن من الاستجابة، انشق جرح هائل امتد من رقبته حتى أسفل صدره.
كان الجرح هائلًا لدرجة أن هارالد ترنح في مكانه. وفي اللحظة نفسها، شعر باضطراب هائل في قدرته، وكأنها على وشك التمزق.
حينها أدرك أن إرادته اختلت…
لا، بل تلاشت للحظة واحدة.
وكانت تلك اللحظة كافية لترك أثر ضخم على مجاله.
رفع هارالد نظره ليجد فتاة بشعر بني مربوط في شكل ذيل حصان وعيون بنية. كانت تضع قناعًا أسود يغطي النصف السفلي من وجهها، وتحمل في يدها سيفًا قصيرًا أسود اللون.
رمت قارورة تحتوي على سائل أخضر لزج نحو جيرمان وقالت:
“خذ هذا، سيساعدك على إيقاف النزيف.”
قال جيرمان وهو يتجرع محتوى القارورة:
“شكرًا لك، إيمي…”
التفتت إيمي نحو هارالد وقالت:
“بقيت أنت فقط… إذًا يجب أن تموت.”